بكين تطارد ثروات الصينيين في الخارج.. حملة ضريبية تعيد رسم خريطة المال الصيني

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

لم تعد الثروات الصينية الموجودة خارج البلاد بمنأى عن الرقابة المتزايدة من جانب بكين، بعدما دخلت الصين مرحلة جديدة من التشدد في التعامل مع الأصول والهياكل المالية التي يستخدمها أصحاب الثروات الكبرى في الخارج.

ومع اقتراب انتهاء مهلة التسوية الضريبية في 22 أكتوبر المقبل، تتزايد الضغوط على أصحاب الصناديق الائتمانية الخارجية «Offshore Trusts»، وسط مؤشرات على أن الإجراءات الجديدة قد تكون جزءًا من تحول أوسع في سياسة بكين تجاه حركة رأس المال والثروة عبر الحدود.

وفي 24 يوليو 2026، أعلنت وزارة المالية الصينية وإدارة الضرائب الحكومية قواعد جديدة تفرض ضريبة دخل فردية بنسبة 20% على الزيادة في قيمة الأسهم والعقارات والأصول الأخرى عند نقلها إلى صناديق ائتمانية خارجية، كما تفرض الضريبة نفسها سنويًا على الدخل الناتج عن هذه الصناديق والكيانات الخارجية التي تسيطر عليها.

وتمتد الإجراءات بأثر رجعي إلى بعض الالتزامات منذ يناير 2023، مع منح أصحاب الأصول مهلة 90 يومًا لتسوية المستحقات دون غرامات أو فوائد تأخير في الحالات المشمولة بالتسوية.

وتكتسب الخطوة أهميتها من كون الصناديق الائتمانية الخارجية أصبحت خلال السنوات الماضية إحدى الأدوات الأساسية التي اعتمدت عليها الأسر الصينية الثرية في حماية الأصول وإدارة الثروة والتخطيط لانتقالها بين الأجيال، خصوصًا مع توسع إدراج الشركات الصينية في هونج كونج والأسواق الخارجية. ووفق تقديرات نقلتها «رويترز»، قد تصل قيمة الأصول الخارجية المملوكة للأثرياء الصينيين إلى نحو 1.2 تريليون دولار، فيما يستخدم أكثر من نصف أصحاب الثروات الفائقة في الصين صناديق عائلية خارجية لإدارة ثرواتهم.

من «منطقة رمادية» إلى نظام ضريبي مباشر

المغزى الاستراتيجي للقواعد الجديدة لا يكمن فقط في نسبة الضريبة البالغة 20%، وإنما في انتقال بكين من التعامل مع الصناديق الخارجية باعتبارها مساحة تنظيمية رمادية إلى إخضاعها لنظام ضريبي أكثر مباشرة وشمولًا.

فالقواعد الجديدة تعتمد بدرجة أكبر على تتبع العلاقة الاقتصادية الحقيقية بين المواطن أو المقيم الضريبي الصيني وبين الأصل الموجود خارج البلاد، بدل الاكتفاء بمكان تسجيل الصندوق أو الدولة التي توجد فيها الأصول.

وتشير التحليلات القانونية إلى أن القواعد تمثل نظامًا متكاملًا يمتد عبر دورة حياة الصندوق: عند إنشاء الهيكل ونقل الأصول إليه، وأثناء تحقيقه للدخل، وعند تصفيته. وبذلك تصبح فكرة الاحتفاظ بالأصول خارج الصين باعتبارها وسيلة لتأجيل أو تفادي الالتزامات الضريبية أكثر صعوبة مما كانت عليه في السابق.

والأكثر أهمية أن القواعد تتضمن أحكامًا واسعة لمكافحة التحايل؛ إذ يمكن في بعض الحالات أن تظل الصفة الضريبية الصينية قائمة حتى مع حصول الشخص على جنسية أجنبية أو إقامة دائمة في الخارج، إذا ظل مركز مصالحه الاقتصادية الرئيسي مرتبطًا بالصين.

وهذا يعني أن تغيير عنوان الإقامة أو الجنسية لا يمثل بالضرورة حلًا تلقائيًا للخروج من نطاق النظام الضريبي الصيني.

لماذا تتحرك بكين الآن؟

تأتي هذه السياسة في وقت تواجه فيه الصين ضغوطًا مالية واقتصادية متزايدة، بما في ذلك تباطؤ سوق العقارات وتراجع قدرة الحكومات المحلية على الاعتماد على إيرادات بيع الأراضي، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق على قطاعات استراتيجية ودعم الصناعات المتقدمة وتعزيز قدرات الدولة المالية.

وقد ارتفعت إيرادات ضريبة الدخل الشخصي في الصين بنسبة 11.5% خلال عام 2025، مدفوعة جزئيًا بتشديد تطبيق الضرائب على بعض الدخول والمعاملات المرتبطة بالأصول والأسهم.

وفي هذا السياق، تبدو الثروات الموجودة خارج البلاد قاعدة محتملة لتوسيع الإيرادات الضريبية، في وقت تسعى فيه بكين إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل التسرب المالي.

