بين احتواء التصعيد وبناء توازن إقليمي.. قراءة في جولة السيسي الخليجية
.. تحركات مصرية متعددة المسارات
كتب: على طه
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، جاءت الجولة الخليجية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر، لتعكس تحركًا دبلوماسيًا محسوبًا يتجاوز الإطار البروتوكولي، ويؤسس لمرحلة جديدة من إعادة ضبط التوازنات في الشرق الأوسط.
أولًا: سياق إقليمي ضاغط
تأتي هذه الجولة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة مع تنامي حدة المواجهات غير المباشرة بين إيران وعدد من الأطراف الإقليمية، وما يصاحب ذلك من تهديدات لأمن الطاقة والممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
هذا السياق الذى فرض على القاهرة التحرك سريعًا لتعزيز قنوات التنسيق مع العواصم الخليجية، بهدف احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
أبوظبي.. محور التهدئة والردع
في أبوظبي، عقد الرئيس المصري مباحثات موسعة مع رئيس دولة الإمارات العربية، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ركزت على تقييم المخاطر الأمنية المتصاعدة في المنطقة.
وقد حملت هذه اللقاءات عدة رسائل استراتيجية كالتالى:
-
رفض التصعيد العسكري والدفع نحو الحلول الدبلوماسية.
-
إدانة الاعتداءات الإقليمية التي تمس سيادة الدول، في إشارة واضحة إلى السلوك الإيراني.
-
تعزيز الردع العربي المشترك عبر إظهار موقف موحد في مواجهة التهديدات.
كما عكست الزيارة مستوى متقدمًا من التنسيق السياسي والأمني بين القاهرة وأبوظبي، خاصة في ظل إدراك مشترك بأن أمن الخليج يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري.
الدوحة.. إعادة بناء التوازن العربي
وفي العاصمة القطرية الدوحة، حظي رئيس مصر باستقبال رسمي من الأمير تميم بن حمد آل ثاني، في مشهد يعكس تطورًا ملحوظًا في العلاقات الثنائية، وحيث تحمل محطة قطر أبعادًا استراتيجية أهما الآتى:
-
تعزيز التنسيق العربي متعدد الأطراف في ظل الأزمات المتلاحقة.
-
إعادة ترتيب أولويات العمل العربي المشترك بعيدًا عن الاستقطابات السابقة.
-
فتح قنوات تعاون مرنة تتيح التعامل مع التحديات الإقليمية المتغيرة.
الاقتصاد كأداة استقرار
ولم تقتصر الجولة على الملفات السياسية، بل امتدت إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية، خاصة مع الإمارات العربية المتحدة، حيث تم بحث، توسيع الاستثمارات المشتركة، ودعم مشروعات البنية التحتية والطاقة، وتعزيز التكامل الاقتصادي كأداة لامتصاص الصدمات الإقليمية.
ويعكس هذا التوجه قناعة مصرية بأن الاستقرار الاقتصادي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات الجيوسياسية.
دلالات استراتيجية أعمق
وتكشف الجولة الخليجية عن مجموعة من التحولات في السياسة المصرية، لعل أهمها: التحرك متعدد المحاور بدلًا من الاعتماد على مسار واحد، والموازنة بين الردع والدبلوماسية في إدارة الأزمات.
كما تعكس تعزيز الدور المصري كوسيط إقليمي فاعل قادر على الربط بين الأطراف المختلفة، ولسعى إلى إعادة إحياء العمل العربي المشترك في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
ورسائل مباشرة وغير مباشرة
أما الرسائل التى تحملها الجولة فهى عدة رسائل استراتيجية، أولا للداخل العربي تؤكد فيها على ضرورة التكاتف في مواجهة التحديات، وثانيا للخارج الإقليمي بأنه لابد من وجود موقف عربي قادر على الردع، وثالثا للقوى الدولية وهى أن المنطقة تمتلك أدوات إدارة أزماتها دون الانزلاق الكامل إلى الصراع.
تحولًا نوعيًا
والسؤال: هل تعكس جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي في الخليج تحولًا نوعيًا في إدارة السياسة الخارجية المصرية؟!.
الإجابة: الجولة تؤكد أن سياسة مصر الخارجية لم تعد تقتصر على رد الفعل، بل باتت تتحرك وفق رؤية استباقية تهدف إلى احتواء الأزمات، وبناء توازن إقليمي جديد يقوم على التنسيق العربي، والردع الذكي، والتكامل الاقتصادي.
وفي ظل بيئة إقليمية معقدة، تبدو هذه التحركات بمثابة محاولة لإعادة صياغة معادلة الاستقرار في الشرق الأوسط، قبل أن تفرضها تطورات الميدان بشكل أكثر حدة.





