د. عبد الغنى الكندى يكتب: هل نحن على شفا شرق أوسط جديد؟
بيان
كان من المقرر نشر المقال التالي للدكتور عبد الغني الكندي، والذي حمل في نسخته الأولى عنوان: «هل تمهّد الحرب على إيران لولادة شرق أوسط جديد؟»، وذلك قبل نحو أسبوع، أي قبل الجدل الذي دار لاحقًا على منصة إكس بين الأستاذ عبد الرحمن الراشد وعمرو موسى.
غير أن العنوان تغيّر لاحقًا إلى العنوان الحالي: «هل نحن على شفا شرق أوسط جديد؟».
والمفارقة أن المقال كُتب قبل ذلك النقاش، ومع ذلك جاءت بنيته التحليلية قريبة – على نحو لافت – من المنهج التركيبي الجدلي الهيجلي؛ إذ يقارب بين الأطروحات المتباينة التي ظهرت في حوار موسى–الراشد، جامعًا بين فرضية عمرو موسى ونقيضها لدى عبد الرحمن الراشد، في قراءة تحاول استكشاف مآلات التحولات الجارية في المنطقة.
ويناقش المقال مجمل الخطط والمشروعات الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة على نطاق أوسع، وصلتها بالحرب على إيران، وكذلك مساعي الحد من النفوذ الصيني. كما يحاول قراءة هذه التحولات بوصفها جزءًا من لحظة تاريخية تعيد رسم موازين القوة وشكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
ولأهمية المقال نعيد نشره فيما يلي:
هل نحن على شفا شرق أوسط جديد؟
ففي مطلع التسعينات طرح شمعون بيريز- أحد أبرز قادة ومؤسسي إسرائيل ومهندسي اتفاقية أوسلو- تصوراً لنظام إقليمي جديد في كتابه «الشرق الأوسط الجديد». وانطلقت رؤيته من فكرة أن مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين، بعد الحرب الباردة، ستتحول تدريجياً من التفوق العسكري إلى الاقتصاد والتكنولوجيا، وأن التقدم التكنولوجي العسكري والسلاح النووي قلّصا أهمية مفهوم العمق الاستراتيجي الذي حكم الحروب التقليدية. ومن هذا المنطلق قامت رؤيته على الربط بين الأمن والاقتصاد، عبر تحويل الترابط الاقتصادي الإقليمي إلى أداة لإنتاج الاستقرار، بحيث يؤدي تشابك المصالح الاقتصادية إلى رفع تكلفة الصراع والحد من احتمالاته. وبناءً على ذلك دعا إلى شرق أوسط يقوم على التجارة، والمواني، وشبكات النقل، والسياحة، والتكنولوجيا المتقدمة، واقتصاد المعرفة، بحيث تصبح البنية الاقتصادية الإقليمية بديلاً عن منطق الصراع العسكري. وفي هذا الإطار اعتبر أن الأمن الإقليمي لا يتحقق فقط بتوازن القوة، بل ببناء شبكة مصالح اقتصادية متبادلة تجعل الحرب خياراً مرتفع التكلفة على جميع الأطراف.
وفي هذا السياق رأى بيريز أن قطاع غزة، بحكم موقعه على البحر المتوسط، يملك مقومات تؤهله ليكون مرفأً اقتصادياً مهماً في شرق المتوسط إذا تحقق الاستقرار، معتبراً أن العائق الحقيقي لنهوض غزة وقيام شرق أوسط جديد يكمن في استمرار الصراع السياسي والعسكري والآيديولوجي، وصعود الحركات المتشددة التي تعطل إمكانات التنمية. ولذلك دعا إلى جعل الاقتصاد المحرك الرئيس للعلاقات الإقليمية على غرار التجربة الأوروبية، التي تحوّلت فيها أوروبا من قارة حروب إلى فضاء تكامل اقتصادي عبر الاتحاد الأوروبي. وانطلاقاً من هذه الرؤية خلص بيريز إلى معادلة «عقلانية» – حسب تصوره – مفادها أن العرب لا يستطيعون القضاء على إسرائيل، كما أن إسرائيل لا تستطيع القضاء على العرب، ومن ثم فإنَّ المخرج الممكن لا يكمن في استمرار الصراع العسكري والسياسي والآيديولوجي إلى ما لا نهاية، إنما في بناء تكامل اقتصادي يربط مصالح الجميع ضمن إطار إقليمي واحد، بما يجعل تكلفة الحروب مرتفعة على جميع الأطراف. وبهذا يصبح الاقتصاد، في هذا التصور، أداة لإنتاج الاستقرار لا مجرد نتيجة له، إذ يؤدي تشابك المصالح الاقتصادية إلى تقليص دوافع الصراع، وتعظيم تكلفة المواجهة العسكرية.
