بريكس يضرب الدولار من الباب الخلفي.. لا عملة موحدة لكن منظومة مالية موازية تقترب
كتب: عاطف عبد الغنى
أكد محللون أن مجموعة «بريكس» لم تتراجع عن توجهها الرامي إلى تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي، رغم عدم إحراز تقدم باتجاه إنشاء عملة مشتركة لدول المجموعة، معتبرين أن الموقف الأخير يعكس تحولًا نحو استراتيجية أكثر واقعية وتدرجًا بدلًا من التخلي عن مسار «إزالة الدولرة».
وجاء ذلك في أعقاب القمة التي عقدتها المجموعة في العاصمة الهندية نيودلهي، والتي اختتمت أعمالها بإصدار إعلان للقادة من 45 صفحة، تعهدت فيه الدول الأعضاء بتعزيز روابط أنظمة المدفوعات العابرة للحدود، دون طرح مبادرة لإنشاء عملة موحدة لـ«بريكس».
ونص الإعلان على أن «فريق عمل المدفوعات» التابع للمجموعة سيواصل جهوده لتسهيل مدفوعات أسرع وأقل تكلفة وأكثر إتاحة وكفاءة وشفافية وأمانًا بين دول بريكس. غير أن سودهاكار داليلة، سكرتير وزارة الخارجية الهندية، أوضح خلال مؤتمر صحفي أن «لا يوجد في الوقت الراهن أي مقترح لإنشاء عملة بريكس».
ويرى ماتيو جيوفانيني، الباحث المشارك غير المقيم في مركز الصين والعولمة ومقره بكين، أن هذا التوجه لا يمثل تراجعًا عن تقليص الاعتماد على الدولار، بقدر ما يعكس تغييرًا في الوسيلة، من محاولة إنشاء عملة مشتركة إلى بناء البنية التحتية التي تتيح للدول الأعضاء تقليل استخدام الدولار بصورة عملية.
وأوضح جيوفانيني أن هذا الهدف أكثر قابلية للتحقيق، في ظل العقبات التي تحول دون إنشاء عملة موحدة، ومنها الاختلافات الكبيرة في السياسات النقدية، وأنظمة أسعار الصرف، والقيود على حركة رؤوس الأموال، والهياكل الاقتصادية بين دول المجموعة، وهو ما دفع «بريكس» إلى تبني مقاربة أكثر واقعية وتدرجًا.
وأشار إعلان القمة إلى أن فريق العمل درس كذلك قابلية التشغيل البيني بين قنوات الدفع وأنظمة الرسائل المالية العابرة للحدود، كما أجرى مناقشات بشأن استخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات التجارية والاستثمارات بين الدول الأعضاء.
وكانت فكرة إنشاء عملة تابعة لـ«بريكس» قد حظيت باهتمام دولي واسع منذ أن طرح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، عام 2023، إمكانية إصدار عملة مشتركة للتجارة بين دول المجموعة. وأثار ذلك تهديدًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على دول بريكس إذا تحركت لإنشاء عملة بديلة أو سعت إلى إحلالها محل الدولار الأمريكي.
وفي هذا السياق، قال شو تيانتشن، كبير الاقتصاديين في وحدة الاستخبارات الاقتصادية، إن فكرة العملة الموحدة تفتقر إلى «مبرر اقتصادي وتجاري واضح»، مشيرًا إلى عدم وجود سوق موحدة بين الدول الإحدى عشرة، وغياب هيئة مركزية تتمتع بصلاحيات مؤثرة على السياسات الاقتصادية للدول الأعضاء، على غرار المفوضية الأوروبية، فضلًا عن اختلاف رغبات الدول في الاحتفاظ بدرجة عالية من السيطرة على قراراتها النقدية والمالية.
وأضاف أن هذه العوامل تجعل إقامة اتحاد سياسي متكامل، وسوق موحدة، وعملة مشتركة، أهدافًا شديدة الصعوبة في الظروف الحالية.
وتضم مجموعة «بريكس» في تشكيلتها الحالية 11 دولة هي: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، ومصر، وإثيوبيا، وإيران، والإمارات العربية المتحدة، والسعودية، وإندونيسيا.
ورغم استبعاد العملة الموحدة في الوقت الراهن، يرى المحللون أن جهود تقليل الاعتماد على الدولار مرشحة للاستمرار، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والمخاوف من هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي. غير أن هذه الجهود، وفق تقديراتهم، ستسلك مسارًا عمليًا تدريجيًا، يقوم على تطوير شبكات تسوية بالعملات المحلية وربط أنظمة الدفع المختلفة.
وقال شو تيانتشن إن كل دولة من دول المجموعة لديها حافز لتجاوز النظام القائم على الدولار، مشيرًا إلى أن أحد المسارات الممكنة يتمثل في بناء كل دولة شبكاتها الخاصة لتسوية المدفوعات بالعملة المحلية، ثم ضمان قابلية التشغيل البيني بين هذه الشبكات.
بدوره، توقع جيوفانيني زيادة استخدام العملات الوطنية في التجارة البينية بين دول بريكس، وتطوير أنظمة أكثر ترابطًا للمدفوعات والرسائل المالية، إلى جانب تعاون أعمق في مجالات البنية التحتية المالية وتسوية المعاملات.
ورجح أن تحقق المجموعة تقدمًا أكبر في «البنية التشغيلية للتمويل الدولي» مقارنة بإنشاء عملة جديدة، مؤكدًا أن الدولار من غير المرجح أن يفقد موقعه المهيمن في المستقبل المنظور، إلا أن التطور الأهم قد يتمثل في نشوء منظومة مالية موازية بصورة تدريجية، لا يكون الدولار فيها الوسيط الافتراضي لكل معاملة تجارية أو استثمارية.





