شبراوى خاطر يكتب: لا يمكن أن تهزم فكرة قد حان وقتها

بيان

بعد إطلاقنا المنتدى الأول تحت مسمى “دائرة العلاقات العامة”، وما صاحبه من نجاح لافت للنظر، كان علينا أن نبحث عن قضية أخرى يكون للعلاقات العامة دور محوري فيها.

وبالفعل، اقترح فريق العمل عددًا من القضايا الجوهرية التي يمكن للعلاقات العامة أن تسهم بفاعلية في التصدي لها. وإذ نحن في خضم البحث والاستقصاء والعصف الذهني، حدث تسونامي مفاجئ غمر كل شيء وأحاط بنا من كل جانب.

أما الموضوع أو القضية التي أصبحت تشغلنا فهي: “حروب الأفكار”. كثيرًا ما انشغلت بهذه القضية على المستوى الشخصي والمهني، حتى إنني أعمل على تأليف كتاب عن “الأفكار المندسة”، ومنها ظاهرة صراع الأفكار، وكيفية نشوئها وتكوينها، وأسباب نجاحها أو فشلها في الانتشار.

ومما زاد من اهتمامي بهذه الفكرة في الوقت الراهن، هو تسونامي “الطيبات” الذي يصل إلى حد الإغراق حول أفكار د. ضياء العوضي.

وللأسف، وبصراحة، أنا لم أكن أعرف د. ضياء العوضي من قبل، ولا أتذكر أنني سمعت اسمه أو رأيت أي محتوى منه أو عنه. ولكن ما يحدث على الساحة، والذي انتشر عبر الحدود، وشمل الدكتور ضياء العوضي ومرضاه، واشتباك إعلاميين ضده ومعه، وخوض رجال دين وهيئة الإفتاء مع الخائضين، ومزيج مختلط من مؤثرين ومتخصصين في الطب ومسؤولين في الرعاية الصحية ومرضى حاليين ومن هم في طريقهم للمرض.

ولم تفوّت الفرصة بعض المخابز لتقديم منتجاتهم من أرغفة “الحبة الكاملة”، وركب الموجة أصحاب بعض المطاعم فتبدلت قوائم الطعام لتقدم “منيو الطيبات”، وتوشك أن تأخذ في طريقها للكساد مطاعم أخرى لم تتأثر بوباء أنفلونزا الطيور من قبل.

واختفت من الأسواق عبوات “ريتش بيك” البني وأي توست بالحبة الكاملة، وتكدست عبوات البيض على أرفف المتاجر، وانزوى أصحاب مزارع الدجاج في هلع يدبرون أمرًا ما.

وظهرت فيديوهات قديمة تذكرنا بجشع التجار لتسويق “الدجاج الميت”، ثم انتشرت الشائعات عن مؤامرة كيانات اقتصادية ضخمة وشركات الأدوية والحلول الطبية، التي تحارب أفكار الرجل، والذي تنطبق عليه مقولة: “يخرج الحي من الميت”، فالرجل مات لتعيش أفكاره.

وأصبح نظام “الطيبات”، الفكرة المستلهمة من التراث القرآني والإسلامي، محل جدل حول العالم.

فكيف يمكن مقاومة ومحاربة فكرة قد حان وقتها؟ وكما قال “جبرائيل تاردي” عام 1903: “المشكلة هي أننا لو أُعطينا مائة فكرة جديدة، فإن عشرًا منها لا بد أن تنتشر خارج الحدود، في حين تندثر التسعون الباقية وتتعرض للنسيان”.

ولأن الفكرة تتنكر في شكل بذرة عقلية، فإنها تظل كامنة حتى تتهيأ لها الظروف التي تجعلها تشق طريقها نحو النور وتنمو وتكتسب مناصرين يحافظون على بقائها من أن يقضمها أرنب بري، أو تقتلعها يد حطاب متجول.

هذا موضوع يمثل فرصة مواتية ينبغي لخبراء العلاقات العامة اغتنامها، ووضعه على طاولة المناقشة بجدية علمية وعملية، خاصة أننا نلاحظ النقص الواضح في مناهج البحث المتعلقة بكيفية انتشار الأفكار في مجتمعنا. فما هو رأي الباحثين والدارسين والخبراء المتخصصين في هذا الملف الذي أعتبره الأكثر أهمية وحساسية؟

وكما قال أحد الخبراء منذ أمد بعيد: “صفحات التاريخ مليئة بقصص الحروب الدامية، تلك القصص التي تصور الطريقة التي تتغير بها ثقافة الأمم والناس، وبالرغم من ذلك، فإن عددًا من المعارك الكبرى التي خاضتها البشرية لم يكن سلاحها السيف، بل الأفكار التي تغلغلت في حياة الناس، ثم ظهرت مرة أخرى على صورة تطوير اجتماعي.

