لواء. د. أحمد الجيزاوى يكتب: من الردع إلى الصدام المُدار.. كيف دشّنت واشنطن عصر وزارة الحرب؟
بيان
لم يعد الأمن القومي الأمريكي يدار بمنطق منع الحرب، بل بعقلية إدارة صراع دائم منخفض الوتيرة وعالي التأثير، وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة إشارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى توصيف وزارة الدفاع بوصفها وزارة حرب باعتبارها مناورة لغوية أو استفزازًا إعلاميًا عابرًا، بل بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن تحول أعمق في بنية التفكير الاستراتيجي الأمريكي، فاللغة السياسية في التجربة الأمريكية لا تستخدم على هامش العقيدة، بل تعد أداة فاعلة لإعادة تعريف التهديد، وتوسيع هوامش استخدام القوة، وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع والنظام الدولي.
ويعكس هذا التحول انتقال الولايات المتحدة من عقيدة أمنية تقليدية، تأسست منذ عام 1947 على مفاهيم الردع والاحتواء ومنع الحرب، إلى مقاربة جديدة يمكن توصيفها بالصدام المُدار، وهي مقاربة ترى في الصراع حالة شبه دائمة، وفي القوة—بمختلف أدواتها—وسيلة تنظيم أساسية لإدارة الداخل والخارج معًا، فبينما ارتبط مفهوم الدفاع تاريخيًا بتقييد استخدام القوة ووضعها في خانة الاستثناء، يستدعي منطق الحرب تطبيع الصراع وتخفيض العتبة السياسية والنفسية لاستخدام أدوات الضغط والإكراه.
ويتقاطع هذا التحول مع تطور مفاهيم مركزية في الفكر العسكري الأمريكي، مثل الحرب متعددة المجالات والمنافسة دون الحرب، وفي هذا الإطار، لم تعد الحرب فعلًا عسكريًا مرتبطًا بجبهة واضحة أو إعلان رسمي، بل تحولت إلى منظومة شاملة تمتد إلى الفضاء السيبراني، والاقتصاد والعقوبات، والطاقة وسلاسل الإمداد، والهجرة والحدود، وإدارة الإدراك والوعي العام، وهكذا تتآكل الحدود التقليدية بين السلم والحرب، وبين الأمن الداخلي والأمن الخارجي.
والأكثر دلالة أن هذا المنطق لم يبقَ محصورًا في السياسة الخارجية، بل انسحب بوضوح على الداخل الأمريكي ذاته، فقد أُدرجت قضايا مثل الهجرة غير النظامية، والاحتجاجات، والاستقطاب المجتمعي ضمن معادلة الأمن القومي، بما شرعن توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، وعسكرة إنفاذ القانون، وإعادة تعريف الاحتجاج بوصفه تهديدًا للاستقرار لا ممارسة سياسية مشروعة، في تحول يعكس إعادة صياغة عميقة لعلاقة الدولة بالمجتمع.
وتأتي استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2026 لتقنن هذا التحول مؤسسيًا، فعلى خلاف استراتيجية 2022، التي راهنت على التحالفات والشرعية الدولية والنظام القائم على القواعد، تنطلق وثيقة 2026 من فرضية أن المنافسة الاستراتيجية حالة دائمة، وأن الردع لم يعد يهدف إلى منع الصراع، بل إلى إنهاك الخصم وإعادة تشكيل سلوكه بمرور الوقت، عبر استخدام استباقي ومُركب لأدوات القوة.
ويتجلى هذا التحول بوضوح في الملف الفنزويلي، الذي يمكن اعتباره نموذجًا تطبيقيًا لمنطق الصدام المُدار، فبدل التدخل العسكري الشامل أو الاكتفاء بالعقوبات التقليدية، اتبعت واشنطن نهجًا تصعيديًا متدرجًا جمع بين الضغط الاقتصادي والتحركات المحدودة والتغليف القانوني والإعلامي للعمليات. لم يكن الهدف حسم الصراع عبر حرب مفتوحة، بل إنهاك الخصم وفرض وقائع جديدة دون تحمّل كلفة سياسية أو عسكرية مرتفعة.
في المحصلة، لا تتجه الولايات المتحدة نحو حروب تقليدية شاملة، بقدر ما تؤسس لحالة صراع دائم منخفض الوتيرة وعالي التأثير، تُدار فيه الحرب بوصفها عملية مستمرة لا حدثًا استثنائيًا، وهو تحول يحمل تداعيات مباشرة على الإقليم العربي، الذي يجد نفسه – بصورة متزايدة – جزءًا من مسرح الصدام المدار، بما يفرض على صانع القرار الانتقال من رد الفعل إلى التفكير الاستباقي وتوسيع هوامش المناورة في عالم تحكمه المنافسة الدائمة لا السلام المستقر.
………………………………………………………………………………….
كاتب المقال: باحث في العلوم السياسية والأمن القومي





