بعد 50 عامًا على وفاة ماو.. كيف أعاد شي جين بينج تشكيل إرث الثورة الصينية؟

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
بعد مرور نصف قرن على وفاة مؤسس جمهورية الصين الشعبية، ماو تسي تونج، لا يزال إرثه حاضرًا بقوة في هوية الدولة الصينية وتوجهاتها الداخلية والخارجية، غير أن طريقة التعامل مع هذا الإرث شهدت تحولات عميقة، خصوصًا منذ وصول الرئيس شي جين بينج إلى السلطة، الذي أعاد الأيديولوجيا الماوية إلى صدارة المشهد، بالتوازي مع تقليص الدور التاريخي لدينج شياو بينج، مهندس الانفتاح والإصلاح.
ويطرح هذا التحول سؤالًا يتجاوز حدود التاريخ الصيني: هل يسعى شي إلى الحفاظ على «خلود ماو الثوري» فقط، أم أنه يعمل على إعادة صياغة إرث المؤسس بما يخدم مشروعه الشخصي لبناء الصين كقوة عالمية كبرى؟
ماو والخوف من زوال الإرث
في دراسة صدرت عام 1968 بعنوان «الخلود الثوري: ماو تسي تونج والثورة الثقافية الصينية»، رأى عالم النفس الاجتماعي الأمريكي روبرت جاي ليفتون أن هاجس ماو لم يكن الموت بحد ذاته، بقدر ما كان الخوف من ألا تستمر أعماله الثورية بعد رحيله.
وخلص ليفتون إلى أن الزعيم الصيني، بحكم سنه وموقعه والتزاماته الأيديولوجية، كان يرى أن ضمان بقاء إرثه يمثل ضرورة وجودية. ومن هذا المنظور، فُسرت الثورة الثقافية التي أطلقها ماو عام 1966 باعتبارها محاولة لإعادة تثبيت سلطته وأفكاره داخل الحزب والدولة والمجتمع.
لكن المفارقة التاريخية أن بقاء ماو في قلب الهوية الصينية لم يتحقق فقط بفضل أتباعه المباشرين، بل أيضًا بفضل أحد أبرز مساعديه، دينج شياو بينج، الذي همّشه ماو واتهمه بالانحراف عن الخط الثوري.
دينج.. إصلاح الصين مع الإبقاء على مكانة ماو
بعد وفاة ماو في 9 سبتمبر 1976، صعد دينج تدريجيًا إلى مركز القيادة، وتمكن بين عامي 1978 و1981 من إزاحة خليفة ماو، هوا جوفنج، وفتح الطريق أمام إصلاحات اقتصادية وسياسية واسعة.
ومع ذلك، لم يسعَ دينج إلى إسقاط شرعية ماو أو تفكيك مكانته التاريخية، بل تبنى صيغة شهيرة اعتبر فيها أن ماو كان «صحيحًا بنسبة 70% وخاطئًا بنسبة 30%». وكانت هذه المعادلة تهدف إلى الفصل بين أخطاء ماو الكارثية، خصوصًا خلال «القفزة الكبرى إلى الأمام» والثورة الثقافية، وبين شرعية الحزب الشيوعي والثورة التي أسست الدولة الحديثة.
كان دينج يدرك أن إدانة ماو بالكامل ستعني تقويض الأساس التاريخي لشرعية الحزب نفسه. ولذلك، حافظ على صورة ماو باعتباره مؤسس الصين، بينما أدخل تعديلات جوهرية على سياساته الاقتصادية والإدارية والدبلوماسية.
وفي ظل قيادته، انتقلت الصين من دولة فقيرة ومعزولة إلى دولة منفتحة على الاقتصاد العالمي، مستفيدة من الاستثمارات والتكنولوجيا والتجارة الغربية، دون التخلي عن احتكار الحزب الشيوعي للسلطة.
من العزلة إلى الانفتاح على الغرب
لم يكن انفتاح ماو المتأخر على الولايات المتحدة والغرب قطيعة مع الثورة، بل كان محاولة لإنقاذها من خلال إعادة تموضع الصين دوليًا.
فالعلاقة مع الاتحاد السوفيتي تدهورت تدريجيًا منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، بعد الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين بكين وموسكو، خصوصًا عقب خطاب نيكيتا خروتشوف عام 1956 الذي انتقد فيه عبادة شخصية ستالين وسياساته القمعية.
ورأت القيادة الصينية في توجه خروتشوف نوعًا من «التحريفية» التي تهدد النموذج الثوري. وتفاقمت التوترات إلى حد وقوع اشتباك حدودي بين القوات الصينية والسوفيتية في مارس 1969 حول جزيرة تشنباو على نهر أوسوري، التي كانت موسكو تسميها دامانسكي.
ومع تصاعد الخطر السوفيتي، بدأ ماو، بدعم من رئيس الوزراء تشو إن لاي، في فتح قنوات اتصال مع واشنطن. واستثمر دينج هذا المسار لاحقًا، فأقام علاقات دفاعية واقتصادية وتجارية مع الولايات المتحدة والغرب، أسهمت في تحويل الصين إلى قوة دولية صاعدة.
وكان شعار دينج الدبلوماسي يقوم على «إخفاء القدرات وانتظار الوقت المناسب»، أي تجنب الظهور المبكر كقوة منافسة للنظام الدولي القائم.
ما بعد ماو.. إصلاح اقتصادي دون تغيير سياسي
بعد إقصاء هوا جوفنج، دفع دينج باتجاه تعيين تشاو تسي يانج رئيسًا لمجلس الدولة، وهو ياوبانج أمينًا عامًا للحزب، بهدف تنفيذ إصلاحات اقتصادية عميقة.
ورغم اتساع الفجوة بين التطور الاقتصادي والانفتاح التجاري من جهة، والانغلاق السياسي من جهة أخرى، حافظ دينج على مركزية الحزب الشيوعي وعلى مكانة ماو في التاريخ الرسمي للدولة.
وقد ظهرت حدود هذا النموذج بوضوح خلال احتجاجات ميدان تيانانمن عام 1989، عندما انقسمت القيادة الصينية بين تيار يدعو إلى الحوار مع الطلاب، وآخر يطالب بالحسم الأمني.
وفي النهاية، انحاز دينج إلى خيار الحفاظ على النظام السياسي، معتبرًا أن الاحتجاجات تهدد قيادة الحزب والنظام الاشتراكي. وأسفرت الحملة العسكرية عن سقوط مئات القتلى، وفق تقديرات غربية، بينما تحدثت تقديرات أخرى عن أعداد أكبر بكثير.
ورغم ذلك، اختار دينج جيانج زيمين، أمين الحزب في شنغهاي، لخلافة تشاو تسي يانج، بدلًا من رئيس الوزراء لي بنج، بسبب قدرة جيانج على احتواء احتجاجات شنغهاي دون اللجوء إلى القمع العسكري الذي شهدته بكين.
القيادة الجماعية.. إرث دينج الأهم
لم يقتصر إرث دينج على الإصلاح الاقتصادي والانفتاح الخارجي، بل شمل أيضًا نموذج «القيادة الجماعية»، وتحديد مدد المسؤولين، وتنظيم انتقال السلطة، ومنع تركيز جميع أدوات الحكم في يد زعيم واحد.
وخلال عهدي جيانج زيمين وهو جينتاو، استمرت الصين في اتباع سياسة خارجية حذرة ومنخفضة النبرة، رغم مواصلة العمل على تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.
فقد استخدم جيانج خطابًا يركز على الصعود السلمي، بينما تحدث هو جينتاو عن «العالم المتناغم»، لكن الهدف الأساسي ظل واحدًا: بناء القوة الصينية تدريجيًا دون استفزاز القوى الكبرى أو دفعها إلى تشكيل جبهة احتواء مبكرة ضد بكين.
وبحلول عام 2010، أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فيما ظل ماو حاضرًا باعتباره المؤسس التاريخي، بينما تراجعت الأيديولوجيا عمليًا لصالح التنمية والنمو.
شي جين بينج.. نهاية نموذج القيادة الجماعية
مع وصول شي جين بينج إلى السلطة عام 2013، بدأت مرحلة مختلفة جذريًا. فقد أعاد شي تركيز السلطات السياسية والعسكرية والأمنية في يده، وأضعف نظام التداول المنظم للسلطة الذي ارتبط بعهد دينج وخلفائه.
وبحسب تحليلات أكاديمية غربية، أنهى شي عمليًا مبدأ القيادة الجماعية، وألغى القيود التي كانت تحول دون استمرار الزعيم في الحكم لفترات طويلة، كما أعاد الأيديولوجيا الماركسية إلى مركز الحياة السياسية.
وفي عام 2018، أُدرج «فكر شي جين بينج حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لعصر جديد» في دستور الحزب والدولة، إلى جانب مكانة ماو تسي تونج وفكره، في خطوة عكست رغبة شي في تثبيت موقعه الفكري والسياسي باعتباره المرجعية الأبرز للصين المعاصرة.
وخلال احتفال الصين بالذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس عام 2018، قدم شي نفسه بوصفه مفسرًا رئيسيًا للماركسية، وليس مجرد رئيس للدولة أو أمين للحزب.
تقليص دور دينج وتعظيم موقع شي
في عام 2021، اعتمد الحزب الشيوعي الصيني قرارًا حول «الإنجازات الكبرى والخبرة التاريخية للحزب خلال القرن الماضي»، وهو ثالث قرار تاريخي من هذا النوع بعد قرار ماو عام 1945 وقرار دينج عام 1981.
وأظهر القرار تراجعًا لافتًا في حضور دينج مقارنة بماو وشي. فقد ورد اسم شي 22 مرة، وماو 18 مرة، بينما ورد اسم دينج ست مرات فقط، وبمجرد استبعاد أسماء النظريات والأفكار المنسوبة إلى القادة، يظهر دينج ثلاث مرات فقط، مقابل 11 لماو و17 لشي.
ويرى محللون أن هذا التراجع لم يكن عرضيًا، بل يعكس إعادة صياغة متعمدة للتاريخ السياسي الصيني، بحيث يظهر شي بوصفه الوريث الأهم للمؤسس ماو، بينما يجري تقليص الدور التاريخي لدينج، خاصة في ملف الانفتاح الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، روجت وسائل إعلام صينية لدور والد شي، شي تشونج شون، في إطلاق المناطق الاقتصادية الخاصة، في محاولة لإبراز مساهمته التاريخية، وربما منافسة الصورة الراسخة لدينج باعتباره مهندس الإصلاح والانفتاح.
ماو في عهد شي.. تكريم المؤسس وصعود الوريث
زار شي جين بينج ضريح ماو في عام 2023، بمناسبة الذكرى الـ130 لميلاده، وألقى خطابًا مطولًا أشاد فيه بدور ماو في تأسيس الصين الحديثة.
لكن تكريم ماو في عهد شي لا يعني بالضرورة العودة الكاملة إلى سياساته، بل يعكس استخدام إرثه لتثبيت شرعية القيادة الحالية. فشي يحتفظ بصورة ماو في الواجهة، لكنه في الوقت نفسه يعزز صورته الشخصية باعتباره القائد الذي يحدد مستقبل الصين وحده.
ومن هنا، فإن «خلود ماو الثوري» لم يعد مسألة تتعلق فقط ببقاء أفكاره، بل أصبح جزءًا من معركة داخلية على من يملك حق تفسير التاريخ وتحديد مستقبل الدولة.

من «إخفاء القدرات» إلى سياسة حافة الهاوية
في السياسة الخارجية، ابتعد شي تدريجيًا عن نهج دينج القائم على الحذر والصبر. فبدلًا من إخفاء القدرات وانتظار الوقت، اتجهت الصين إلى استعراض قوتها العسكرية والاقتصادية بصورة أكثر صراحة.
ويتجلى ذلك في بحر الصين الجنوبي، حيث عملت بكين على عسكرة جزر اصطناعية في مناطق متنازع عليها، بالتزامن مع تصعيد الضغوط على تايوان.
وكان دينج قد دعا في ثمانينيات القرن الماضي إلى تأجيل النزاعات الإقليمية، والسعي إلى التنمية المشتركة، لكن سياسة شي اتجهت إلى فرض وقائع جديدة بالقوة والضغط العسكري.
ويعكس هذا التحول انتقال الصين من استراتيجية الصعود الهادئ إلى استراتيجية أكثر assertiveness، تقوم على اختبار حدود الخصوم وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يتناسب مع طموحات بكين.
تحذير ماو الذي قد يتجاهله شي
تكمن المفارقة الأبرز في أن دينج، الذي حافظ على إرث ماو، نقل أيضًا إلى العالم تحذيرًا صدر عن الزعيم الصيني نفسه.
ففي خطاب ألقاه دينج أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، قال إن الصين إذا تحولت يومًا إلى قوة عظمى تمارس الهيمنة والعدوان والاستغلال، فعلى شعوب العالم أن تكشفها وتعارضها وتتعاون مع الشعب الصيني لإسقاطها.
كان هذا التحذير جزءًا من الخطاب المناهض للهيمنة الذي تبنته الصين في عهد ماو، لكنه يكتسب اليوم دلالة مختلفة في ظل صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية كبرى.
فبعد خمسين عامًا على وفاة ماو، يبدو أن إرثه لم يعد مجرد تاريخ محفوظ في المتاحف والخطب الرسمية، بل أصبح أداة سياسية في يد شي جين بينج، الذي يعيد ترتيب العلاقة بين المؤسس والثورة والدولة، ويحدد منفردًا موقع الصين في النظام الدولي.
والسؤال لم يعد فقط: هل سيبقى ماو خالدًا في الذاكرة الصينية؟ بل: أي نسخة من ماو ستبقى، ومن الذي سيملك حق تفسيرها وتوظيفها في رسم مستقبل الصين والعالم؟





