أحمد ياسر يكتب: ٢٣ يوليو… وأسئلة لسه مطروحة للحوار

في يوم زي النهارده من سنة ١٩٥٢، مصر دخلت مرحلة جديدة تمامًا، مجموعة من الضباط الشباب قرروا يغيّروا شكل الدولة من جذوره، ويقفلوا فصل طويل من الملكية والاحتلال البريطاني.
الحدث ده مش مجرد صفحة في كتاب التاريخ، هو نقطة بداية لمصر التانية اللي بنعيش فيها لحد دلوقتي، بكل تفاصيلها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
بعد ٧٠ سنة مش السؤال.. هل يوليو كانت ثورة ولا حركة تصحيح؟، ولا حتى هل كانت خطوة صح ولا غلط؟
السؤال الأهم واللي بيستاهل وقفة كل سنة.. إيه اللي فضل منها جوانا النهاردة؟ وإيه اللي اتغير تمامًا عن الحلم الأول؟
الأرض والعدالة الاجتماعية
واحد من أول قرارات يوليو كان الإصلاح الزراعي.. وتوزيع الأراضي على الفلاحين وتحديد سقف الملكية، كان ده رمز لفكرة “الدولة الراعية” اللي بتقف جنب المواطن البسيط.
النهاردة، واحنا بنتكلم عن الدعم والتضخم وغلاء المعيشة، الدولة بتحاول تكمل نفس الخط من خلال برامج زي “تكافل وكرامة” والدعم النقدي المشروط، وزيادات دورية في الحد الأدنى للأجور.
السؤال بيرجع تاني: لسه فكرة “الدولة الراعية” موجودة بنفس القوة؟ ولا الملف اتغيّر شكله بالكامل مع تحديات اقتصادية من نوع مختلف؟
تأميم القناة… والاستقلال الاقتصادي
قرار تأميم قناة السويس سنة ١٩٥٦ كان لحظة فارقة.. مصر بتقول إنها هتدير مواردها بنفسها بعيد عن أي وصاية أجنبية، وده اللي جاب عليها عدوان ثلاثي مباشر بعد القرار بأسابيع قليلة.. الموقف ده بقى رمز لفكرة السيادة الاقتصادية في وجدان أجيال كاملة.
اليوم، الحوار بيدور حول ملفات تانية تماماً منها الديون الخارجية، واتفاقات صندوق النقد الدولي، وإزاي نوازن بين الانفتاح على الاقتصاد العالمي والحفاظ على قرار اقتصادي مستقل، و الدولة بتتحرك عبر مشروع تطوير محور قناة السويس لتوسيع دوره الاقتصادي، وبرنامج طروحات حكومية بيستهدف جذب استثمارات بدل التوسع في الاقتراض…نفس السؤال القديم عن السيادة والاستقلال، بس بأدوات وتحديات مختلفة تمامًا عن زمن يوليو.
المشروع القومي الكبير كخطاب مستمر
السد العالي كان أكبر من مجرد مشروع هندسي، كان قصة عن الطموح والبناء في وجه كل الصعاب، النهاردة عندنا العاصمة الإدارية، والطرق الجديدة، وشبكات الكهرباء والغاز، وكمان مبادرة “حياة كريمة” اللي بتستهدف تطوير القرى، ومحطة بنبان للطاقة الشمسية كواحدة من أكبر مشروعات الطاقة النظيفة في المنطقة.
في ناس شايفة في ده استمرار لنفس الروح.. دولة بتبني وبتفكر في المستقبل.. وناس تانية بتسأل: هل المشروعات الكبيرة كفاية لوحدها؟ ولا لازم تترجم كمان لتحسين ملموس في تفاصيل الحياة اليومية؟
التعليم والصحة وعد قديم
من أهم وعود يوليو كانت مجانية التعليم والعلاج، كجزء من فكرة إن الدولة مسؤولة عن كل مواطن من أول المدرسة لحد المستشفى، الوعد ده لسه موجود إلى حد ما علي الورق، وفي محاولات فعلية لتجديده من خلال منظومة التأمين الصحي الشامل بدأت تتوسع في عدد من المحافظات، ومبادرة “١٠٠ مليون صحة” جنب تجارب زي المدارس اليابانية كمحاولة لتنويع التعليم.
لكن الواقع اليومي بيفرض أسئلة تانية منها انتشار الدروس الخصوصية، وتفاوت جودة الخدمة الصحية بين مكان وتاني.. . هل المشكلة في الفكرة نفسها؟ ولا في إمكانيات الدولة اللي اختلفت مع زيادة عدد السكان بشكل كبير؟
ذاكرة مختلفة لكل جيل
مش كل المصريين بيقرأوا يوليو بنفس الطريقة، في ناس شايفاها لحظة تحرر وكرامة وطنية مكتملة، في ناس تانية بتركّز على قرارات معينة، زي حل الأحزاب وقتها أو تقييد بعض الحريات السياسية، الدولة بتحاول توثّق الرواية الرسمية للتاريخ من خلال مؤسسات زي المتحف القومي للحضارة المصرية ودار الوثائق القومية، لكن صياغة سردية جامعة تُرضي كل الأطياف لسه تحدي قائم.
الاختلاف ده طبيعي جدًا، وهو نفسه بيعكس حالة الاستقطاب اللي بنعيشها في قراءتنا للتاريخ بشكل عام، مش بس ليوليو تحديدًا.
في السنوات الأخيرة، جت خطوة زي “الحوار الوطني” كمحاولة لتوسيع المشاركة السياسية وجمع أطياف مختلفة على طاولة واحدة، وإيه اللي بيخلي أي تغيير سياسي يكمل وينجح على المدى الطويل بدل ما يفضل مجرد لحظة عابرة، سؤال لسه مفتوح.
في الآخر.. ٢٣ يوليو مش مجرد تاريخ بنحتفل بيه كل سنة، هو أشبه بمرايه بنشوف فيها نفسنا من زاوية مختلفة كل مرة.
السؤال الحقيقي مش “هل كانت ثورة ناجحة بشكل مطلق؟”، لكن “إحنا فين دلوقتي من الأحلام اللي اتقالت وقتها؟
ملهوش إجابة واحدة صح، وده بالظبط اللي بيخلي النقاش حواليها كل سنة مستمر ومهم. إيه رأيك إنت؟ إيه أكتر حاجة من إرث يوليو حاسس إنها لسه فارقة في حياتك اليومية؟