وإن الانفجارات والهزات التي تحدثها الأفكار الجديدة في عقول الناس، لهي من الأمور التي لا يشك إنسان في وجودها، والتي مُلئت بسببها زنازين السجون وأعماق القبور”.

أوليس هذا ما حدث سابقًا مع كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للأستاذ علي عبد الرازق، والذي أصبح وزيرًا للأوقاف بعد ذلك، إذ قامت قيامة الأزهر، واجتمعت هيئة كبار العلماء وفصلته، واستقال الوزراء الأحرار الدستوريون من وزارة زيور باشا احتجاجًا، وأُقيل عبد العزيز فهمي باشا وزير العدل من منصبه؟

ثم حدث مرة أخرى عندما طرح الأستاذ الدكتور طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي”، الذي شكك فيه في بعض المعتقدات، فقامت قيامة البرلمان، وأراد مجلس النواب إخراجه من منصبه، فهدد عدلي باشا، رئيس مجلس الوزراء، بالاستقالة حمايةً للبحث العلمي.

وكان الأكثر غرابة في القصص السالفة أن كثيرًا من محاربي تلك الأفكار الجديدة، وكما شهدوا على أنفسهم، لم يقرأوا تلك الأعمال التي انبروا في مهاجمتها والمطالبة بتكفير أصحابها وحرق كتبهم وشنقهم في ميدان عام.

أوليس هذا ما حدث مع الفيلسوف الأندلسي ابن رشد (1126-1198) أثناء عصر دولة الموحدين، عندما كاد له بعض المقربين من الأمير “المنصور الموحدي”، فأمر بنفيه وإحراق كتبه، وأصدر منشورًا إلى المسلمين كافة ينهاهم عن قراءة كتب الفلسفة أو التفكير في الاهتمام بها، وهدد من يخالف أمره بالعقوبة؟

وأتذكر العديد من قصص التاريخ التي واجهت محاولات طرح “الأفكار الجديدة” المناوئة للعهد الطويل والمفهوم المنسوج داخل تلافيف عقولنا وأرواحنا، مثل: “هذا ما رأينا عليه آباءنا” في مواجهة الدعوة الإسلامية في مهدها، والتي يعبر عنها اليوم المثل الشعبي: “من فات قديمه تاه”، أو الخوف من تهديد مصالحنا المادية أو مكانتنا المعنوية عندما تظهر أفكار تتضارب مع أطروحاتنا الفكرية، أو تتعارض مع ثقافة موروثة تمثل صميم الذات حتى وإن كانت ضارة ومعطلة.

ولا يفوتني أن أشير إلى المحاولات الصادقة التي يبذلها صديقي الصحفي الكبير الأستاذ عاطف عبد الغني، والذي يسخر قلمه وفكره للتصدي للفكر الذي يغازل عقول أبنائنا وشعبنا، ويحوم حولنا بأشكال مختلفة لتطبيع ما يسمى بـ”الدين الإبراهيمي الجديد”، والذي يتخذ كافة الوسائل الشيطانية والمنطقية للوسوسة، ممسكًا بيد جزرة وبالأخرى عصا، وجل ما يخشاه صديقنا أن يتسرب هذا الفكر داخل خلايا عقولنا ويجد لنفسه موطنًا وأرضًا تقبله عن غفلة لا عن قصد.

وفي النهاية، فإن مصطلح “حروب الأفكار” نستطيع أن نفهم من اسمه أنها “حرب” تستخدم وسائل الحرب المتنوعة من أجل حصار وغزو العقول. حرب تستهدف مجموعات بشرية في أماكن جغرافية مختلفة بهدف السيطرة على المهزوم فيها، واستغلاله واستغلال ثرواته ومقدراته، وجعله عبدًا تابعًا وخادمًا لسيده الذي غسل أدمغة أبنائه وبدّل أفكاره وغرس مكانها أفكار الغازي.

هذه هي وسائل الحرب الجديدة، خاصة في ظل التطور الشرس في مجال تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل، وهذا ما يتعلق بالدعاية السياسية وأساليب الحرب النفسية.

وأنا هنا أدعو الخبراء للمشاركة في حوار بناء لتناول هذه القضية التي بين أيدينا من جوانبها المختلفة.

طالع المزيد:

شبراوى خاطر يكتب: المعرفة لا تُغني عن المهارة

زر الذهاب إلى الأعلى