نهر الجنون والاختيار الصعب.. قراءة في علامات انهيار منظومة القيم في المجتمع المصري

 

سردية يكتبها: محمد سليمان

 

تظل الأخلاق والقيم المستمدة من الشرائع السماوية هي السد المنيع في مجتمعاتنا لمواجهة السقوط والتردي الأخلاقي، وهي رأس الحربة في الوقوف في وجه الاستعمار وأذنابه.

والمجتمعات التي تنهار فيها منظومة القيم تصبح أكثر هشاشة، وتتعرض لما يسمى بالتفسخ والتفكك الاجتماعي، مما يجعل تلك المجتمعات أقل مقاومةً للأفكار الشاذة التي يراد بها أن تتغلغل داخل مجتمعاتنا.

في الآونة الأخيرة يشعر الباحث، بل المواطن العادي، بوجود سلسلة من الجرائم والظواهر الاجتماعية التي يخجل المرء من ذكر بعض منها لبشاعتها، ولعدم تصوره أن نصل يوماً ما لمثل هذه الدرجة من التردي والسقوط الأخلاقي.

والحقيقة أن مثل تلك الجرائم تدق ناقوس الخطر بأننا نسير في الاتجاه الخاطئ، وأن مآلات هذا التردي غير محمودة العواقب.

فعندما تنهار منظومة القيم داخل مجتمعاتنا فإننا، في حقيقة الأمر، نسير في اتجاه (التفكك والضياع)، فعندما تنهار تلك المنظومة تنتشر الجرائم، وتتفكك الأسر، وينعدم العدل بين الناس، وينتشر الظلم الذي هو مؤذن بخراب العمران، على حد قول العالم المسلم ابن خلدون حين قال:

الظلم مؤذن بخراب العمران

منذ فترة انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي فيديو لمجموعة من الموظفين يعتدون على زميلهم بالضرب المبرح في العمل بسبب رفضه مسايرتهم في أعمال الفساد.

وبالأمس القريب تم تداول فيديو لأولياء أمور بعض الطلبة وهم يعتدون بالضرب على مُدرسة لرفضها القيام بأعمال الغش.

وما بين هذا الفيديو وذاك، وجدت نفسي أتذكر تلك المسرحية المؤلمة التي ألفها الكاتب الكبير توفيق الحكيم «نهر الجنون»، فما هي قصة نهر الجنون؟

نهر الجنون

تتلخص قصة نهر الجنون في حلم يرى فيه الملك أفاعي سوداء تنزل من السماء وتنفث السم في النهر، فإذا بماء النهر وقد تحول لونه إلى السواد، ليستيقظ الملك ليخبر الوزير برؤياه، ليتضح أن ماء النهر أصابته لعنة غريبة، لعنة الجنون، فكل من يشرب من ماء النهر يصاب بالجنون.

وهنا تبدأ المأساة الكبرى، فقد شرب الجميع من نهر الجنون: الشعب، وزوجة الملك، وأولاده، وحاشيته، وكبير الكهنة، وكبير الأطباء، ولم يتبقَّ سوى الملك ووزيره.

لكن شيئاً غريباً يحدث، فبسبب كونهما الوحيدين المختلفين عن الباقين، تظن الملكة والحاشية والشعب أن الملك ووزيره هما من أصابهما داء الجنون.

في تلك اللحظة التي تتكشف فيها بعض الحقائق المؤلمة للوزير، بصعوبة مخالفة العقل الجمعي، حتى ولو كنت أنت صاحب الرأي أو الفعل السليم، لتنتهي القصة بتلك النهاية الدرامية، تلك النهاية التي يطلب فيها الملك من وزيره أن يعطيه كأسًا من هذا النهر.

للحظة، سألت نفسي: ماذا لو كنت أنت المؤلف، هل هذه النهاية تعجبك؟ تروق لك؟ ولو كانت تلك النهاية محبطة بالنسبة لك، وهي بالفعل أراها محبطة، فما هي النهاية التي تريدها؟

تغيير النهاية

لو كان بيدي أن أغير النهاية لجعلتها كالآتي:

الوزير يحمل بين يديه قنينة الجنون، ويخبر الملك، وهو يرفع القنينة على فمه، وهو يبكي: ما قيمة العقل في وسط الجنون؟

لتنتهي هنا المسرحية دون أن تخبرنا ماذا فعل الملك، لتدخل القارئ في دوامة الأسئلة.

