كيفورك ألماسيان: إيران تمارس استنزاف النظام الإقليمي الأمريكي

بيان

مقدمة

المحلل والكاتب “كيفورك ألماسيان” يكتب التحليل التالى بأسلوب يجمع بين الجاذبية الصحفية والعمق الاستراتيجي، يحاول فيه كشف عمق الصراع الراهن بالشرق الأوسط، ويبرز تساؤل محوري يثير جدلاً واسعاً: لماذا تركز إيران ضرباتها على البنية التحتية والقواعد الأمريكية في الخليج بدلاً من توجيه هجوم مباشر وساحق لإسرائيل؟.

وخلف هذا السؤال تكمن قراءة استراتيجية عميقة تتجاوز العاطفة والشعارات الدينية والسياسية؛ فإيران تدرك أن التفوق الإسرائيلي ليس معزولاً، بل هو ثمرة “منظومة إقليمية” متكاملة تقودها واشنطن وتمثل عواصم الخليج عمقها العملياتي والمالي.

في هذا التقرير، نفكك ملامح “حرب الاستنزاف الصامتة” التي تخوضها طهران، ليس لاستهداف جغرافيا إسرائيل فحسب، بل لتفكيك الجهاز العصبي والإمبراطوري الذي يغذي حمايتها وهيمنتها في المنطقة.

التقرير:

يبقى سؤال أساسي في قلب الحرب الإقليمية التي تتكشف اليوم: لماذا تبدو إيران أكثر تركيزًا على استهداف القواعد والبنية التحتية الأمريكية في الخليج الفارسي، بدلًا من محاولة ضرب إسرائيل مباشرة وبقوة ساحقة؟

بالنسبة لكثيرين ممن يتابعون الأحداث بعاطفة أكثر من التفكير الاستراتيجي، يثير هذا السؤال شكوكًا فورية. يقولون: إذا كانت إيران ترى إسرائيل عدوها الأساسي فعلًا، فلماذا لا تضربها مباشرة؟ لماذا تستهدف ممالك الخليج، والقواعد الأمريكية، والرادارات، والبنية الإقليمية بدلًا من ذلك؟ ولماذا تضغط بقوة على المنظومة المحيطة بإسرائيل، لا على إسرائيل نفسها؟

برأيي، أهمية هذا السؤال أنه يكشف سوء فهم عميق لطبيعة القوة في الشرق الأوسط المعاصر.

أول ما يجب فهمه هو أن إسرائيل لا تتحرك وحدها، ولا تعمل بمعزل عن محيطها. تفوقها العسكري ليس “إسرائيليًا” فقط، بل هو جزء من منظومة إقليمية أوسع تقودها الولايات المتحدة، وتمتد عبر ممالك الخليج، وشبكات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأنظمة الرادار، والبنية التحتية للمراقبة، والتنسيق الدفاعي الجوي، والقواعد العسكرية، والأقمار الصناعية، والاعتماد المالي.

الخليج اليوم هو العمق العملياتي الخلفي للقوة الأمريكية في غرب آسيا، وعندما نفهم ذلك، تصبح الاستراتيجية الإيرانية أوضح بكثير.

إذا كان المخططون الإيرانيون يرون أن تدمير إسرائيل مباشرة أمر غير واقعي من دون تفجير حرب إقليمية شاملة، وربما دفع الأمور نحو تصعيد نووي، فإن الخيار الأكثر عقلانية يصبح إضعاف البنية التي تسمح للهيمنة الإسرائيلية بالعمل أصلًا.

بمعنى آخر، تبدو إيران أقل اهتمامًا بالرمزية الدرامية، وأكثر اهتمامًا بإضعاف النظام الذي يغذي التفوق الإسرائيلي ويحميه.

ومن هنا تصبح ممالك الخليج أهدافًا مركزية.

فهذه الممالك تستضيف البنية العسكرية الأمريكية التي تحمي إسرائيل. أنظمة الرادار المنتشرة في الخليج ليست أدوات دفاعية محايدة، بل توفر قدرات كشف وتتبع وتبادل معلومات تساعد الأنظمة الأمريكية والإسرائيلية على اعتراض الصواريخ الإيرانية.

والقواعد الأمريكية في الخليج ليست مراقبًا محايدًا أيضًا، بل أصول عملياتية داخل المواجهة الكبرى.

لذلك، عندما تستهدف إيران هذه الأنظمة، فهي لا “تتجنب إسرائيل”، بل تستهدف الجهاز العصبي الإقليمي الذي يحمي التفوق الإسرائيلي.

لكن هناك أمر اَخر أعتقد أنها أكثر أهمية.

ممالك الخليج بنت هويتها الحديثة كلها تقريبًا على فكرة “الاستقرار”. دول مثل الإمارات والسعودية حوّلت نفسها إلى مراكز استثمار عالمية عبر إقناع العالم بأنها جزر آمنة داخل منطقة مضطربة.

شرعيتها الحديثة باتت تعتمد أقل على القوة العسكرية المباشرة، وأكثر على ثقة المستثمرين، وتدفقات الأموال، والمشاريع العقارية العملاقة، والسياحة، والاندماج في الاقتصاد العالمي.

والإمارات تحديدًا أتقنت هذا النموذج. دبي لم تعد مجرد مدينة، بل أصبحت علامة جيوسياسية. الرسالة كانت واضحة: أحضر أموالك، وشركاتك، وثروتك، وتقنياتك، وبنوكك، واستثماراتك إلى هنا، لأن القوة الأمريكية تضمن أمنًا دائمًا.

إيران تفهم جيدًا أن هذه الصورة نفسها هي مركز الثقل الحقيقي.

فبمجرد أن تبدأ الصواريخ بالتحليق فوق أجواء الخليج، وبمجرد أن يبدأ المستثمرون بالتساؤل عما إذا كان الوجود العسكري الأمريكي يزيد الخطر بدلًا من تقليله، وبمجرد أن يبدأ وهم الاستقرار بالاهتزاز، يصبح النموذج الاقتصادي الخليجي كله هش.

عندها، لا تحتاج إيران إلى احتلال هذه الدول عسكريًا، بل يكفيها أن تكسر فكرة أنها “غير قابلة للمس”.

وهذا بالضبط ما نراه.

فالرسالة الإيرانية الأعمق إلى ممالك الخليج هي نفسية: الحماية الأمريكية لم تعد ضمانة، بل أصبحت عبئًا ومصدر خطر.

وهذا يفسر، برأيي، لماذا يسيء بعض المحللين فهم ما يسمونه “ضبط النفس الإيراني” تجاه إسرائيل. كثيرون على الإنترنت يتحدثون بسهولة عن “تدمير إسرائيل” وكأن الأمر مجرد قرار إرادي.

لكن الدول الجدية لا تفكر بالشعارات، بل بالعواقب.

إيران تدرك أن أي تهديد وجودي حقيقي لإسرائيل قد يدفع نحو تصعيد نووي.

فإسرائيل تمتلك سلاحًا نوويًا، والجميع في المنطقة يعرف ذلك. وأي سيناريو تشعر فيه إسرائيل أن بقاءها مهدد فعليًا قد يدفع الصراع إلى كارثة تتجاوز حدود الحرب التقليدية بالكامل.

لهذا أعتقد أن الاستراتيجية الإيرانية مبنية بدرجة أقل على “التدمير الفوري”، وبدرجة أكبر على الاستنزاف طويل الأمد.

ليس استنزاف إسرائيل وحدها، بل استنزاف النظام الإقليمي الأمريكي الذي يجعل الهيمنة الإسرائيلية ممكنة.

فإسرائيل، من دون الدعم العسكري والمالي والتكنولوجي والدبلوماسي الأمريكي الهائل، لا تستطيع أن تعمل كقوة إقليمية مهيمنة بالشكل الحالي. القوة الإسرائيلية تعتمد بنيويًا على القوة الأمريكية.

ويبدو أن إيران تركز أكثر فأكثر على إضعاف هذه البنية بشكل غير مباشر، بدل الانجرار خلف الأوهام.

وفي الوقت نفسه، هناك تحول آخر بدأ يظهر، وأعتقد أنه قد يكون أكثر خطورة على إسرائيل في المدى الطويل: المناخ السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها.

لعقود، كان دعم إسرائيل أشبه بإجماع مقدس داخل السياسة الأمريكية. نعم، وُجدت انتقادات، لكنها بقيت غالبًا على الهامش. ما تغيّر بعد حرب إبادة غزة، والآن بعد الحرب على إيران، ليس فقط تصاعد الانتقاد الليبرالي، فهذا كان موجودًا بدرجة ما.

التحول الأهم هو الانقسام الذي بدأ يظهر داخل اليمين الأمريكي نفسه.

بشكل متزايد، بدأت شخصيات داخل التيارات المحافظة والقومية و”أمريكا أولًا” تطرح أسئلة علنية: لماذا تبدو أولويات إسرائيل متقدمة على المصالح الأمريكية؟ لماذا تستمر الحروب التي تستنزف موارد أمريكا؟ ولماذا يبقى انتقاد إسرائيل خطرًا سياسيًا بطريقة لا تنطبق تقريبًا على أي دولة أجنبية أخرى؟

هذا لا يعني أن واشنطن ستتخلى فجأة عن إسرائيل. إطلاقًا. العلاقة العسكرية والمؤسساتية ما تزال عميقة بشكل استثنائي. لكن سياسيًا، هناك شيء بدأ يتحرك تحت السطح.

وأعتقد أن الاستراتيجيين الإسرائيليين يدركون هذا الخطر جيدًا.

فالمرحلة الحالية، من وجهة نظرهم، قد تمثل نافذة تاريخية تضيق تدريجيًا. فإذا استمر الرأي العام الأمريكي بالتحول، وإذا أصبحت التحالفات السياسية المستقبلية أقل استعدادًا لإخضاع المصالح الأمريكية للطموحات الإسرائيلية الإقليمية، فقد تجد إسرائيل نفسها يومًا أمام قيود لم تواجهها منذ عقود.

وهنا يصبح البعد الإقليمي شديد الأهمية.

لأنني أعتقد أكثر فأكثر أن طموح إسرائيل الطويل الأمد لا يقتصر على “البقاء”. فالبقاء مضمون عبر الدعم الأمريكي والردع النووي. الطموح الأكبر يبدو أنه تحويل إسرائيل إلى مركز إمبراطوري إقليمي مستقل بالكامل.

انظروا إلى الصورة الكبرى التي تتشكل الآن.

إسرائيل تسعى إلى الهيمنة على حقول الغاز في شرق المتوسط. وتسعى إلى الاندماج في الاقتصاد الخليجي. وتسعى إلى التطبيع الكامل مع العالم العربي. وتسعى إلى السيطرة على ممرات الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا. وتسعى إلى نفوذ غير مباشر في إعادة إعمار سوريا وعلى طرق التجارة الإقليمية. وإذا تحولت إيران يومًا إلى دولة “صديقة” بعد تغيير النظام، ومنسجمة مع المصالح الغربية والإسرائيلية، فستكون التداعيات الجيوسياسية هائلة.

عندها، لن تبقى إسرائيل مجرد دولة وظيفية تحميها أمريكا من الأخطار الخارجية. بل قد تتحول إلى المركز الجيوسياسي والطاقوي الأهم في المنطقة.

دولة تتموضع بين أوروبا والخليج وآسيا. دولة قادرة على التحكم بممرات التجارة والطاقة، وأنظمة الاستخبارات، والتفوق العسكري في الوقت نفسه. دولة لا تعمل فقط كامتداد للقوة الأمريكية، بل كفاعل إمبراطوري إقليمي بحد ذاته.

وأعتقد أن إيران تدرك هذا الاحتمال جيدًا.

ولهذا فإن الحرب الحالية ليست فقط حول إيران أو إسرائيل بذاتهما، بل حول ما إذا كان مستقبل الشرق الأوسط سيُبنى على نظام إقليمي تتمحور فيه المنطقة حول إسرائيل المدعومة أمريكيًا، أم أن هناك ما يكفي من قوى المقاومة لمنع هذا التحول من أن يصبح دائمًا.

هذا هو الصراع الاستراتيجي الحقيقي الجاري تحت العناوين اليومية.

ولهذا، إيران لا تستهدف إسرائيل فقط.

بل تستهدف المنظومة التي تجعل التفوق الإسرائيلي ممكنًا من الأساس.

كيفورك ألماسيان
كيفورك ألماسيان

……………………………………………………………………………….

كيفورك ألماسيان: كاتب ومفكر استيراتيجى سورى لاجىء فى ألمانيا

 

زر الذهاب إلى الأعلى