د. سليم الخراط يكتب: صوت الوطن أولاً وأخيراً
بيان
قراءاتٌ في الوقائع مما كُتب عن الوطن وحاله وأحواله، تلامس الحقيقة المطلوبة! إنها قراءةٌ من المهم أن نتابع كل ما ورد فيها، ونقاربه ونعلق عليه.
والبداية بما ورد في مجلة “فورين أفيرز”؛ حيث ذكرت أنه بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، تبدو سوريا وكأنها تقف على مفترق طرق حاسم، مشيرة إلى أن الدولة التي خرجت سريعاً من العزلة الدولية وحصدت دعماً سياسياً ومالياً غير مسبوق، لا تزال في الداخل عالقة بين منطق “السلطة الصلبة” و”الدولة الجامعة”.
ورأت المجلة الأمريكية أن الرئيس السوري أحمد الشرع يواجه في الداخل مشكلات ومصاعب كثيرة تعرقل مساعي القيادة الجديدة لإعادة بناء الدولة السورية، لافتة إلى أنه بعد مرور عام على المرحلة الانتقالية، ظهر نظام حكم ركز السلطات بيد دائرة ضيقة من القادة السابقين في “هيئة تحرير الشام”، الذين “لم يقدموا حتى الآن رؤية واضحة بشأن مستقبل سوريا السياسي”.
وأضافت المجلة: “التحديات التي تواجه دمشق، والتي تشمل التوتر الطائفي وغياب الانضباط في المجال الأمني، هي مشكلات لا يمكن معالجتها بمعزل عن بعضها؛ لأنها عوارض لعملية انتقال سياسي منقوصة.
فالحكومة الجديدة خرجت بإعلان دستوري وشكلت مجلساً للشعب، لكنها لم تقنع الشعب السوري بقدرة مؤسسات الدولة على خلق مشاركة حقيقية، وحماية مصالحهم، ووضع قيود على ممارسة السلطة واستخدام القوة”.
وأكدت المجلة أن مستقبل الاستقرار في سوريا يعتمد على إقناع الشعب السوري، على تنوعه، بأن الدولة الجديدة تنتمي إليه بصدق، معتبرة أن السنة المقبلة لا بد أن تكشف مدى استعداد قادة دمشق وقدرتهم على تحقيق ذلك؛ لأن البديل هو “دولة جوفاء” تحظى باعتراف دولي، فيما ينهشها نزاع داخلي وتتخبط بين أزمة وأخرى.
لذا، وجدتُ أن الرد الأكثر إيجابية، والمنسجم مع الوطنية الخالصة، يكمن فيما كتبه الإعلامي الأستاذ أحمد رفعت يوسف، والذي فصّله بدقة تحت عنوان: (الدولة وأسس تشكيلها)؛ حيث يرى أن بناء وتشكيل الدول يقوم على ركنين أساسيين لا يكتمل قيامها بدونهما، أو في حال حصول أي خلل بنيوي في أحدهما:
-
الأول: سيطرتها على كامل الجغرافيا التي تتشكل منها الدولة، والمعترف بها وفق القوانين والنظم الوطنية والأممية، بما فيها من ثروات بشرية وطبيعية.
-
الثاني: حق الشعب، بمختلف مكوناته، في نيل كامل حقوقه الوطنية والدستورية التي تكفل المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وتحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم والآمن ضمن حدود الوطن.
من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى ما جرى في المنطقة الشمالية الشرقية وامتداداتها في حلب وبعض مناطق غرب الفرات -والتي كانت تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)- إلا وفق هذا الأساس. وبالتالي، لا يمكن لأحد، لا داخل الدولة ولا خارجها، إنكار حق الدولة في بسط سيادتها على هذه المنطقة أو أي منطقة أخرى قد تكون خارجة عن سيطرتها، سواء كان ذلك بشكل كلي أو جزئي، أو بفعل عوامل داخلية أو خارجية وقوة عسكرية. وهذا يختلف عن أي تواجد أجنبي يكون بشكل قانوني وشرعي وفق الحق الذي يكفله الدستور لقيادات الدول في إبرام المعاهدات التي تنظم التواجد الأجنبي بما يتوافق مع المصلحة الوطنية.
إن نظرة موضوعية للوضع في سوريا اليوم توضح وجود خلل كبير في هذين الركنين الأساسيين؛ فلا الحكومة تبسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، ولا المواطن السوري يشعر بأنه ينال حقوق المواطنة التي تنمي لديه روح الانتماء، دون قلق على حياته ومستقبل أسرته أو تفكير في الهجرة بحثاً عن حياة أفضل.
قد تكون الأولوية لبسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها لتتمكن مؤسسات الحكم من ممارسة سلطاتها، وليتمكن أفراد الشعب من ممارسة حقوقهم والتعبير عن آرائهم في المواضيع الوطنية والدستورية. أما الحالة الأمثل فهي السير في تحقيق هذين الركنين في مسارين متوازيين: تحرير الأرض وحفظ حقوق المواطنين معاً.
بالتأكيد، يبدأ هذا من دستور يحظى بموافقة الشعب، ويقوم على أساس المواطنة والمساواة، مع مراعاة خصوصية الشعب السوري وغناه في تنوعه السياسي والاجتماعي والديني والعرقي، وهو التنوع الذي صاغته آلاف السنين ودوره في بناء الحضارة البشرية منذ اختراع الأبجدية والنوتة الموسيقية والديانات والمدارس الفلسفية؛ وهي إرث عظيم واجبنا الحفاظ عليه.
لعل من حظ الشعب السوري -في حالة نادرة- أن القرار الإقليمي والدولي يتوافق حالياً مع إرادته في الحفاظ على سوريا دولة موحدة، ليس حباً في الشعب، بل تقاطعاً مع مصالح القوى المؤثرة وتوازنات القوة. وهذا يوفر فرصة مناسبة يجب عدم تفويتها لإعادة بناء الدولة وتحديد هويتها الوطنية، مما يتطلب عقد مؤتمر وطني حقيقي يضع أسس دستور وطني ينجزه خبراء متخصصون، ويكون أساساً لانتخابات تنتج برلماناً تمثيلياً وحكومة تعكس النتائج. هذه الخطوات ستمنح المشروعية الدستورية والوطنية لمؤسسات الحكم، وهو ما نتمنى رؤيته قريباً لتنتقل سوريا إلى مرحلة البناء والإعمار.
لذلك، ومع إلحاح الكثيرين في تساؤلاتهم: أليس الأحرى بالحكومة أن تقف مع الشعب وتشعره بأنها أتت منه وإليه لتحقيق طموحاته؟ الإشكالية كما يراها البعض هي أن حكومات “العالم الثالث” لا تنظر إلى شعوبها على أن لها حقوقاً، بل ترى عليهم واجبات فقط، أولها السمع والطاعة والجباية، دون تحقيق متطلبات الحياة التي هي “حق” وليست “رفاهية”.
وعلى الدولة وقيادتها أن تعي أن اقتلاع الفاسدين هو مهمة الحكومات لا مهمة الشعب، خاصة وأن الكثير من الفاسدين باتوا اليوم “أصدقاء مقربين” يتسابقون في تسلق سلم الفساد!