وبعد نحو ثلاثة عقود من طرح هذه الرؤية، ظهرت خطة «السلام للازدهار» المعروفة إعلامياً بـ«صفقة القرن»، إلى جانب الاتفاقات التي قدمتها إدارة دونالد ترمب بمشاركة مستشاره وصهره جاريد كوشنر خلال فترته الرئاسية الأولى، كأنها ترجمة عملية لفكرة شمعون بيريز حول «شرق أوسط اقتصادي جديد». وقد ركزت الخطة على البعد الاقتصادي للصراع أكثر من التسويات السياسية التقليدية، انطلاقاً من فرضية أن تحسين الواقع الاقتصادي قد يمهّد لاحقاً لتسوية سياسية، وهو منطق ينسجم مع طرح بيريز القائم على أن التنمية يمكن أن تكون مدخلاً للاستقرار السياسي والأمني.
وفي ولايته الرئاسية الثانية، استكمل ترمب هذا المسار بإنشاء «مجلس السلام في غزة»، وفي سياقٍ إقليميٍ أوسع يتقاطع مع مشروع «محور الاعتدال» الذي طرحه بنيامين نتنياهو لمواجهة «التطرف السني والشيعي». وتضمنت رؤية ترمب في هذا المجلس إعادة طرح فكرة تحويل غزة إلى مركز لوجيستي وتجاري على البحر المتوسط، عبر مشاريع استثمارية، وتطوير موانيها، وربط اقتصادها باقتصادات المنطقة وشبكات التجارة العالمية، بحيث تصبح التنمية الاقتصادية أداةً لإعادة تشكيل البيئة السياسية بدلاً من استمرارها بؤرة صراع دائم، وهو الاتجاه الذي يتقاطع مع رؤية شمعون بيريز لغزة ولشرق أوسط اقتصادي قائم على المواني، والاستثمارات التجارية، والتكنولوجيا المتقدمة.
وقبل إنشاء مجلس السلام لغزة الذي أسسته إدارة دونالد ترمب، وفي سياق التنافس الدولي على طرق التجارة وسلاسل الإمداد العالمية، كانت إدارة الرئيس جو بايدن قد طرحت مشاريع الممرات الاقتصادية الكبرى، على رأسها «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا»، بوصفه مساراً تجارياً بديلاً لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية. ويهدف المشروع إلى ربط آسيا بأوروبا عبر شبكة من المواني، والسكك الحديدية، وخطوط الطاقة، تمر عبر الشرق الأوسط، بما يخلق مسارات نقل جديدة تقلل الاعتماد على المسارات التقليدية التي تعزز النفوذ التجاري الصيني. ولا يمكن فهم هذا التحول في المسار التجاري الدولي بوصفه مشروعاً تنموياً فحسب، بل منظومة أمنية لحماية طرق التجارة، وسلاسل الإمداد، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من الأمن العسكري التقليدي إلى أمن اقتصادي – لوجستي عابر للحدود.
ويرتبط نجاح هذه الممرات بشرطين أساسيين هما: استقرار الشرق الأوسط، وتطوير مسارات تجارية تقلّل الاعتماد على مضيق هرمز أو السيطرة عليه، وهو الأمر الذي يمنح التوتر مع إيران بعداً يتجاوز الحسابات الأمنية إلى إعادة تشكيل طرق التجارة بين آسيا وأوروبا عبر دول الشرق الأوسط. وفي هذا النموذج تتحول المنطقة – والسعودية خصوصاً، التي ربطت اكتمال المشروع بحل الدولتين – إلى عقدة لوجستية عالمية، حيث تكتسب مواني الخليج وشرق المتوسط، بما فيها المواني الواقعة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط في إسرائيل، أهمية متزايدة بوصفها نقاط التقاء للنقل البحري والبري بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، ضمن شبكة إقليمية قائمة على الممرات التجارية، والبنية التحتية المتقدمة. ومن المتوقع أن يعيد هذا المسار تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للتجارة العالمية عبر مسارات بديلة لسلاسل الإمداد، وتعزيز دور المواني والخدمات اللوجستية في الشرق الأوسط.
ولأن قيام مثل هذا النظام الاقتصادي الإقليمي يتطلب بيئة جيوسياسية مستقرة، فإن الصراع مع إيران يكتسب بعداً يتجاوز الحسابات الأمنية المباشرة. فإيران، بما تمتلكه من هيمنة على مضيق هرمز، ونفوذ إقليمي، وقدرات صاروخية وأنشطة نووية، إلى جانب دعمها لميليشيات ذات طابع أصولي، تمثل أحد أبرز الفاعلين القادرين على تعطيل التحول نحو شرق أوسط اقتصادي مترابط وفق تصور بيريز والمشاريع اللاحقة المرتبطة به. ومن هذه الزاوية تبدو المواجهة معها جزءاً من تنافس أوسع حول شكل النظام الإقليمي القادم: بين نموذج قائم على التكامل الاقتصادي والممرات اللوجستية البحرية، ونموذج يبقى أسير منطق الصراع العسكري والاصطفافات الآيديولوجية.
يمكن القول إن الحرب بين إسرائيل وإيران تعيد إبراز أحد مرتكزات رؤية شمعون بيريز لـ«شرق أوسط جديد»، مفادها أن التطور التكنولوجي العسكري قلّص أهمية العمق الاستراتيجي التقليدي، حيث جعلت الضربات الدقيقة والقدرات الاستخباراتية المسافات الجغرافية أقل تأثيراً في معادلات القوة. ونتيجة لذلك ينتقل مركز الثقل من الجغرافيا العسكرية إلى جغرافيا أمن المواني، وطرق المواصلات، والممرات التجارية، بما يعزز تصوراً للأمن الإقليمي يقوم على حماية البنية الاقتصادية، وشبكات التجارة. وهو ما يشكل أحد الملامح الجوهرية لفكرة الربط بين الأمن والاقتصاد التي طرحها بيريز. ووفق هذا المنظور يتعزز التركيز على البنية اللوجستية والتكنولوجية، وسلاسل الإمداد، والنشاط السياحي، بوصفها ركائز للاستقرار الاقتصادي – الأمني الإقليمي الجديد، الذي يتطلب تحجيم نفوذ إيران على طرق الملاحة، ودعمها للميليشيات الآيديولوجية، ومنعها من امتلاك السلاح النووي. ومن هذه الزاوية تبدو المواجهة مع إيران جزءاً من صراع أوسع حول شكل النظام الإقليمي القادم.
في الختام، يمكن النظر إلى التحولات الجارية اليوم بوصفها لحظةً مفصليةً في تاريخ المنطقة. فكما استغرق المشروع الصهيوني نحو نصف قرن بين مؤتمر بازل وقيام إسرائيل، أخذت أفكار شمعون بيريز حول شرق أوسط اقتصادي-أمني مترابط، قائم على التفوق التكنولوجي، والممرات التجارية، والمواني، وسلاسل الإمداد، تتبدّى في تحولات الحروب، والمشاريع السياسية والاقتصادية المعاصرة. ويطرح ذلك تساؤلاً جوهرياً: هل تقف المنطقة في مفترق طرق بين التوجه نحو نموذج شرق أوسط اقتصادي-أمني شبكي، يتراجع فيه ثقل العمق الاستراتيجي التقليدي، ويُقيَّد فيه الانتشار النووي وفق رؤية شمعون بيريز والمشاريع اللاحقة، بما يرسّخ نفوذاً وهيمنةً إسرائيليةً في بنية هذا النظام الإقليمي، أم تبقى رهينة الفوضى واستمرار الصراعات العسكرية والسياسية والآيديولوجية؟ وفي هذا الإطار قد تبدو المواجهة مع إيران جزءاً من إعادة تشكيل ميزان القوى الذي سيحدد أي النموذجين سيطبع مستقبل الشرق الأوسط.
اقرأ أيضا للكاتب:
– د. عبد الغنى الكندى يكتب: إلى أين يتَّجه التصعيد الأميركي مع إيران؟





