شبراوى خاطر يكتب: المعرفة لا تُغني عن المهارة
بيان
كما أذكر بتصرف ما قاله “بيتر دراكر”: يُستخدم مصطلح “موظف أو عامل المعرفة” حاليًا على نطاق واسع لوصف الأشخاص ذوي المعرفة النظرية الواسعة، مثل الأطباء والمحامين والمعلمين والمحاسبين ومهندسي الكيمياء إلى أن نصل إلى الإعلاميين وممارسي العلاقات العامة والإعلان والاتصالات التسويقية.
لكن النمو الأبرز سيكون في فئة “تقنيي المعرفة”: مثل فنيي الحاسوب، ومصممي البرمجيات، والمحللين في المختبرات الطبية والصحية، وتقنيي تكنولوجبا التصنيع، والمساعدين القانونيين.
هؤلاء الأشخاص يعملون يدويًا بقدر ما يعملون في مجال المعرفة؛ بل إنهم عادةً ما يقضون وقتًا أطول بكثير في العمل اليدوي مقارنةً بالعمل الفكري. ولقد لاحظت هذا الظاهرة قد بدأت في الظهور جلية في قطاع “تعليم الإعلام”، حتى أصبح الطلاب والخريجين الجدد يختارون لأنفسهم تخصصات فرعية داخل التخصص الأعم.
وهذا ما لاحظته أثناء متابعتي عندما شرفت بدعوة الأستاذة الدكتور\ دينا فاروق أبو زيد عميد كلية الإعلام وفنون الاتصال بجامعة 6 أكتوبر. وذلك للانضمام إلى لجنة تحكيم مشروعات التخرج لقسم العلاقات العامة بالكلية.
إذ رأيت مجموعة من مشروعات التخرج، الكثير منها يصلح للتبني الفوري من مؤسسات الأعمال والباحثين عن أفكار لتفعيل برامج المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات. وأكثر ما لاحظته هو ما يتعلق بهذا المقال: أن كل مجموعة تتكون من خمسة عشرة طالب، عملوا معاً بشكل فريق عمل متكامل، وقسموا أدوارهم حسب ما يتطلبه المشروع من مهارات تنفيذية، فبعضهن (وهنا أستخدم صيغة التأنيث) حيث أن ما يزيد على 90 في المائة من الطلاب كن من الإناث، (وهذه ظاهرة تستحق الدراسة بحد ذاتها،) لقد قسمن أنفسهن حسب مهاراتهن في التصميم الفني، التصوير، إنتاج المطبوعات ومواد الدعاية والهدايا، التنسيق مع وسائل الإعلام والتخطيط الإعلاني والإعلامي، التحليل القبلي والبعدي، إلى آخره من مهارات يتطلبه العمل الإعلامي وتطبيقات برامج واستراتيجيات العلاقات العامة.
لذلك، ما تعلمته من مداخلاتي وتعليقاتي على مشروعات التخرج التي تم عرضها، هو أن “حرية اختيار” المهارات التي يرغب كل طالب في تبنيها والتدريب عليها والتخصص فيها فيما بعد، سوف تعتبر حجر الزاوية لكي يرى الخريجين الجدد موقعهم وتخصصهم الوظيفي في مجال العمل الإعلامي.
وما تعلمته أن الجانب المعرفي النظري مهم كأساس ضروري لكي ترتكز عليه المهارات والفنون الاتصالية المختلفة.
ولكن أيضاً نحتاج إلى التركيز على اكتشاف من لديهم مهارات التفكير الاستراتيجي والعقل النقدي، وكيف نقوم بتعليم البرامج الاتصالية من “منظور الطائر” الذي يرى الأهداف والقضايا والقطاعات الجماهيرية من أعلى نقطة ممكنة. ثم يكون له القدرة على إدارة وقيادة فريق العمل لتحقيق الأهداف المرجوة. بمعنى آخر نريد اكتشاف وتمكين قادة المستقبل في مهنة العلاقات العامة.
وهنا تذكرت قصة كنت قد قرأتها منذ زمن بعيد، حيث هكذا تُحكى: كان مدرب في الكشافة البحرية بعد أن إمدادهم بالمعرفة النظرية عن البحر والرياح ومكونات القوارب الشراعية وكافة المعلومات النظرية وكيفية استخدام دليل التشغيل.
وعندما أراد أن يحدد أدوار فرقته وتكليفهم بالمهام الضرورية لكل فرد خلال أول رحلة بحرية لهم، ولما بلغت به الحيرة مبلغه، خطر على باله أن يضعهم جميعهم في قارب شراعي معاً ـ ثم طلب منهم الإبحار والعودة في نهاية اليوم.
ورغم أنه انتابه القلق لبعض الوقت، ولكنه آثر المخاطرة من أجل هدف أسمى. والمدهش أنه في نهاية اليوم رأي القارب من بعيد وهو يقترب، حتى أن وصل إلى المرفأ، نزل فريق الكشافة وكلهم حماس ونشاط وسعادة، لقد اكتشفوا مهاراتهم واختار كل واحد أن يعمل ما يرغب فيه ويجيده، وظهر فيهم القائد، ومساعده، ومسؤول الدفة، ومسؤول أجهزة الاتصال، ومسؤول الطعام والشراب.
إذن، وحسب “بيتر دراكر” فإن المعرفة وحدها لا تُغني عن المهارة. بل على العكس، تُصبح المعرفة بسرعة أساسًا للمهارة. فنحن نستخدم المعرفة بشكل متزايد لتمكين الناس من اكتساب مهارات متقدمة جدًا بسرعة ونجاح.
فقط عندما تُستخدم المعرفة كأساس للمهارة تُصبح مُنتجة. على سبيل المثال، يقضي الجراحون الذين يستعدون لعملية جراحية لإصلاح تمدد الأوعية الدموية الدماغية قبل أن يُسبب نزيفًا دماغيًا مميتًا ساعات في التشخيص قبل إجراء العملية – وهذا يتطلب معرفة متخصصة على أعلى مستوى.
مع ذلك، تُعتبر الجراحة نفسها عملاً يدوياً، يتألف من عمليات يدوية متكررة، حيث يُركز على السرعة والدقة والاتساق. وتُدرس هذه العمليات وتُنظم وتُتعلم وتُمارس تماماً كأي عمل يدوي آخر.
لذلك، أنصح الخريجون الجدد وأقول لهم: “حدد المهارات المطلوبة في عملك المستقبلي. حلل هذه المهارات وحسّنها لتحقيق أعلى مستويات الجودة والإنتاجية.”
لأن المعرفة بدون مهارة لا تنتج شيئاً، أو كما قال أنطون تشيكوف: “المعرفة لا قيمة لها ما لم يتم تطبيقها عملياً”.