هكذا أرغب أن تكون نهاية تلك المسرحية، لكن أمنيتي أن يظل الملك على رأيه بألا يغترف من ذاك النهر الملعون، وإن ظل في أذهان العامة أنه غريب الأطوار، (فطوبى للغرباء).

أسوأ ما يمكن أن يحدث

تحذر الروائية الكويتية بثينة العيسى من خطورة التأقلم مع الانحدار، قائلة: «عندما يكون الواقع بهذا الانحدار، فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث لك هو أن تتأقلم».

في الفيديو الأول يظهر لنا أن مجموعة الفاسدين لم تترك الموظف النظيف الذي يخاف الحرام، وأنه أصبح بالنسبة لهم شخصًا خطرًا يجب ترويضه، وإن لم تصلح معه سياسة الجزرة لنظافة يده، فستصلح معه العصا لترهبه من التفكير في محاربة الفساد، بل ومهادنته.

وفي الفيديو الثاني تجد أولياء الأمور رجالًا ونساءً يعتدون على مُدرسة، كل ذنبها أنها منعت الطلاب من الغش طبقًا لتعاليم الدين التي تحرم الغش، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»، وطبقًا للقانون ومنظومة العدل التي تأبى أن يتساوى الطالب المجتهد الذي ذاكر وسهر الليالي، والطالب البليد الذي يعتمد على الغش وتسريب الامتحانات لا غير.

مما يتبين معه، في هذين النموذجين، أن الاختبار صعب، وأن الأيسر في مثل ذلك المجتمع هو الاغتراف من نهر الجنون، لكن الحقيقة أن الاغتراف من نهر الجنون، وإن كان هو الحل السهل، فهو في حقيقته اغتراف من قيح ونتن المجتمع، يأباه العقل السديد مهما تعرض لضغوط وترهيب العقل الجمعي.

التدين الشكلي في مجتمعاتنا:

ما زلت أتذكر هذا الرجل الذي كان يعمل في إحدى المصالح الحكومية، وذبيبة الصلاة تملأ جبهته، تنم في ظاهرها عن رجل صالح، ليصعقني وهو يطلب مني رشوة في صورة مقنعة، مرددًا: «الشاي بتاعي يا أستاذ»، لأنظر إلى جبهته، وأكرر النظر إليه من أعلى إلى أسفل، ليفهم الرجل ماذا أريد أن أقول له، ليذهب من أمامي دون أن ينطق، بعد أن وصلت له رسالتي دون أن أنطق بكلمة، لأتذكر حينها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له».

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش».

إن ظاهرة الرشوة في مجتمعنا منتشرة بطريقة مقلقة، ويحب بعض المرتشين، لتخفيف وطأة الكلمة، إطلاق ألفاظ أخرى على الرشوة، فمنهم من يطلق عليها (الدخان)، ومنهم من يطلق عليها (الشاي)، إلخ.

وتتنوع الرشاوى في مجتمعاتنا بين رشاوى مالية وأخرى غير ذلك، والفيديو المنتشر لأحد وكلاء إحدى المدارس، يبتز فيه امرأة بنقل ابنتها مقابل خدمات جنسية، ليس منا ببعيد، وكأن العطب الأخلاقي لم يترك شيئًا إلا وأصابه.

في الفيديو الثاني ستجد من أولياء الأمور الذين اعتدوا على المُدرسة نساءً يلبسن الخمار، الزي الإسلامي، ورجالًا تظهر علامة الصلاة في وجوههم، لتتعجب من أفعالهم، ولتتساءل: هل تعاليم دينهم تحثهم على ذلك؟ بالطبع لا، لنتأكد للأسف أن الانهيار يستتبعه حتمًا تدين مزيف (شكلي) يهتم بالظاهر، والجوهر تكاد أن تشم منه رائحة نتنة.

إن علامات الانهيار الأخلاقي الظاهرة في المجتمع المصري تجعل من الأهمية بمكان أن نقوم بوقفة مع الذات، لا لكي نجلدها، وإنما لنقومها، وذلك يحتاج إلى تضافر بعض الجهات، منها: (المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية / الأزهر الشريف / الكنيسة المصرية / الإعلام / أساتذة الطب النفسي…)

لتقوم تلك الجهات بدراسة وافية لأسباب ذلك التردي الأخلاقي، ووضع مجموعة من الحلول، والقيام بتنفيذها على الفور.

طالع المزيد:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى