د. سليم الخراط يكتب: الطبول تقرع منذرة أن العالم على حافة الهاوية
بيان
قراءات سياسية لتحليلات في ما يجري من الأحداث المتسارعة، من خلال السيناريوهات التي تعددت، لكن إلى أين ستنتهي؟ ونحن أصبحنا نعلم أنه لا ولن تكون هناك حرب سيخوضها العالم بهذه البساطة، لأنها ستكون خطرًا ليس على البشرية، التي لا تعني القوى الكبرى كثيرًا، بل على رسم معالم خارطة النفوذ والمصالح والتحالفات والشراكات عالميًا، وفي الشرق الأوسط تحديدًا..!!
لكن من سيدفع الثمن، مهما كان حجمه ومتفقًا عليه بين هذه الدول في صراعها، حتمًا كان وسيبقى هو الكيان الصهيوني المحتل أولًا وأخيرًا، فعلى نفسها ـ كما يقول المثل ـ جنت براقش، رغم أن الكيان الصهيوني وراء كل ما يجري..!!؟
لقد كانت نية ترامب التوجه لشن هجوم على إيران منذ أيام مضت، لكنه وافق على منح ويتكوف وكوشنر مزيدًا من الوقت للتفاوض..!!
إذًا، السيناريوهات مستمرة كما كانت خلال قرن، بانتظار اتفاقات لم تتم حتى اللحظة. من سيتألم بالضغط على أصابعه أكثر..!!؟
لكن في أي لحظة قد يتم تبادل بنوك الأهداف ما بين الأطراف مجتمعة، وأقول الأطراف، في حال إن كان هناك ضربة سيتفق عليها ما بين المعنيين بالمفاوضات والتفاهمات..!!
ما يؤكده السيناريو المعمول به أنه، كغيره، لن يكون هناك ضربة نهائيًا، بل إعداد وإخراج متقن لمسرحية الخروج من الأزمة التي كان وراءها الكيان الإسرائيلي بهدف توريط الولايات المتحدة الأميركية أولًا، وتنفيذ سياساته اللاهوتية المبنية على بروتوكولات صهيون..!!؟
لكن ما يفعله ترامب ليس إلا محاولة لعرض العضلات من خلال إظهار العصا الأميركية لروسيا والصين والخليج معًا، لكنه يُبقي على الجزرة لإيران واللوبي الصهيوني..!!
أبواب الخليج أُغلقت بوجه أميركا، و”لا” خليجية قوية. فهل كان رفض قطر والسعودية والإمارات أذكى قرار دفاعي عربي يحمي المنطقة، أم هدية مجانية تحوّل ميزة إيران الجغرافية إلى انتصار تاريخي، وتُعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط..!!؟
لكن هل يُعد رفض قطر والسعودية والإمارات قرارًا حكيمًا يحمي المنطقة العربية، أم أنه يُضعف التحالف ويعزز قدرة إيران على الردع في أي مواجهة استراتيجية..!!؟ شاركوني رأيكم بقوة ودعوا هذا الحوار يتفجّر..!!؟
وسط التصعيد الراهن، تواجه الولايات المتحدة عقبة استراتيجية حاسمة: رفض حلفائها التقليديين في قطر والسعودية والإمارات استخدام أراضيهم وقواعدهم الجوية والبحرية في أي تدخل عسكري محتمل، مما يحوّل الخطط الأولية إلى تحدٍّ لوجستي كبير.
فرئيس الأركان الأميركي قال إنه سيدعم وينفذ أي قرار يتخذه ترامب بشأن إيران..!!
بينما وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو “يقف على الحياد” بشأن شن عمل عسكري ضد إيران..!!
وبينما يحشد ترامب أعتى حشوده العسكرية في المنطقة، جاء الرد بصوت المحركات من مياه بحر عُمان وشمال المحيط الهندي، في توقيت لا يمكن وصفه بالصدفة، حيث أعلنت موسكو وطهران انطلاق مناورات بحرية مشتركة، لترسما خطًا أحمر جديدًا أمام الأساطيل الأميركية..!!
ركزت المناورات على حماية ناقلات النفط ومواجهة التهديدات البحرية، ما يعني أن طهران، وبدعم تقني روسي، أصبحت تملك خرائط رصد تجعل أي تحرك أميركي في مياه المنطقة مكشوفًا وتحت رحمة الصواريخ..!!
