اتفاقيات محمد فى مواجهة بروتوكولات إبراهام.. تحرك مصر لحصار حلف “إثيوبيا-إسرائيل”

الصندوق الأسود لمعركة البحر الأحمر: كيف تحولت "أرض الصومال" وفضاء "السودان" إلى ساحة حرب مسيرات سرية

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

على مدى عقود، عملت إسرائيل على توسيع حضورها السياسي والاقتصادي في القارة الإفريقية، ضمن استراتيجية تهدف إلى تعزيز نفوذها الخارجي وبناء شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية مع دول القارة.

ووفقاً لبيانات وزارة الخارجية الإسرائيلية، تقيم تل أبيب علاقات رسمية مع أكثر من 40 دولة إفريقية، ما يعكس حجم الاختراق الدبلوماسي الذي تمكنت من تحقيقه في إفريقيا خلال السنوات الماضية.

ورغم تعدد الشراكات الإسرائيلية داخل القارة، تبقى العلاقة مع إثيوبيا من أكثر العلاقات القائمة على المصالح المتبادلة، والكراهية للعرب، وخاصة مصر.

وفى التاريخ القريب تعود هذه العلاقات بجذورها إلى خمسينيات القرن الماضي، وشهدت تطوراً متسارعاً على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية.

واستند هذا التقارب إلى اعتبارات دينية وجيوسياسية وتنموية، فضلاً عن الدور الذي لعبته إثيوبيا كمصدر رئيسي للهجرة اليهودية إلى إسرائيل.

ومع مرور الوقت، تحولت أديس أبابا إلى حليف استراتيجي مهم لتل أبيب في منطقة القرن الإفريقي، بما تمثله من أهمية جغرافية وأمنية في محيط البحر الأحمر وشرق إفريقيا، اللذان يشهدان توترا ومنطقة صراع تنذر بأخطار جسيمة على الإقليم.

المشهد اليوم

ولم يعد المشهد في منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر مجرد مناوشات دبلوماسية أو خلافات عابرة حول حصص المياه؛ بل تحول عملياً إلى “مسرح حرب مفتوحة” وتشكيل تحالفات دولية متقاطعة تعيد رسم خريطة النفوذ العسكري واللوجستي.

وجاءت الأنباء الواردة عن تحركات القطع البحرية المصرية نحو البحر الأحمر، بالتزامن مع إعلان الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيرة إثيوبية (تركية الصنع) اخترقت مجاله الجوي، لتكشف عن تسارع وتيرة الصراع الإقليمي الذي تشير التقارير العبرية إلى أنه بات يوضع تحت عنوان مواجهة: “اتفاقيات محمد” الموازية في مواجهة “اتفاقيات إبراهيم”.

بوابات الموانئ البديلة وحصار طموح أديس أبابا

وفقاً لمعلومات وثيقة الصلة، أثمرت الزيارات المتتالية لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ووزير النقل كامل الوزير إلى العاصمة الإريترية “أسمرة”، واللقاءات مع الرئيس آسياس أفورقي، عن صياغة اتفاق بحري وسياسي وأمني “عسكري” رفيع المستوى.

المعادلة المصرية-الإريترية واضحة: إريتريا تمتلك موقعاً جغرافياً حاكماً على جنوب البحر الأحمر لكنها تعاني اقتصادياً، بينما تمتلك مصر الخبرة والقدرة اللوجستية والشركات القادرة على تطوير الموانئ.

هذا التنسيق يهدف إلى ربط الموانئ المصرية بخطوط لوجستية تمتد عبر السودان وصولاً إلى إريتريا، مما يجعل أي ترتيبات بحرية أخرى خارج هذا المحور بلا قيمة اقتصادية، وهي ضربة استباقية لمساعي إثيوبيا وإسرائيل للسيطرة على منافذ بحرية جديدة.

القواعد العسكرية الإسرائيلية وسفارة القدس

وتكشف كواليس التحقيق عن تحرك إسرائيلي خطير في إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند) الانفصالي (غير المعترف به دولياً).

ووفقاً لتقارير بثتها القناة “14” العبرية ووكالة “بلومبرج”، بدأت إسرائيل بالفعل في وضع أسس بناء قاعدة عسكرية وجوية دائمين في منطقة جبلية تبعد 100 كيلومتر عن مدينة “بربرة” الساحلية، وبمسافة لا تتعدى 260 كيلومتراً عن الساحل اليمني؛ بهدف تسهيل ضرب الحوثيين وتأمين موطئ قدم دائم لإسرائيل على مدخل قناة السويس.

الأخطر من ذلك، هو وصول وفد عسكري رفيع المستوى من ضباط “أرض الصومال” المتواجدين في إسرائيل لتلقي تدريبات عسكرية، مقابل حجز ضباط إسرائيليين لطابق كامل في أحد فنادق عاصمة الإقليم المحصنة بالزجاج المضاد للرصاص، تمهيداً لافتتاح سفارة رسمية للإقليم في القدس المحتلة، مقابل اعتراف إسرائيلي-إثيوبي بانفصال الإقليم ومنح إثيوبيا منفذاً بحرياً عسكرياً.

الوحش الذي تخشاه تل أبيب

في قراءة لصحيفة “معاريف” العبرية، تسببت التحركات الإسرائيلية الإثيوبية في ولادة حلف موازٍ أطلقت عليه الصحيفة اسم “اتفاقيات محمد”، ويضم كلاً من: (مصر، السعودية، تركيا، قطر، وباكستان).

هذا التحالف يتحرك بـ “فيتو” حاسم ضد تفكيك دولة الصومال المركزية وضد أي وجود إثيوبي-إسرائيلي في البحر الأحمر؛ لأن الرياض ترى في انفصال أرض الصومال تهديداً مباشراً لموانئها الحيوية في جدة، وتلتقي في ذلك بالكامل مع الأمن القومي المصري الحاكم لقناة السويس.

وعلى جبهة حلفاء “إبراهيم”، وحسب صحيفة “معاريف” الإسرائيلية فأن الإمارات -التي تتحرك ببراجماتية شديدة وفق مصالحها- بدأت تقلل اهتمامها بالتحالف مع إسرائيل، وظهر ذلك بوضوح قبل أسبوعين حين نفت أبوظبي كلياً بياناً لمكتب نتنياهو زعم فيه إجراء زيارة رسمية للإمارات، واصفة بيان مكتب نتنياهو بـ “الكاذب”، في وقت تحتفظ فيه الإمارات بعلاقات قوية مع مصر عبر مفرزة المقاتلات المصرية المتواجدة هناك لحفظ التوازنات الخليجية.

السودان: ساحة حرب المسيرات بالوكالة

وعلى الجبهة السودانية، تحولت الأراضي السودانية إلى ساحة مواجهة حقيقية غير مباشرة بين القاهرة وأديس أبابا. رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي يواجه حصاراً خانقاً يمنعه من الوصول للمياه الدافئة، حاول الضغط عبر قصف مواقع للجيش السوداني بالمسيرات.

المفارقة التي رصدها التقرير هي أن الجيش السوداني أسقط مسيرة إثيوبية (تركية الصنع) باستخدام مسيرة سودانية (تركية الصنع أيضاً)، مما يعكس رغبة أنقرة في بيع السلاح للطرفين، لكن الانحياز التركي الاستراتيجي يظل مع محور (مصر-السعودية) في ملف الصومال.

ويعيد هذا التصعيد للأذهان ما جرى في عام 2020، حين نجح الجيش السوداني بدعم مصري كامل في طرد ميليشيات ومزارعي عرقية “الأمهار” الإثيوبية من “هضبة الفشقة” الاستراتيجية.

والسيطرة على الفشقة (التي تبلغ مساحتها 600 ألف فدان من الأراضي الخصبة وتتقاطع حدودياً بين السودان وإثيوبيا وإريتريا) تعني جغرافياً السيطرة على الممرات المؤدية مباشرة إلى عمق “سد النهضة”، وهو ما يفسر اتهامات آبي أحمد المستمرة لمصر بأنها تحاصره عسكرياً.

والمشهد في جنوب البحر الأحمر يتجاوز مجرد اتفاقيات شحن أو زيارات دبلوماسية؛ إنها عملية “عض أصابع” وإعادة ترسيم للحدود البحرية والجوية.

ومصر والسعودية تحركتا بثقل عسكري ودبلوماسي لفرض واقع “اتفاقيات محمد”، وقطع الطريق على أحلام إسرائيل وإثيوبيا في اختراق الخاصرة الجنوبية للأمن القومي العربي، مما يجعل الأيام القادمة حبلى بالسيناريوهات العسكرية فوق مياه البحر الأحمر وفي أجواء القرن الإفريقي.

طالع المزيد:

مصر ترد على أثيوبيا أمام دول القارة: إدارة شؤون البحر الأحمر حكرًا على الدول المشاطئة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى