شريف عبد القادر يكتب: زيادة الحد الأدنى للأجور والرغيف المعجزة

بيان

(1)

قرأنا عن زيادة الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص إلى سبعة آلاف جنيه شهريًا بدلًا من ستة آلاف جنيه شهريًا، وهو قرار محمود من الدولة.

ولكن هل سينفذ القطاع الخاص ذلك في ظل قوانين عمل رخوة؟

فالقطاع الخاص لا يمنح العاملين بعض الإجازات المقررة من الدولة، وفي عيدي الفطر المبارك والأضحى تُمنح لهم بعض أيامهما إجازة. وإذا كانت الدولة تتيح لأصحاب العمل في القطاع الخاص تشغيل العاملين لديهم في الإجازات الرسمية مع منحهم أجرًا مضاعفًا عن أيام عملهم، إلا أن ذلك لا يحدث، ولا يحصلون على الأجر المضاعف، بالإضافة إلى عدم التزام الكثير من الشركات بعدد ساعات العمل المقررة. ومن يعترض يُعتبر نفسه مستقيلًا، لسابقة توقيعه على استمارة (6) الخاصة بالاستقالة عند بداية تعيينه، وتوقيعه على استمارة (1).

وإن كانت توجد شركات ملتزمة بحقوق العاملين لديها، فإنها قليلة.

وبمناسبة رفع الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص، فلماذا لا نفرق بين رأس مال الشركة وحجم أعمالها عند تنفيذ هذا الحد الأدنى؟ إذ توجد أنشطة بالقطاع الخاص إيراداتها محدودة، ولا يمكنها سداد الحد الأدنى للأجور للعاملين لديها، فلا بد أن نفرق — كما يقولون — بين «أبو جمل» و«أبو معزة».

فمثلًا: ورشة سيد شنكل قطاع خاص، ويعمل لديه عشرة عمال يتقاضون مرتباتهم أسبوعيًا، وإذا فُرض على سيد شنكل إعطاء كل عامل سبعة آلاف جنيه شهريًا، فربما يستغني عنهم، ومن سيعمل لن يُؤمَّن عليه. علمًا بأن كثيرًا من منشآت القطاع الخاص لا تشترك في التأمينات الاجتماعية لأغلب العاملين لديها، لارتفاع نسبة القسط الشهري الذي يبلغ 40% من مرتب المؤمن عليه، يتحمل العامل منه 14% ويتحمل صاحب العمل 26%.

وتُعد نسبة الـ40% مرتفعة عالميًا، مما كان يتسبب في قيام صاحب العمل بالتأمين على أدنى مرتب مسموح به. ومع ارتفاع الحد الأدنى للأجور سيصبح العبء مُنهكًا لصاحب العمل والعامل.

ولذلك لا بد من تحديد نوعية القطاع الخاص الذي يسري عليه الحد الأدنى للأجور، وكذلك تحديد نسبة تتناسب مع القطاع الخاص محدود الدخل.

ولا بد من إعادة النظر في قيمة الاشتراك التأميني الذي يسدده صاحب العمل والعامل. وأتذكر أنه في عام 2010 نُشر لي بجريدة «أخبار اليوم» مقال عن ذلك، وقام الوزير يوسف بطرس غالي بتخفيض نسبة القسط التأميني إلى 12% بين صاحب العمل والعامل، بشرط إثبات المرتب الفعلي الذي يتقاضاه العامل، ولكن تم إلغاؤه بعد يناير 2011، إذ لم يكن قد تم تعميمه بسبب طول مدة دراسة الجدوى.

ومن المؤسف أن إصدار قرار بالحد الأدنى للأجور حفّز غدة جشع بعض التجار؛ فهذه النوعية منذ ستينيات القرن الماضي، كلما زادت مرتبات العاملين سارع التجار برفع الأسعار بحجة أن الحكومة رفعت المرتبات ولم تهتم بالتجار.

(2)

أسفل السطور التالية صورة لما يُسمى «رغيفًا سياحيًا»، وقيمته جنيه واحد، وقطره 10 سنتيمترات كما يظهر في الصورة، ووزنه يخجل الميزان من إيجاد قراءة له، لأنه عبارة عن لقمة تم تحويلها إلى شكل رغيف. وهذا المسمى «رغيف» نتاج انغماسنا فيما يُسمى بحرية التجارة العالمية والاقتصاد الحر.

ورحم الله أيام ستينيات القرن الماضي والاشتراكية، والأغنية التي كانت شائعة وتقول:
(يا زعيم الاشتراكية وأدِّ المسؤولية، ونزمر لك كداهو ونطبّل لك كداهو).

في تلك الفترة كان يوجد رغيف عيش طري، ونوع آخر مفقّع (منتفخ)، ونوع آخر ملدن (منتفخ وناشف)، وكانت قيمة الرغيف تعريفة، أي خمسة مليمات، أي نصف قرش، وكان وزنه يعادل وزن خمسة أرغفة مدعمة، وليس «سياحيًا» كما في زماننا هذا. وكان الأطباء ينبهون مرضاهم بأكل نصف رغيف.

وكان يوجد في تلك الفترة داخل المخبز قفص مخصص لعيش «الرجوع»، أي المخالف للمواصفات (صغير أو ملتصق… إلخ)، وكان يُباع الرغيفان بتعريفة، حيث يشتريه مربو الطيور أو الغنم والماعز. وإن كان يوجد أحيانًا تلاعب في الميزان، لكن على خفيف. ومثل هذا القفص اندثر، لأن عيش الرجوع أصبح ذا شأن عظيم.

وفي تلك الفترة كان البعض، عندما يحلفون لتأكيد مصداقيتهم، يمسكون رغيفًا ويضعونه على أعينهم ويقولون: «وحياة دي النعمة على عيني»، ثم يقولون ما يريدون تأكيده، وبعضهم كانوا يقطعون الرغيف وهو على أعينهم. ومع مرور الزمن، وانخفاض حجم ووزن الرغيف وارتفاع سعره، اندثر الحلفان بواسطة الرغيف.

الرغيف المعجزة
الرغيف المعجزة

طالع المزيد:

شريف عبد القادر يكتب: ذكريات مؤلمة ومؤسفة حدثت يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

زر الذهاب إلى الأعلى