لكن اختزال الخطوة في البحث عن إيرادات إضافية سيكون قراءة ناقصة؛ فالإجراء يحمل بعدًا يتعلق بالسيطرة على حركة رأس المال أيضًا.

فكلما أصبحت السلطات أكثر قدرة على معرفة مكان الأصول والدخل الناتج عنها، زادت قدرتها على التحكم في تدفقات الأموال بين البر الرئيسي ومراكز المال الخارجية مثل هونج كونج وسنغافورة وغيرها.

التكنولوجيا تجعل إخفاء الثروة أكثر صعوبة

وتملك بكين اليوم أدوات لم تكن متاحة بالدرجة نفسها قبل سنوات. فقد أدى تطبيق معيار الإبلاغ المشترك «CRS» إلى توسيع قدرة السلطات الصينية على الحصول على بيانات الحسابات المالية الخارجية، بينما يتيح نظام «Golden Tax Phase IV» مطابقة البيانات المالية والضريبية على نطاق أوسع.

وتشير تحليلات «رويترز» إلى أن توسع هذه القدرات المعلوماتية، بالتزامن مع تشديد قواعد الضرائب، يجعل حملة الإنفاذ الحالية مختلفة عن فترات سابقة كان فيها تطبيق الضرائب على بعض الدخول الخارجية أكثر محدودية.

وقال كريستوفر بيدور، نائب مدير أبحاث الصين في «Gavekal Dragonomics»، إن حملة الإنفاذ تبدو غير مسبوقة، وربما تكون مرشحة للاستمرار، وقد تتداخل مستقبلًا مع أهداف أخرى، مثل تشديد الرقابة على ضوابط رأس المال.

وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في الملف: بالنسبة لبعض أصحاب الثروات، لم يعد السؤال فقط «كم تبلغ الضريبة؟»، وإنما «ما الذي ستنظر إليه السلطات بعد إعلان الثروة؟». فالإفصاح عن الأصول الخارجية قد يفتح الباب أمام تدقيق أوسع في كيفية نقل الأموال أصلًا إلى الخارج، ومدى توافق عمليات تحويلها مع القواعد الصينية الخاصة برأس المال.

ضريبة الثروة تضغط على أسواق الأسهم

بدأت انعكاسات السياسة تظهر بالفعل في الأسواق، وإن كان من السابق لأوانه اعتبارها ظاهرة واسعة النطاق. فقد أثار اهتمام المستثمرين بيع شو بينج، أحد مؤسسي شركة «هايديلاؤ»، أسهمًا بقيمة تقارب 350 مليون دولار، ، خصوصًا أن الصفقة جاءت بعد أسابيع من إطلاق بكين قواعدها الجديدة.

ولم تقدم الشركة سببًا لعملية البيع، لذلك لا يمكن الجزم بأنها مرتبطة مباشرة بالالتزامات الضريبية، لكن توقيتها أعاد إلى الواجهة احتمال اضطرار بعض كبار المساهمين إلى بيع جزء من أصولهم لتوفير السيولة اللازمة لسداد الضرائب.

وتكمن المشكلة في أن الثروة الكبرى لا تكون دائمًا في صورة نقد جاهز؛ إذ قد تكون متركزة في أسهم مؤسسين، أو شركات خاصة، أو عقارات، أو استثمارات طويلة الأجل.

ولذلك فإن فرض التزامات ضريبية على هذه الثروات قد يخلق حاجة إلى السيولة، ما يعني احتمال بيع جزء من الأصول، وهو ما يمكن أن يتحول في بعض الحالات إلى ضغط على أسعار الأسهم.

وتشير تقديرات نقلتها «رويترز» إلى أن بعض أصحاب الثروات يدرسون تصفية هياكل ائتمانية خارجية أو إعادة هيكلتها، بينما قد يضطر آخرون إلى بيع أصول أو الاقتراض لتوفير الأموال اللازمة للوفاء بالالتزامات.

هونج كونج وسنغافورة في دائرة التأثير

ولا تتوقف تداعيات السياسة عند أصحاب الثروات أنفسهم، بل تمتد إلى مراكز إدارة الثروات الآسيوية التي استفادت لسنوات من تدفقات الأموال الصينية. هونج كونج وسنغافورة من أبرز المستفيدين من هذا النشاط، وأي تشديد على قدرة المستثمر الصيني المقيم في البر الرئيسي على نقل الأموال أو إدارة الثروة عبر الخارج يمكن أن يغير حجم الأعمال في قطاعات إدارة الأصول والتأمين والوساطة والخدمات المصرفية الخاصة.

وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على أن الأسواق بدأت تأخذ هذه المخاطر بجدية. وتعرضت شركة «AIA» لضغوط في السوق وسط مخاوف من تأثير تشدد بكين على منتجات التأمين الخارجية، في حين أشارت تحليلات إلى أن السلطات الصينية بدأت أيضًا فرض ضريبة دخل شخصية بنسبة 20% على عوائد بعض منتجات التأمين الخارجية.