وخرج الكرملين ببيان دبلوماسي هادئ لكنه ملغّم، قال إن المناورات مخطط لها مسبقًا، لكنه في الوقت ذاته وصف الحشد الأميركي بأنه تصعيد غير مسبوق. موسكو الآن ليست مجرد مراقب، بل هي الظهير الاستراتيجي الذي يمنح طهران الثقة في ذروة مفاوضات جنيف.
كل ذلك يتم بالتزامن مع وصول السفن الروسية، حيث أطلق الحرس الثوري الإيراني تصريحًا زلزل أسواق الطاقة: “مستعدون لإغلاق مضيق هرمز في أسرع وقت ممكن”. المناورة التي اختُتمت اليوم تحت اسم “السيطرة الذكية” لم تكن تدريبًا، بل كانت بيانًا عمليًا لقدرة إيران على خنق التجارة العالمية، كما يُقال، بـ”كبسة زر”..!!
كل ذلك يجري بينما يتفاوض الدبلوماسيون تحت سقف جنيف المريح، بينما تتحدث البوارج في المحيط، والتحالف (الروسي-الإيراني) يبعث برسالة واحدة لإدارة ترامب: الضغط العسكري لن يكسرنا، والمواجهة لن تكون ضد إيران وحدها..!!
لذلك تُفعّل واشنطن الخطة البديلة: انطلاق عمليات جوية من قواعد أوروبية نائية في اليونان (سودا باي) وبلغاريا وقبرص، مدعومة بجسر جوي هائل يعتمد على أسطول طائرات التزوّد بالوقود KC-135 وKC-46 Pegasus، التي تمنح المقاتلات المتقدمة قدرة على قطع آلاف الكيلومترات ذهابًا وإيابًا.
أما على الجانب البحري، فتندفع مجموعة حاملة “جيرالد آر. فورد” الضاربة شرقًا في المتوسط لتشكّل كماشة استراتيجية، مستفيدة من نظام الإطلاق الكهرومغناطيسي EMALS، الذي يتيح إقلاع أربع طائرات في الدقيقة الواحدة بأقل ضغط على هيكل الطائرة، مع دعم مدمرات “أرلي بيرك” المسلحة بصواريخ توماهوك..!!
وفي تطور عاجل، نعود إلى شباط 2026، حين عبرت حاملة “جيرالد فورد” مضيق جبل طارق متجهة إلى المتوسط ضمن أكبر بناء عسكري أميركي منذ سنوات، بينما نُشرت عشرات طائرات التزويد بالوقود في قواعد أوروبية، وسط تأكيد دول الخليج رفضها المشاركة في أي تصعيد..!!
لذلك كانت معضلة ترامب هي “الضربة التي لا تجرّ إلى حرب”، إذ يواجه معضلة حقيقية متمثلة في:
عقيدة “أميركا أولًا”: إذا نفذت إيران تهديدها وهاجمت هذه القواعد ردًا على “ضربة محدودة”، سيجد ترامب نفسه مضطرًا لرد أوسع، ما يعني “حربًا إقليمية” وعد ناخبيه بتجنبها.
الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، واندلاع حرب في هذا التوقيت سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار الوقود، ما قد يعصف بأغلبية الحزب الجمهوري في الكونغرس.
الحل الترامبي: لذلك يستخدم حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” والمدمرات في مضيق هرمز كأدوات “ترهيب تفاوضي”، ويريد من إيران أن تخاف من “جنونه” المزعوم لتقديم تنازلات في التخصيب مقابل رفع العقوبات، دون أن يضطر فعليًا للضغط على الزناد..!!
في المقابل، تمتلك إيران استراتيجية ردع غير متكافئة قوية من حيث: مئات الزوارق السريعة لتكتيك السرب الذي يربك أنظمة الدفاع، وآلاف الألغام الذكية في مضيق هرمز (الذي ينقل 20% من النفط العالمي)، وأكثر من 20 غواصة «غدير» صغيرة، مثالية لمياه الخليج الضحلة، وأسراب مسيّرات انتحارية لتعطيل الرادارات، وبطاريات ساحلية جبلية تتبع تكتيك «اضرب واهرب»، بالإضافة إلى صواريخ بالستية لتعطيل القواعد ومنع الوصول..!!
إنه في الحقيقة احتدام معركة «حافة الهاوية» عشية استئناف المفاوضات الأميركية – الإيرانية، حيث يبدو من الواضح أن تهديد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن ضربات محدودة في إيران، عشية استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران، يشير بوضوح إلى أننا بتنا نعيش الآن حقيقة ما يمكن تسميته باحتدام معركة «حافة الهاوية»، أو «دبلوماسية حرب الأعصاب» كما يُقال..!!
إن تهديد إيران بالرد القوي هو جزء من استراتيجية إيران الردعية لضرب نقاط ضعف ترامب السياسية والانتخابية، ولإظهار حجم تكلفة أي عدوان أميركي قد يُقدم عليه ترامب. فعندما تهدد إيران بالرد على أي عدوان أميركي عليها، فإنها تدرك جيدًا قدرتها على استهداف القواعد الأميركية المتواجدة في المنطقة، وهي تقع في مرمى نيران الصواريخ الإيرانية.
أولًا: لدى الولايات المتحدة شبكة واسعة من القواعد تجعلها قادرة على ضرب إيران، لكنها في الوقت ذاته تجعل قواعدها وقواتها «رهائن» للجغرافيا، وتقع في مرمى الصواريخ الإيرانية في حال اندلاع الحرب:
– قاعدة العديد (قطر): هي الأكبر (تضم نحو 10,000 جندي) ومقر القيادة المركزية «سنتكوم». تعرّضت لاستهداف إيراني في حزيران 2025، وهي تقع في قلب مرمى الصواريخ الإيرانية.
– قاعدة الأسطول الخامس في البحرين: مقر القيادة البحرية الأميركية، وتقع على مسافة قصيرة جدًا من السواحل الإيرانية، ما يجعلها عرضة للزوارق السريعة والصواريخ الجوالة.
– قواعد الكويت في عريفجان وعلي السالم: تضم آلاف الجنود، وتمثل العمق اللوجستي لأي تحرك بري، وهي قريبة جدًا من محافظة البصرة في العراق والمناطق المحاذية لإيران، وفيها حضور قوى لحركات المقاومة العراقية الحليفة لإيران.
– قاعدة الأمير سلطان في السعودية: توفّر عمقًا استراتيجيًا للقوات الجوية الأميركية، لكنها تظل ضمن نطاق الصواريخ الباليستية «خيبر شكن» و«فتاح».
إننا اليوم أمام أعنف جولة مفاوضات غير مباشرة في تاريخ الصراعات. التحشيد العسكري الحالي هو «المطالبة الأخيرة» التي أرادها ترامب قبل الموعد النهائي الذي حدده في نهاية شباط الحالي.
الهدف ليس المعركة، بل محاولة إرهاب وإخافة إيران لإجبارها على إبداء المرونة وتقديم التنازلات في اللحظة الأخيرة..!!
لكن الأمور قد تخرج عن السيطرة إذا ما حصل أي «سوء في التقدير». فإذا اعتقد ترامب أن إيران لن تجرؤ على الرد الشامل وأخطأ، ونفذت إيران تهديدها بالرد القوي، فقد تنزلق المنطقة إلى الهاوية فعليًا، إلا إذا تجنب ترامب الوقوع في مثل هذا الخطأ في التقدير، وقَبِل بالحل الوسط الذي ستقدمه إيران كمسودة اتفاق مدعومة بحلفائها، على قاعدة «رابح – رابح»..!!
لذلك يحاول ترامب أن يحقق ما لم يحققه أعظم سياسي محنك في العالم، معتقدًا أنه قد سيطر على المنافذ والمعابر المائية، وأنه حاصر روسيا والصين، وأنه يعلم أن الخليج هو من سيدفع التكلفة الترامبية في المنطقة، وقد أخذه اللوبي الصهيوني إلى صفه علنًا في تنفيذ سياساته التوسعية..!!
الحقيقة أن كل ما يحصل ليس إلا أكبر لعبة قمار في عالم الصفقات لترامب، معتقدًا أنه الفائز أخيرًا..!!
وهو حتمًا لن يضرب إيران كما يدّعي، لأنها «الجوكر» الذي يبتز به أعداءه و«أغبياء الخليج» بزريعته، فإيران لديه في كل ما يجري ليست سوى دجاجة تبيض في كل موقف بيضة ذهبية لصالح ترامب..!!
لكن لماذا همّنا وإصرارنا على أن نفهم ما يجري في هذه المنطقة من العالم تحديدًا..!!؟
لأن هذه المواجهة المحتملة تجمع بين التفوق التكنولوجي الأميركي والميزة الجغرافية والإرادة المتمسكة بسيادتها، خليجيًا وعربيًا بشكل غير مباشر، وفي إيران وروسيا والصين مجتمعين، وقد تعيد هذه المواجهة رسم معالم خريطة الأمن الإقليمي، وتهدد سلاسل إمداد الطاقة العالمية..!!





