د. راشد الشاشاني يكتب: الأرض لا تتّسع لفاسد وضحيته .. أحدهما يجب أن يتنهي
بيان
أيّها الفاسدون نعلم انّكم لا تنامون .. ونؤكّد لكم أنّكم لا تناموا .. حتى الموتى لن يفلتوا … عقابكم آتٍ ..
تبدأ بصرخة مدوّية وتنتهي باتصال سرّي ، هكذا هي أصول محاكمة الفاسدين ، الفساد لا يحلّ أمام القضاء الذي يبني حكمه على أدلّة لا يمكن الوصول إليها باعتبارها تحت يد العصابات ذاتها ومن صنعها ؛ تخفيها عنه ، قلنا أن القانون أداة من ادوات السياسة ، كل القوانين يدوسها عنصر واحد ليحمي ” ذنب ” من أذناب عصابة لا تترك ” كلابها ” وحيدة إلا حين يقترب منها الخطر ، هذه العصابات تشكّلها طريقة فاسدة في الإدارة ” الفساد الإداري ” قبل أن تطلق ” كلابها ” للنباح على من يكشف أمرها ، أمّا مسألة سرقة الأموال فهي المرحلة الأخيرة في سلسلة توالد هذه العصابات ؛ التي تقدّم واجهةً تلو الأخرى للاختباء خلفها ؛ حتى يصل الأمر إلى أصغر “سكرتيرة ” وهي نتيجة حتميّة لإشتراك أعضائها في الجرم .
أمّا عن عروض ” تسويق ضبط مسروقات ” فهي لا تتعدّى كلها رواتب مجموعة بسيطة من عصابات الفساد ، ولمدة شهر واحد ، وهم يخوضون معارك بطولات من مواقع اغتصبتها شبكتهم ، في مقابل حرمان أصحاب الحقوق فيها ، تسلسل حلقات هذه الشبكات الذي شكّل على الدوام عنصر قوّتها ؛ هو ذاته عقدة كسرها ؛ التي قد تبدأ بأحقر ” أصغر ” عنصر فيها . لقد أثبتت خيوط ” كلاسين وستيانات ” الذهب المضبوطة ؛ وألوان ” كلاسين الخلود وحفاضات الياسمين ” وهنها حين كان ” آوانها ” .. وكذلك ستفعل ” شبكة الكبسة ” وحُماتها .
وعن طريقة تشكيل هذه العصابات : فلدينا من خبرة ما كلّفّنا ثمناً غالياً وقدراً عالياً . ونحن نصدّ هجمات هذه القطعان ، ومتابعة محاسبتها ؛ التي وعدنا أن تكون مدويّة .
من روح السياسة التي خُلقنا منها ، وساحات القتال التي ولدنا فيها ، وتردّد العراق ظاهر المعالم في استقبال عراقجي ؛ لم تكن صولة فجر العراق في نظرنا ذات فاعليّة وهي تلامس مشاعر البسطاء ؛ التوّاقين لرؤية قصص ” المدارس ” تحيا على الأرض ، لم تتجاوز هذه الحملة نطاق جسّ نبض الفصائل المهدّدة بنزع سلاحها ؛ من خلال توجيه ضربات الى ” نقاط مرنة ” يمكن معها فتح باب المقايضة ، في ضوء محاولة أمريكيّة – تحدّثنا عنها سابقا – لتأسيس جبهة جديدة ضدّ إيران ، أسوة بلبنان ، يمكن معها جرّ العراق إلى تفاهم – بعد صراع داخلي يضمن شقّ الصفوف – برعاية الولايات المتّحدة التي تضمن بها قوّة ” صدّ إرتداد ” محاولة القوى المدعومة من إيران ؛ استخدام مكافحة الفساد هذه تقيّة ضدّ إجراءات أكثر حزما وتُعفي ترمب من مغامرة خاسرة .
في ” فوضى المرونة و الإرتداد ” يضمن ترمب إقلاق الحدود السوريّة ؛ بما يضاعف من قيود سوريا في الإفلات من مصير مواجهة حزب الله في لبنان ومعه العراق .
باتت بارقةً طريقة ترمب التي تنبّأنا بها حين كانت خفيّة ، حتى تحوّلت نمطاً ، يلعب به ذات اللعبة في اليمن ، بتكتيك سحب سلاح فصائل القبائل ؛ الذي يدخل فيه على خط تشكيل الحكم فيها ؛ ساحباً نفوذ السعودية من هناك .
هذا التسلّل لا تنفيه عبارات التودّد بين ترمب وأردوغان – فهي لا تختلف عن أولئك الذين وجّهوا طعناتهم الى ظهرنا وهم يأخذوننا بالأحضان ـ لهذا سارع ابراهيم قالن إلى زيارة العراق ، في خطوة تتجاوز أهدافها الإقتصاديّة ؛ إلى ضبط مسرح العمليّات الأمريكي هناك ؛ الذي تخشى معه تركيا تفلّت الأكراد في فوضى كهذه ، قد تُستغَلّ للتعاون مع أكراد سوريا ، وضمان تنسيق يحفظ عدم تفلّت إيراني في اتّجاه كهذا ؛ يمكن معه ايجاد مساحة مصلحة تقرّب إيران من الأكراد ؛ عن طريق البوّابة السورية .
لا يمكننا عزل زيارة وزير الخارجيّة السوري الأخيرة إلى لبنان ؛ عن إطار التحوّط التركي ؛ ضد مساعي الولايات المتّحدة هذه ، ربّما كانت إشاعات نيّة خروج العراق من منظمة أوبك واحدة من علامات التخوّف ، في جانب صفّ تركي ، ومعه بعض الدول ، يخشون معاً ـ دون أن يتّفقوا ـ دفعا أمريكيّا باتجاه تورّط مع أذرع إيران ، و يشكلّون مصلحة مضادّة لمساعي الولايات المتحدة ، لن تُجدِ معها محاولات تركيا العزف على وتر ” شرف ” مهاجمة إسرائيل ؛ الذي بدا اهتراؤه ، في وقت يمسك فيه براك ؛ سفير واشنطن لدى تركيا ، ومبعوث ترمب إلى سوريا والعراق ؛ قطبي هذا الوتر . في حين يمسك ترمب بمقصّ صفقة محرّكات ” f-35 ” و ” f-110 ” التي سيظهر ثمنها في انقلاب أردوغان على من معه .
نحن لا نرى في شكل عمليّات المداهمة التي تمّت خطأً سياسيّا فحسب ؛ بل وعسكريّاً كذلك . لقد أيّدت هذه الخطّة مخاوف الفصائل ، ونبّهتها إلى مصير السحق الذي ينتظرها ؛ عند إلقاء سلاحها ، ولو كانت الدولة العراقيّة تنوي فعلا ضرب الفساد ؛ كان يجب عليها أن تسحب سلاح الفصائل أوّلاً ” الفساد الإداري ” وهو الأصل ، وليس العكس ” الفساد المالي ” وهو الفرع ، غير أنّ سياسة حفظ التوازن بين نفوذ واشنطن وإيران ؛ قد تنتهي إلى اختلاله .
سينتهي ترمب بخطّته هذه ؛ حاكماً للمنطقة ووصيّاً عليها ، بعد انتهاء ولايته كرئيسٍ للولايات المتّحدة ، و ستطال سلطات مجلس السلام التابع له أرجاءها التي تظلّ في كلّ حين ؛ تحت رحمة التهديد بخرق الإلتزامات ؛ كما هو حال حماس في غزة.