لكن هذا لا يعني أن بكين تريد إغلاق الباب أمام حركة رؤوس الأموال بصورة كاملة؛ فالصين نفسها تحتاج إلى الحفاظ على دور هونج كونج كمركز مالي عالمي، كما تحتاج شركاتها إلى الوصول إلى رأس المال والأسواق الدولية. ولذلك تبدو السياسة أقرب إلى إعادة ضبط حركة الأموال وليس إيقافها.

الهدف الأبعد: إبقاء الثروة تحت مظلة الدولة

من هذه الزاوية، يمكن قراءة حملة الضرائب باعتبارها جزءًا من تحول أوسع في علاقة الدولة الصينية بالثروة الخاصة. فبكين لا تستهدف فقط زيادة الحصيلة الضريبية، وإنما تريد أن تكون لديها صورة أكثر وضوحًا عن أين توجد ثروات مواطنيها، وكيف تتحرك، وما العوائد التي تحققها، ومن يسيطر عليها.

وهذا ينسجم مع اتجاه صيني أوسع نحو تعزيز الرقابة على تدفقات رأس المال، خصوصًا في ظل التوترات الجيوسياسية والضغوط على الاقتصاد العالمي والحاجة إلى حماية الاستقرار المالي الداخلي. وفي الوقت نفسه، فإن تشديد الرقابة على الثروات الخارجية يمنح الحكومة قدرة أكبر على الحد من خروج رأس المال دون ضوابط.

وقد حذّر محللون من أن تشدد الإنفاذ قد يؤدي على المدى القريب إلى إبطاء تدفقات الأموال من البر الرئيسي نحو هونج كونج وغيرها من مراكز الثروة الآسيوية. لكن الهدف النهائي قد يكون بناء نظام تكون فيه حركة رأس المال أكثر قابلية للرصد والضبط، لا منعها بالضرورة.

هل تبدأ مرحلة جديدة للأموال الصينية في الخارج؟

مع اقتراب انتهاء مهلة التسوية في 22 أكتوبر، سيكون السؤال الأهم هو حجم الاستجابة من أصحاب الثروات، وما إذا كانت عمليات إعادة الهيكلة والبيع ستظل محدودة، أم تتحول إلى موجة أوسع.

الأرجح أن التأثير لن يكون واحدًا على الجميع. فبعض أصحاب الثروات قد يختار الإفصاح ودفع المستحقات والاحتفاظ بالأصول، بينما قد يسعى آخرون إلى إعادة هيكلة الصناديق أو تصفية بعضها. وفي الحالات التي تكون فيها الثروة شديدة التركّز أو غير سائلة، قد يصبح الاقتراض أو بيع جزء من الاستثمارات أمرًا ضروريًا.

لكن البعد الأهم يتجاوز موعد 22 أكتوبر نفسه؛ فالمسألة تعكس تغيرًا في قواعد اللعبة المالية بالنسبة إلى الثروة الصينية العابرة للحدود. وما كان في الماضي مساحة رمادية يمكن استخدامها في إدارة الثروات أصبح الآن جزءًا من دائرة الرقابة الضريبية المباشرة.

ومن ثم فإن ما تفعله بكين لا يمكن قراءته باعتباره مجرد حملة لتحصيل ضرائب متأخرة، بل باعتباره إعادة رسم للعلاقة بين رأس المال الصيني والدولة. فالثروة التي خرجت إلى هونج كونج أو سنغافورة أو نيويورك أو غيرها من المراكز المالية العالمية لم تعد بالضرورة خارج نطاق الرؤية الصينية، بينما تملك بكين اليوم أدوات قانونية وتقنية ومعلوماتية أكثر قدرة على تتبعها.

وهنا تكمن الرسالة الاستراتيجية الأوسع: الصين لا تغلق أبوابها أمام العالم المالي، لكنها تريد أن تدخل الأموال الصينية إلى الخارج وتعود منه وفق قواعد تظل بكين قادرة على مراقبتها وفرض الضرائب عليها.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة انتقالًا من مرحلة توسع الثروة الصينية في الخارج إلى مرحلة جديدة عنوانها «الثروة العابرة للحدود تحت رقابة الدولة».

وبالنسبة إلى الأسواق العالمية، فإن أهمية هذه السياسة لا تكمن فقط في حجم الضرائب التي ستجمعها الصين، وإنما في احتمال إعادة توجيه جزء من مئات المليارات من الدولارات التي تديرها العائلات الصينية خارج البلاد، وإعادة تشكيل تدفقات رأس المال نحو هونج كونج وسنغافورة والأسواق الغربية.

لذلك فإن حملة بكين على الصناديق الخارجية قد تتحول تدريجيًا من ملف ضريبي صيني إلى قضية لها آثار على خريطة المال الآسيوي والدولي بأكملها.

طالع المزيد: تقرير أمريكي رسمي: التنافس مع الصين يهدد سلاسل التوريد والأمن القومي للولايات المتحدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى