شبراوى خاطر يكتب: عندما يحرك فنجان القهوة اقتصاد العالم
بيان
إن حبوب البُن تُعَدّ من أكبر السلع تداولًا حول العالم، نظرًا لكونه ثاني أكثر المشروبات استخدامًا بعد المياه، وتأتي أهميته الاقتصادية من احتواء سلسلة التوريد الخاصة بإنتاجه على العديد من المراحل، بدايةً من مرحلة زراعته وحصاده، مرورًا بمراحل تصنيعه، حتى وصوله إلى المستهلك النهائي. وهناك ما يقرب من 25 مليون مُزارع وعامل في أكثر من 50 دولة حول العالم يعملون في صناعة البُن.
إن “الخبير الاقتصادي” يدرك أن كوب “قهوة الكابتشينو” هو نتاج نظام وجهد جماعي لا يُصدَّق. وليس هذا فحسب، بل إن أحدًا لا يتولى مسؤولية هذا النظام أو الفريق الذي يديره. ولا تحاول فهم هذا النظام المعقد، وإذا واتتك الجرأة وسألت، أقول لك: إنه سؤال مضحك، ولكن الإجابة مذهلة، وهي: “لا أحد”.
عندما يصرف الخبير الاقتصادي انتباهه عن قهوتك وينظر حوله في المقهى، فإن التحديات التنظيمية تصبح أعظم. إن تعقيد النظام الذي جعل عمل المقهى ممكنًا يفوق الوصف السهل. فقط فكّر في القرون المتراكمة من التصميم والتطوير، بدايةً من بذور القهوة التي تُنثر في الأراضي والجبال الخصبة، ونمو شجيرات البن، وآلاف المزارعين الذين يكدّون لرعايتها وسقايتها وقطف حباتها وجمعها وتعبئتها في أجولة، وتخزينها وتسويقها وبيعها وشحنها، ونقل بياناتها إلى الدفاتر والبرامج التي تتعقب المخزون، ناهيك عن المعجزات اليومية لتنظيم توزيعها على البلدان والمقاطعات والمدن والأحياء والمقاهي والفنادق والمصانع من أجل تحميصها وطحنها وتعبئتها في عبوات مختلفة الأنواع والأحجام، ثم تخزينها وتسليمها وتكديسها وإعادة بيعها.
إن هذا النظام يعمل جيدًا بشكل ملحوظ. فعندما اشتريت هذا الكوب من الكابتشينو، ربما فعلت ذلك دون أن تضطر إلى إعطاء التعليمات لنادل المقهى لكي يسارع إلى عامل القهوة ليصنعه لك بالمواصفات التي تحبها. وربما لم تكن تعلم حتى، عندما غادرت منزلك هذا الصباح، أنك تنوي تناول تلك القهوة في هذا المكان، من هذا الحي، في تلك المدينة. ولكن بفضل بعض السحر، اتخذ العشرات من الناس الإجراءات اللازمة لتلبية رغباتك غير المتوقعة، ويستطيع الخبير الاقتصادي أن يشرح مدى نجاح هذا النظام، وكيف تحاول الشركات استغلاله.
هذا نظام اقتصادي يشارك فيه معظم سكان الكرة الأرضية لكي يوفروا لك هذا الفنجان كل صباح. نظام تعمل فيه إدارات الدول، وإدارات الضرائب والجمارك، وأصحاب المزارع، والمزارعون، وجميع شبكات النقل والتوزيع والتسويق والمبيعات، ومصانع إنتاج منتجات القهوة بكل أنواعها وإضافاتها، ومراكز البحث والتطوير، ومصانع إنتاج ماكينات التصنيع العملاقة، ومصانع مستلزمات التعبئة والتغليف، وماكينات المقاهي والمنازل، وخبراء البناء والديكور والإضاءة والأثاث، وشركات الإعلان والتسويق، ومعامل تصنيع الزيّ الموحد، ومستشارو تطوير الأعمال، وشركات البحوث والتطوير، وأدوات تقديم القهوة من أكواب وأوانٍ مختلفة، وملايين العاملين الذين يقدمون لك خدمة احتساء عدة رشفات من القهوة.
هذا هو النظام الاقتصادي الذي يدور حول الفنجان الذي احتسيته قبل إعادة الفنجان إلى ماكينة التنظيف، لكي يُعاد تقديمه ممتلئًا لزبون آخر ينتظر تركك لمقعدك لكي يجلس عليه.
فهل ترى الآن أنه مجرد فنجان من القهوة، أم أنه عالم كامل يتحرك لخدمتك؟.





