للحقيقة والتاريخ.. أين اختفت محاضر جلسات «مجلس قيادة ثورة 23 يوليو»؟

كتب: أحمد السيد

تظل محاضر جلسات مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 واحدة من أكثر الملفات التاريخية التي تسيل حبراً وتثير جدلاً مستمراً بين الباحثين والمؤرخين؛ إذ يتجدد بين الحين والآخر سؤلا جدليا يدور حول سر غياب التدوين الرسمي الشامل والمتاح لمداولات ونقاشات المجلس الذى أدار دفة الحكم في مصر خلال مرحلة انتقالية فارقة، وما إذا كانت تلك المداولات قد وثقت بالفعل في محاضر رسمية مفرغة، أم أن كواليسها ظلت حبيسة الأرشيفات المغلقة وشهادات صناع القرار.

مجلس قيادة الثورة

وتشكل مجلس قيادة الثورة عقب نجاح ثورة ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢ ، وتولى اللواء محمد نجيب رئاسة المجلس من عام ١٩٥٢ حتى عام ١٩٥٤.

وفي عام ١٩٥٣ صدر القرار الجمهوري رقم ١ بتعيين الصاغ أركان الحرب محمد عبد الحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة ومنحه رتبة اللواء، ثم تولي رئاسة المجلس البكباشي جمال عبد الناصر من عام ١٩٥٤ حتى عام ١٩٥٦.
وعلى الإجمال تولى مجلس قيادة الثورة حكم مصر من ١٤ نوفمبر ١٩٥٤ حتى ٢٤ يونيو ١٩٥٦

الاعتماد على “المذكرات الشخصية”

وفي هذا السياق، يرى الراحل الدكتور رؤوف عباس، أستاذ التاريخ الحديث ورئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية سابقاً، أن الأزمة الحقيقية في التأريخ لهذه المرحلة تكمن في الاعتماد شبه الكلي على “المذكرات الشخصية” للضباط الأحرار.

ويؤكد د. عباس أن المذكرات مهما بلغت دقتها تظل انطباعات فردية تخضع لآفات المراجعة الذاتية، وإعادة صياغة المواقف لاحقاً، والتأثر بالصراعات السياسية.

ويميز د. عباس منهجياً بين المذكرات الشخصية وبين “المحاضر الرسمية للجلسات” التي تزن الكلمات والقرارات في لحظة اتخاذها دون إعادة كتابة للتاريخ، مشدداً على أن عدم الإفراج الشامل عن هذا الأرشيف وتجميع وثائقه داخل دار الكتب والوثائق القومية يظل العقبة الرئيسية أمام انتقال البحث التاريخي لثورة يوليو من انحيازات الشهادات الفردية إلى رحاب العلمية والموضوعية.

خطورة غياب التدوين الرسمي

من جانبه، يسلط المؤرخ الراحل الدكتور عبد العظيم رمضان، في دراساته التحليلية لثورة 1952، الضوء على خطورة غياب التدوين الرسمي العلني لجلسات المجلس خلال المحطات المفصلية؛ وفي مقدمتها الأزمات الحادة مثل أزمة مارس 1954 وحل الأحزاب السياسية.

ويشير د. رمضان إلى أن الجلسات الأولى للمجلس اتسمت بالطابع العسكري السري والسرعة الإجرائية دون وجود مسؤولي تدقيق أو اختزاليين لتدوين التفاصيل، مِمّا فتح الباب لاحقاً لترويج روايات متضاربة حول من اتخذ القرار وموازين التصويت داخل المجلس.

كما يؤكد أن غياب المحاضر الموثقة سمح بتحول كواليس السلطة إلى مجال للتكهن السياسي، وأضعف القدرة على التقييم العلمي الدقيق للتحولات الديمقراطية والسياسية التي أعقبت الثورة.

الخريطة الحالية للأرشيف

وعن الخريطة الحالية لمتعلقات هذا الأرشيف، تشير المعطيات التاريخية إلى أن ما جرى تدوينه وتسجيله ينقسم عملياً بين عدة جهات، في مقدمتها أرشيف رئاسة الجمهورية بقصر عابدين، والأرشيفات التابعة للجهات السيادية التي حفظت المراسلات والملفات السرية لتلك الحقبة، فضلاً عن الوثائق الصادرة عن مكتب الرئيس للمعلومات والتي أُحيل جزء منها لاحقاً إلى دار الوثائق القومية، بالإضافة إلى المجموعات المكتوبة والصوتية المحفوظة ضمن مقتنيات مكتبة الإسكندرية.

ويجمع المؤرخون والباحثون على أن الإفراج الكامل والمنظم عن محاضر جلسات مجلس قيادة الثورة، سواء الصوتية أو المكتوبة، لم يعد مجرد مطلب أرشيفي، بل هو استحقاق وطني وتاريخي يضع حداً للروايات الشفهية المتناقضة، ويمنح التاريخ المصري الحديث فرصة لقراءة مسؤولة تقوم على الوثيقة الموثقة لا على الانطباع.

طالع المزيد: د. محمد إبراهيم بسيوني: عبد الناصر الزعيم الذي حاول أن يُعيد صياغة المجتمع المصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى