تقرير إسرائيلي: كيف تعيد تركيا صياغة “سوريا الجديدة” عسكرياً واقتصادياً؟

.. ما هي مستهدفات تل أبيب؟

كتب: عاطف عبد الغنى

مقدمة:

محور أنقرة-دمشق يملأ فراغ “الحرب الإيرانية الثانية”

قال تقرير تحليلي موسع  إن هناك تحولات استراتيجية متسارعة شهدها محورا أنقرة ودمشق خلال شهري أبريل وبداية مايو 2026.

ووفقاً للقراءة الإسرائيلية، فإن تركيا بدأت تتحرك كفاعل أمني وسياسي مهيمن في رسم ملامح ما أسماه المركز بـ “سوريا الجديدة”، مستغلة حالة التراجع الإيراني في أعقاب “الحرب الإيرانية الثانية” (التي دارت بين فبراير وأبريل 2026)، لملء الفراغ الاستراتيجي وبناء جيش سوري جديد يتوافق مع العقيدة والمصالح التركية، وهو ما يفرض واقعاً أمنياً معقداً على حدود إسرائيل الشمالية، حسب مزاعم تل أبيب.

وفى التالى قراءة تحليلية لما حمله مركز “ألما” الإسرائيلي للبحوث والتعليم، المنشور على موقع المركز الرسمى على شبكة المعلومات ” الإنترنت”.

 الذراع الدبلوماسية والاقتصادية.. دمج دمشق في الفلك التركي

يرى مركز “ألما” الإسرائيلي أن اللقاءات الرفيعة التي شهدها “منتدى أنطليا للدبلوماسية” في الفترة من 16 إلى 19 أبريل 2026، بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع والمسؤولين الأتراك (وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان ورئيس الاستخبارات إبراهيم قالن)، لم تكن مجرد لقاءات بروتوكولية، بل دشنت مرحلة “التكامل الشامل” عبر عدة مسارات:

الهيمنة الاقتصادية والمصرفية:

أشار التقرير إلى خطوة متقدمة بإنشاء حساب مراسل للمصرف المركزي السوري لدى البنك المركزي التركي، وتسهيل عمل بنكي “زراعات” و”أكتيف” التركيين في سوريا، مما ينقل الاقتصاد السوري من السيولة النقدية التقليدية إلى الاعتماد الكامل على النظام المصرفي التركي للمقاصة والمدفوعات الدولية.

منطقة إدلب الحرة:

كشف التقرير عن مشروع مشترك لإقامة منطقة تجارة حرة في إدلب بالشراكة مع شركة “بوماكو” التركية، تشمل إنشاء ميناء جاف وتطوير معبر “باب الهوى”، بهدف ربط محور (حلب – اللاذقية – دمشق) بالشبكة الصناعية التركية لتصبح البيئة الاقتصادية السورية تابعة كلياً لأنقرة.

الشرعية السياسية:

اعتبر التقرير أن خطاب “الشرع” في أنطاليا وتصويره لسوريا كـ “حلقة وصل محايدة” يخدم مباشرة المحور الإقليمي السني (التركي – القطري – السوري).

ورغم تأجيل الجلسة الأولى للبرلمان السوري التي كانت مقررة نهاية أبريل بسبب خلافات التشكيل الداخلية، إلا أن أنقرة استخدمت الملف لتصدير صورة “استقرار النظام الجديد” للغرب.

القفزة التسليحية التركية.. صواريخ باليستية ومقاتلات جيل خامس

رصد التقرير الاستخباراتي الإسرائيلي الطفرة غير المسبوقة في القدرات التصنيعية العسكرية لتركيا، معتبراً إياها ركيزة أساسية لفرض نفوذها الإقليمي، واستعرض المؤشرات التالية:

صاروخ “يلدرمخان” (برق الخان):

أثار إعلان تركيا في مؤتمر “ساها” الدفاعي بإسطنبول (5 مايو 2026) عن صاروخ أرض-أرض باليستي جديد بمدى معلن يصل إلى 6000 كيلومتر، قلقاً كبيراً في الأوساط الأمنية الإسرائيلية، لكونه أول صاروخ مطور ومُنتج محلياً بالكامل من قبل قطاع البحث والتطوير بوزارة الدفاع التركية.

توسعات “روكيتسان” المليارية:

افتتاح مجمعات صناعية جديدة لشركة “روكيتسان” في أنقرة باستثمار قيمته مليار دولار (مع خطط لضخ ملياري دولار إضافية)، يضم أكبر منشأة للرؤوس الحربية في أوروبا وبنية تحتية للإنتاج الكمي للصواريخ الباليستية وكروز.

المقاتلة “كان” (KAAN):

دخول طائرة الجيل الخامس التركية مرحلة اختبارات طيران متقدمة عبر نماذج أولية في أبريل ومايو 2026.

الأرقام القياسية للصادرات:

قفزت الصادرات الدفاعية التركية بنسبة 12.1% في الربع الأول من 2026 لتصل لـ 1.9 مليار دولار، بعد عام قياسي (2025) حققت فيه 10.56 مليار دولار، وسط تطلع تركي لدخول قائمة أكبر 10 دول مصدرة للسلاح بحلول 2028 (حيث تحتل حالياً المرتبة 11 عالمياً).

 “الناتو الإسلامي” وإعادة بناء القوات السورية

يحلل مركز “ألما” أبعاد الطموح التركي بربط التحركات في سوريا بإطار استراتيجي أوسع (أشار إليه معهد “ميمري” في يناير 2026)، ويتعلق باتفاق دفاعي ثلاثي بين (تركيا، السعودية، وباكستان) لتشكيل ما يشبه “الناتو الإسلامي السني”.

وفي الساحة السورية، يتجاوز الدور التركي مجرد النفوذ الروتيني إلى التدخل المباشر في “عقيدة بناء واستخدام القوات المسلحة السورية” بهدف صياغتها على صورتها من خلال:

برامج تدريب عسكرية تركية شاملة للجيش السوري.

تزويد القوات السورية بأسلحة ومعدات تركية متطورة، وفي مقدمتها طائرات “بيرقدار TB2” المسيرة.

السعي لترسيخ التواجد التركي في القواعد الجوية السورية ونشر منظومات دفاع جوي متطورة.

 التوترات الإسرائيلية – التركية والمناورة السياسية لأردوغان

سلط التقرير الضوء على طبيعة المواجهة الحالية بين تل أبيب وأنقرة، واصفاً إياها بأنها انتقلت إلى مرحلة “الأكثر خطورة” وفقاً لتقديرات مراكز أبحاث واشنطن (مثل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات)، مستشهداً بحدثين بارزين في مايو 2026:

أسطول غزة البحري: انطلاق أسطول بحري مناهض لإسرائيل من السواحل التركية في 14 مايو بتنظيم جزئي من هيئة الإغاثة الإنسانية (IHH) – المحظورة إسرائيلياً – واضطرار البحرية الإسرائيلية للاعتراض العسكري لمعظم سفن الأسطول بحلول 19 مايو.

الملاحقة القانونية: تحريك محكمة في إسطنبول لائحة اتهام ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و34 مسؤولاً إسرائيلياً بتهم ارتكاب “إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية”.

ويخلص تقرير مركز “ألما” في تقديره للموقف إلى تحذير المستوى الأمني في إسرائيل، مؤكداً أن أي عملية عسكرية إسرائيلية مستقبلية في الأراضي السورية لم تعد تواجه نفوذاً إيرانياً متراجعاً، بل أصبحت تهدد بالاصطدام المباشر مع تركيا، محذراً من خطورة سيناريو “تطويق إسرائيل” عبر محور سني تقوده أنقرة وتديره عسكرياً واقتصادياً في سوريا.

تفكيك الأغراض الإسرائيلية من وراء التقرير

لا يمكن قراءة هذا التقرير الصادر عن مركز “ألما” الإسرائيلي بمعزل عن سياق التوقيت والتحولات الجيوسياسية العنيفة التي تعقب ربيع 2026 من إعادة تنظيم الخارطة الإقليمية.

ومن خلال تفكيك الخطاب العسكري والاستخباراتي العبري، نخلص إلى أن هناك على الأقل 4 أغراض ومستهدفات رئيسية تسعى تل أبيب لتسويقها من خلال هذا التحليل كالتالى:

1. صناعة “عدو بديل” لتبرير الإخفاق الاستراتيجي

بعد سنوات ركزت فيها العقيدة الأمنية الإسرائيلية على “المحور الشيعي” وفزاعة “التموضع الإيراني” في سوريا، تجد تل أبيب نفسها اليوم أمام واقع جديد انحسر فيه الدور الإيراني نسبياً، ليحل محله نفوذ تركي أكثر تنظيماً وقبولاً على المستوى الإقليمي والدولي. إسرائيل تحاول عبر هذا التقرير تضخيم “الخطر التركي السني” لتبرير استمرار اعتداءاتها وعملياتها العسكرية في العمق السوري، وصياغة عقيدة عدائية جديدة تسوقها للرأي العام الداخلي لتعويض غياب الخطر الإيراني التقليدي.

2. الاستنجاد بالغرب والناتو ضد الصعود التركي

التركيز الإسرائيلي اللافت على مصطلحات مثل “الناتو الإسلامي” و”بناء محور مناهض للغرب وإسرائيل”، هو صياغة موجهة ومقصودة بذاتها. الغرض منها تحريض الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضد أنقرة، عبر إحراج تركيا دولياً وتصويرها كعضو في “الناتو” يبني حلفاً موازياً معادياً للمصالح الغربية، وبالتالي دفع واشنطن لتقويض الصعود العسكري التركي (خاصة مشاريع صواريخ “يلدرمخان” ومقاتلات “كان”) عبر سلاح العقوبات والضغط السياسي.

3. شيطنة “الدولة السورية الجديدة” وإجهاض استقرارها

الربط الإسرائيلي بين الاقتصاد التركي وإعادة بناء الجيش السوري يحمل محاولة واضحة للتشويش على حكومة أحمد الشرع الانتقالية. تل أبيب يزعجها جداً مشهد انتقال سوريا من “مرحلة الأزمة إلى مرحلة الفرص والخطط اللوجستية”، وتريد إرسال رسالة للمجتمع الدولي مفادها أن سوريا لم تستقر، بل تحولت إلى “قاعدة عسكرية تابعة لأنقرة”، وذلك لعرقلة أي اعتراف دولي أو غربي بالواقع السوري الجديد وسد الباب أمام تدفق استثمارات إعادة الإعمار.

4. الهروب من الملاحقة القانونية والدبلوماسية

يأتي التقرير الإسرائيلي كرد فعل “دفاعي” مباشر على الخطوات القضائية الجريئة التي اتخذتها محاكم إسطنبول بتوجيه اتهامات “الإبادة الجماعية” لقادة الاحتلال، فضلاً عن الحركة الشعبية لأسطول الحرية في مايو 2026.

إسرائيل تحاول تصوير هذه التحركات القانونية والإنسانية على أنها مجرد “أدوات بروباجندا واستفزاز سياسي” يمارسها أردوغان، للتعمية على الجوهر القانوني والأخلاقي للملاحقات الدولية التي تحاصر قادتها.

حالة من “الانكشاف الاستراتيجي”

وأخيرا فأن تقرير “ألما” يعكس حالة من “الانكشاف الاستراتيجي” تعيشها إسرائيل؛ فبينما كانت تأمل أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني إلى تحويل سوريا إلى ساحة مستباحة بالكامل لعملياتها، فاجأها “محور أنقرة-دمشق” بتكامل اقتصادي وعسكري يفرز واقعاً أشد تعقيداً.

ويأتى حديث إسرائيل عن “التطويق” بمثابة اعتراف ضمني بفشل نظرية الأمن الإسرائيلية، وتأكيد على أن دمج سوريا في محيطها الإقليمي بات يمثل خط دفاع استراتيجي يصعب على الاحتلال اختراقه أو تجاوزه على المدى المتوسط والبعيد.

طالع المزيد:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى