الصندوق الأسود للسياسة البريطانية: “تشاتام هاوس” مطبخ أفكار وداعم سردية الصهيونية
.. انحياز هيكلي لإسرائيل بغلاف "الأبحاث المستقلة"

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
هكذا تُصاغ سردية دعم الاحتلال خلف الأبواب المغلقة في لندن.
“تشاتام هاوس” منذ تأسيسه عام 1920 في قلب لندن، ارتبط اسم هذا “الثنك تانك” أو مركز البحوث، بصياغة العقيدة السياسية للإمبراطورية البريطانية، ولاحقاً “المعسكر الغربي”.
وتحت شعار “الاستقلالية والتحليل العبقرى”، تحول المعهد إلى ممر إلزامي لصناع القرار، الدبلوماسيين، ورجال الاستخبارات.
لكن خلف هذا الغلاف البحثي الأكاديمي، تكشف السطور التالية عن شبكة معقدة من التوجهات التي تتقاطع بشكل عضوي مع المصالح الإسرائيلية والصهيونية، مستفيدة من اختراعها الأشهر: “قاعدة تشاتام هاوس” (Chatham House Rule) التي تمنح المشاركين حق استخدام المعلومات دون كشف هوية المتحدث، مما يتيح تمرير صفقات وتفاهمات سياسية بعيداً عن الرقابة الشعبية.
المحور الأول: ماهية التوجهات والقضايا الرئيسية للمعهد
يعمل “تشاتام هاوس” كـ “مطبخ أفكار” لخدمة النظام الدولي القائم على الهيمنة الغربية. وتتركز قضاياه الرئيسية في التوجهات التالية التى تخدّم أهدافه الرئيسية:
الحفاظ على النفوذ الأنجلو-أمريكي:
من خلال إعادة إنتاج المبررات لاستمرار التدخل الغربي في الشرق الأوسط تحت دعاوى “الاستقرار ومكافحة الإرهاب”.
أمن الطاقة وممرات التجارة:
حماية تدفق النفط والغاز خطوط الملاحة البحرية (مثل البحر الأحمر وقناة السويس)، وهي ملفات ترتبط طردياً بضمان أمن إسرائيل كقاعدة متقدمة للغرب.
إدارة الصراعات لا حلّها:
تبني مقاربات “إيجاد حلول مرحلية” تفيد الطرف الأقوى (إسرائيل) على حساب الحقوق التاريخية (الفلسطينية).
المحور الثاني: العلاقة مع إسرائيل والصهيونية (آليات النفوذ والتوجيه)
يكشف هذا التقرير – أيضا – أن علاقة المعهد بالصهيونية وإسرائيل تمر عبر ثلاثة مسارات هيكلية كالتالى:
1. التمويل وجسور المصالح المشتركة
لا يمكن فصل أبحاث المعهد عن الجهات المانحة، وتضم قائمة ممولي “تشاتام هاوس” حكومات غربية (على رأسها بريطانيا وأمريكا)، وشركات سلاح عملاقة (مثل BAE Systems وLockheed Martin) التي تمتلك شراكات عسكرية ضخمة مع تل أبيب.
وهذا المثلث (التمويل الحكومي + كارتل السلاح + إدارة المعهد) يضمن ألا تخرج التوصيات البحثية عن الخطوط الحمر لأمن إسرائيل.
2. هندسة السردية: “الشرق الأوسط الجديد” كبديل للمقاومة
عند تحليل إصدارات المعهد ودراساته الخاصة بالشرق الأوسط، نجد توجهاً ثابتاً يركز على شيطنة قوى المقاومة، وتصنيف أي تحرك مسلح ضد الاحتلال باعتباره “زعزعة للاستقرار مدفوعة بأجندات خارجية (إيرانية)، وتجاهل جذور الأزمة (الاحتلال والاستيطان).
ويُعد المعهد من أكبر المنصات التي روجت لـ “الاتفاقيات الإبراهيمية”، وما يمكن أن نطلق عليه الترويج الأكاديمي لـ “التطبيع”، حيث أفرد مساحات واسعة لدراسات تزعم أن دمجه إسرائيل اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة هو السبيل الوحيد للازدهار، مع تهميش متعمد للقضية الفلسطينية.
3. منصة لتبييض وجوه القادة الإسرائيليين
يستضيف المعهد بانتظام مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى (وزراء خارجية، قادة في الشاباك والموساد، وباحثين من معهد INSS الإسرائيلي) لإلقاء محاضرات وتوجيه رسائل للنخبة البريطانية.
هذه الاستضافات تُحاط بالسرية في كثير من الأحيان بموجب “قاعدة المعهد”، مما يسمح بتبادل تقديرات الموقف الاستخباراتية وتنسيق المواقف السياسية دون ضغط من الرأي العام المتضامن مع فلسطين.
المحور الثالث: اختراق الملف الفلسطيني (تحت غطاء المساعدات وحل الدولتين)
وفي ظاهر الأمر، يتبنى “تشاتام هاوس” طرح “حل الدولتين”، لكن التحقيق في تفاصيل هذا الطرح داخل أروقة المعهد يكشف عن شروط “صهيونية الهوى” تتمثل فى الدعوة دائماً لـ “دولة فلسطينية منزوعة السلاح” وبلا سيادة حقيقية على الحدود أو الأجواء.
وكذا التركيز على “إصلاح السلطة الفلسطينية” من زاوية أمنية فقط، أي تفعيل التنسيق الأمني لحماية المستوطنات الإسرائيلية.
إضافة إلى إدراج ملف “اللاجئين” و”القدس” في خانة المستحيلات الواقعية، ودعوة الجانب العربي للقبول بـ “الواقعية السياسية” التي تفرضها إسرائيل على الأرض.
“ذراع ناعمة”
وعلى الإجمال فأن “تشاتام هاوس” ليس مجرد مركز أبحاث محايد؛ بل هو “ذراع ناعمة” للدبلوماسية البريطانية والغربية.
وفي الملف الإسرائيلي تحديداً، يمارس المعهد دوراً وظيفياً خطيراً: إنه يقوم بـ “تأطير” الأفكار الصهيونية وصياغتها في قوالب أكاديمية “موضوعية” تتبناها الحكومات وصناع القرار كسياسات رسمية.
وبالتالي، فإن ما يخرج من “تشاتام هاوس” اليوم، يتحول إلى قرارات ومواقف بريطانية وأوروبية غداً في مجلس الأمن والمحافل الدولية لإنقاذ إسرائيل ودعم بقائها.





