بالوثائق والأسماء: “الخيمة الإبراهيمية” ومراكز التطبيع الصهيوني في 11 دولة عربية

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

الاسم الكودي: “الحوار الإقليمي”.

الاسم الحقيقي: “مركز التطبيع الصهيوني”.

في الوقت الذي تشتعل فيه جبهات المنطقة بصراع الهوية والوجود، فتحت الدوائر الاستخباراتية والإعلامية في تل أبيب غرف عملياتها الرقمية لتطلق شباكها العنكبوتية نحو عدد من العواصم العربية.

من قلب الأراضي المحتلة، وبتنسيق رقمي مريب يقوده مستشارون حاليون وسابقون في حكومة الاحتلال ووزارة الدفاع الإسرائيلية، خرجت إلى العلن شبكة خطيرة، توظف علم النفس الاجتماعى، وتعتمد الخديعة بأقصى ما تستطيع، حين تخاطب العرب بـ”حوار الأديان” وتوثق في سجلاتها العبرية والإنجليزية هدفاً واحداً: “التطبيع الشامل وإذابة الوعي”.

في هذا التحقيق الاستقصائي، نخترق الصناديق المغلقة لـ”مركز التطبيع في الشرق الأوسط”، ونكشف بالأسماء، والتواريخ، والوثائق، خريطة الأذرع السرية الممتدة من بغداد وغزة، وصولاً إلى كواليس ما يُسمى حركة “المثلث المقدس” في مصر.

الخديعة اللغوية وساعة الصفر في بغداد

فى أرض الرافدين بدأت الخيوط تتكشف في 3 فبراير 2026، عندما أطلقت صفحة “إسرائيل باللهجة العراقية” (الذراع الرقمي لوزارة خارجية الكيان) ما أسمته “الحركة الإبراهيمية في العراق”.

تحركت الصفحة تحت غطاء “منظمة سياسية” مستخدمةً شعار “الخيمة الرمزية”، بالتزامن مع توأم رقمي لها في قطاع غزة حمل اسم “الحركة الإبراهيمية – غزة”، وفي توقيت مشبوه واكب تغريدات سياسية أمريكية تتدخل في الشأن العراقي الداخلي.

التحقيق يقودنا إلى المؤسس الفعلي والمدبر لهذه المنصات؛ المدعو “توم فاجنر”، الذي يعرّف نفسه كمستشار استراتيجي، وتكشف سيرته المنشورة على موقع “أمازون” عن ماضٍ غامض كمتحدث سابق باسم حكومة الاحتلال ومستشار لوزير الدفاع.

توم فاجنر مهندس مبادرة "الخيمة الإبراهيمية"
توم فاجنر مهندس مبادرة “الخيمة الإبراهيمية”

فاجنر يدير ما يسمى “مركز الشرق الأوسط للحوار الإقليمي”، وهي التسمية التضليلية الموجهة للجمهور العربي، بينما الاسم الحقيقي المسجل رسمياً بالإنجليزية داخل الكيان هو: Center for Normalization in the Middle East أي (مركز التطبيع في الشرق الأوسط) ويقع المركز داخل إسرائيل في مدينة تل أبيب – يافا (شارع كابلان 9).

خريطة الأذرع الـ 11 والامتداد نحو مصر

لم يكن العراق وغزة سوى قمة جبل الجليد؛ فالوثائق تكشف أن المركز الصهيوني الذي يديره مجلس عام مكون من 6 شخصيات (توم فاغنر، علي كاشكوش، سماح سكاران، ديفيد هيرملين، خليفة خليفة، وأشواك أبو قنديل) نجح في مد خطوطه وتجنيد حركات محلية ومنظمات انفصالية ومعارضة في 11 دولة ومنطقة، وجاءت خريطة الأذرع كالتالي:

الدولة / المنطقة اسم الذراع والجهة المتعاونة في شبكة التطبيع
مصر حركة التطبيع المصرية “المثلث المقدس”
العراق حركة “علم السلام العراقي” / “الحركة الإبراهيمية – العراق”
فلسطين المنظمة الفلسطينية “مبادرة السلام للوحدات السكنية المشتركة في الأرض المقدسة”
المغرب تنظيم “التعايش المغربي” (تحت إدارة مدير المنظمة المغربية للتعايش)
الأردن مشروع “الأردن الجديد”
لبنان مجموعة نسائية لبناية تحت اسم “سيدة المشرق”
السودان حركة “جبهة الأمم الدولية”
سوريا

1. منظمة “الحكومة السورية في المنفى”

 

2. جبهة الإنقاذ السورية

 

3. معهد السلام الجديد في الشرق الأوسط (منظمة مسيحية سورية)

إيران

1. جمعية الصداقة الإسرائيلية الإيرانية (داخل إيران)

 

2. المعهد الملكي الإيراني

 

3. الحزب المسيحي الإيراني

كردستان حزب “كومالا” الكردي
الأهواز “الحزب الليبرالي الأهوازي”

اختراق أفريقيا

بزنس وتطبيع.. كيف تجند الصهيونية رجال الأعمال الأفارقة لضرب جدار الممانعة؟

أحدث مانشره “فاغنر” على حساباته بـ “وسائل التواصل” يكشف عن تكتيك استخباراتي ناعم؛ حيث تم تنصيب الغاني “ماثيو ناره تيته” رئيساً لمبادرة “الخيمة الإبراهيمية” لفرع غانا.

وبحسب فحص السيرة الذاتية للغانى، يمكن أن نؤكد أن الحركة الصهيونية لم تختر وجهاً دينياً تقليدياً، بل اختارت شخصية تجمع بين إدارة الأعمال والنفوذ الاقتصادي.

وحسب المنشور فالغانى (باحث ماجستير في إدارة الأعمال MBA ومدير أعمال بارز في العاصمة أكرا)، لتسهيل اختراق الشراكات الاستراتيجية مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.

وغير ما سبق فأن الغانى يدين بالولاء الفكري المطلق للرواية العبرية، فهو مؤلف كتاب ترويجي يحمل اسم (إسرائيل اليهودية الحديثة.. اليهود وإسرائيل) كرس فيه سنوات لحشد التأييد للكيان الصهيوني تحت ستار “الحوار بين الأديان”.

هذا التمدد الأفريقي الساخن يثبت بالدليل القاطع أن “البروباجندا الإبراهيمية” تحولت إلى آلية اختراق قارية، تسعى تل أبيب من خلالها إلى بناء أحزمة نفوذ ناعمة تحاصر الأمن القومي العربي، وتوظف نخب المال والأعمال لفرض واقع التطبيع قسراً على الشعوب، مستغلة البوابات الاقتصادية والدبلوماسية المدنية لشرعنة وجود الكيان الصهيوني عالمياً.

التكتيك الإيديولوجي.. السم في العسل

الخطورة الكبرى في هذا المخطط تكمن في “الخطاب الديني بمرجعية سياسية”؛ حيث تعمدت بيانات الحركة استخدام آيات وأحاديث تتناول سيرة النبي إبراهيم لتمرير هجوم سياسي مباشر على القوى المقاومة للتطبيع في المنطقة، ونشر مقالات فكرية مضللة مثل مقال “دار الحرب والإسلام السياسي الفاشي” المنسوب لأسماء وهمية مستعارة لخلط الدين بالسياسة والتخديم على المشروع الصهيوني الاستعماري.

شفرة “النظام الإقليمي الجديد”

لكي تكتمل أركان الصورة، لا يمكن قراءة ظهور “الحركات الإبراهيمية” في بغداد أو غزة بمعزل عن التحولات الهيكلية الكبرى لإعادة صياغة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تأتي دراسة أكاديمية بالغة الأهمية نشرتها الباحثة “مليحة بنلي ألتونيشيك” في مجلة “ذا ميدل إيست جورنال” (The Middle East Journal) الصادرة عن معهد الشرق الأوسط بواشنطن (ربيع 2025)، تحت عنوان: “مشروع جديد لنظام إقليمي يقوده الخليج في الشرق الأوسط”.

الدراسة تضع يدها على “الماكينة السياسية” التي تحرك هذه الأجندات، ويمكن تلخيص تقاطعها مع تقريرنا هذا في 3 نقاط جوهرية:

1. انتقال القيادة وتهميش المراكز التاريخية

تؤكد الدراسة أن النظام الإقليمي القديم الذي كانت تقوده عواصم ومراكز ثقل تاريخية (مثل بغداد، القاهرة، ودمشق) قد تراجع وتفكك لصالح “مشروع إقليمي جديد” تقوده قوى خليجية صاعدة (تحديداً الإمارات والسعودية). هذا النظام الجديد يسعى إلى ملء الفراغ الناجم عن إعادة تموضع القوى العظمى (مثل أمريكا) عبر أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الاقتصادية.

2. “البرجماتية الاقتصادية” والتحالفات المصغرة (Minilateralism)

تكشف الباحثة أن جوهر المشروع الخليجي لإعادة صياغة المنطقة يعتمد على تكتيك “تصفير المشاكل” و”التحالفات المصغرة المرنة” بدلاً من التحالفات التقليدية الكبرى. وهنا تبرز “الاتفاقيات الإبراهيمية” كأداة هيكلية لدمج إسرائيل في نسيج المنطقة عبر شبكات مصالح اقتصادية، وتكنولوجيا، وطاقة (مثل منتدى غاز المتوسط أو ممرات التجارة الإقليمية)، وهو ما يفسر لماذا يتم استخدام “الغطاء الإبراهيمي الديني” كواجهة لتمرير خطوط التنمية والأعمال المشتركة.

3. معضلة “الدمج القسري” ودور شبكات الاختراق

الزاوية الأكثر خطورة في الدراسة، هي محاولة هذا “النظام الجديد” سحب واحتواء الدول التي تعيش أزمات سياسية أو أمنية (مثل العراق وسوريا) أو دول تعاني اقتصادياً، وإدخالها في منظومة “السلام الاقتصادي والإبراهيمي”.

نوبة صحيان

الأجندة الصهيونية لم تعد تختبئ خلف الكواليس، بل باتت تصنع منصات رقمية مغلفة بآيات القرآن والأحاديث النبوية لتمرير صفقاتها المشبوهة والالتفاف على القوانين العربية التي تجرم التطبيع.

وتفاصيل المخطط الذي يحاول ضرب جدران الصد في بغداد والقاهرة ودمشق، وباقى العواصم العربية، يثبت بالدليل القاطع كيف تحولت “الخيمة الإبراهيمية” الرقمية إلى غرفة عمليات سياسية لضرب الهوية وتمرير الروايات الإسرائيلية المكذوبة والأسطورية، وهو ما يستدعي “نوبة صحيان” فكرية شاملة من النخب والشعوب العربية.

طالع المزيد:

نتنياهو يعترف بجمهورية “أرض الصومال” دولة مستقلة مقابل التطبيع الكامل

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى