عاطف عبد الغنى يكتب: من يشرّع للمسلمين.. الله سبحانه وتعالى أم المشايخ؟

بيان

ما دعاني لكتابة هذا المقال هو ذلك الخلط المعرفي الخطير عند البعض؛ وهو الخلط الذي صادفته منذ شرعنا نتصدى لأدعياء التنوير الظلاميين العميان، الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج 46)، حيث تعمدوا تصدير مفاهيم معوجة عن “التشريع” في الإسلام، وخرج علينا “علمانو-يساريون” ليزعموا واهمين أن فرائض الدين وثوابته هي مجرد “صناعة بشرية واختراع من الشيوخ”.

وفي مقابل هذا المفهوم المعوج -للأسف الشديد- يقع بعض العوام من المتنطعين أو المغيبين في فخ “التقليد الأعمى” لآراء المتفيهقين القدامى أو المعاصرين، وكأن كلام هؤلاء الرجال نصٌّ معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!

وبعبارة أخرى، فإن معركة الوعي الحقيقية للفهم والوصول إلى صحيح الدين، تستلزم تفكيك لغمٍ فكريٍّ يقع فيه طرفان على طرفي نقيض:

الطرف الأول: تيار يجهل الدين فيظن أن الأحكام “اختراع شيوخ”.

الطرف الثاني: تيار يقدس آراء زعماء وأمراء وأدعياء حتى يرفعها إلى مرتبة النص الإلهي.

وكما أسلفنا وأكدنا مراراً ونكرر: ليس في الإسلام “رجال دين” ولا كُهّان، ولكن هناك “علماء دين”، منذورين لإعلاء شأن الدين، وتجديده، وزيادة إيمان الناس (الإيمان يزيد وينقص) وأعلاهم مكانة هم المجددون؛ بعلم وفهم يبني ولا يهدم، يوضحون الحق ولا يشككون، ولا يبلبلون على الناس أفهامهم فى صحيح الدين، ولا يستبدلون الخبيث بالطيب، ولا يفترون على الله، ولا يُنزلون في مجتمعاتنا ما لم يُنزّل الله به من سلطان.

وفي السطور التالية، لن نستغرق في تفاصيل قضية شرعية محددة (مثلما فعلنا في ملف الحجاب)، ولكننا سنطرح سؤالاً مركزياً يجيب عن هواجس البعض، ويدحض افتراءات المفترين، ويطمئن بإجابته قلوب المؤمنين.. والسؤال هو:

من يشرّع للمسلمين.. الله سبحانه وتعالى أم المشايخ؟ وأين يكمن خط التماس بين “المشرِّع” و”المُبيِّن” (من الإبانة والتبيين)؟

أولاً: مفهوم التشريع وحكمته في الإسلام (متى وكيف؟)

في المنهج الإسلامي، المشرِّع هو الله وحده، ولا شريك له في حكمه أو تشريعه، والرسول ﷺ هو مبلِّغٌ عن ربه ومبيِّن لشرعه بالوحي (الكتاب والسنة).

وحكمة التشريع الإلهي تنطلق من أن الإنسان كائن قاصر في ذاته، يخضع تشريعه البشري للهوى، والبيئة، والمصلحة الآنية، والتحيزات الشخصية؛ لذلك اقتضت حكمة الله المطلقة أن يضع هو القوانين الحاكمة لحياة البشر (في العبادات، والمعاملات، والأعراض، والدماء) لضمان العدل، وثبات القيم فوق أهواء البشر المتغيرة.

كيف ومتى يكون الشرع؟

ينقسم التشريع في ديننا إلى مسارين كالتالي:

1- الأحكام القطعية الثابتة: وهي التشريعات التي نزلت بنصوص صريحة قطعية الثبوت والدلالة (كالصلوات، الزكاة، المواريث، تحريم الزنا والقتل، والنواحي الأخلاقية الحاكمة).

وهذه أحكام مغلقة، شرّعها الله مباشرة، ولا تملك أمة الإسلام -من لدن الصحابة إلى يوم القيامة- تغييرها أو التبديل فيها.

2- مساحة الاجتهاد (الظنيات والنوازل): وهنا يأتي دور علماء الفقه الذين نطلق عليهم “المشايخ” من باب التبجيل والتقدير.

ودورهم ليس التشريع من عند أنفسهم، بل هو “البيان والاستنباط”؛ أي غوص العلماء في النصوص لاستخراج أحكام للمستجدات (النوازل) بناءً على قواعد الشريعة ومقاصدها.

والعالِم هنا هو “مُوقِّع عن رب العالمين” وخادم أمين للنص، وليس مشرعاً مستقلاً بحال من الأحوال.

ثانياً: الأدلة القرآنية (المعنى وأسباب النزول)

لقد وضع القرآن الكريم حدوداً صارمة تحرّم الجرأة على مقام التشريع، وتحذر من اتخاذ القادة أو المشايخ أرباباً يُحلّون ويحرّمون بالهوى، ونستعرض هنا تفسير الآيات الأربع التي حددت ذلك بدقة وأسباب نزولها:

الآية الأولى:

{أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} (الشورى: 21)

  • سبب النزول والسياق: نزلت الآية في مشركي قريش الذين ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، كتحريم “البحيرة والسائبة والوصيلة” (أنواع من الأنعام حرّموها بآرائهم قبل الإسلام)، وتغيير مناسك الحج التي كان يتبعها المشركون.

  • المعنى والدلالة: الله سبحانه وتعالى يستنكر هنا بصيغة الاستفهام التوبيخي: هل لهؤلاء المشركين شركاء من الأوثان أو القادة والكهنة، وضعوا لهم ديناً وتشريعاً وسلوكاً لم يأذن به الله؟

  • ويذكر الإمام ابن كثير في تفسيره أن الآية تشمل كل من ابتدع بدعة أو شرّع حكماً يضاهي به حكم الله، فمن أطاع بشراً في تحليل حرام أو تحريم حلال، فقد اتخذه شريكاً مع الله في الحاكمية والتشريع.. ونكرر ونضع خطاً تحت: “في تحليل حرام أو تحريم حلال”.

ثالثاً: معركة الاتباع والموروث الخاطئ

الآية الثانية:

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170)

  • سبب النزول: ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ دعا جماعة من يهود مكة (منهم رافع بن حرملة ومالك بن عوف) إلى الإسلام، فقالوا: “بل نتبع ما ألفينا (وجدنا) عليه آباءنا، فهم كانوا خيراً منا وأعلم. فأنزل الله هذه الآية توبيخاً لهم، وهي عامة في كفار قريش أيضاً.

  • المعنى والدلالة: الدلالة واضحة قاطعة؛ فالآية تذم “التقليد الأعمى” الذي يلغي العقل. عندما يُدعى هؤلاء لاتباع الوحي الإلهي النقي، يتحججون بـ “الموروث الآبائي” والعادات القديمة، ويرد القرآن عليهم بقرع حاسم: أتتبعونهم حتى لو كان آباؤكم يفتقرون للوعي والعقل والهداية؟

  • ويؤكد الإمام القرطبي في تفسيره أن الآية أصل في ذم التقليد الأعمى في العقائد والأحكام الصريحة، وأن الحق يُعرف بالدليل والوحي، لا بالرجال والموروثات التاريخية المتراكمة.

الآية الثالثة:

{اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (الأعراف: 3)

  • المعنى والدلالة: ما سبق هو أمر إلهي جازم ومباشر للأمة بأسرها، يؤكد على أن المحور الوحيد والملزم للاتباع هو “ما أُنزِل إليكم” (القرآن والسنة النبوية)، وتحذر الآية من اتباع “أولياء” من دون الله، والأولياء هنا هم الأحبار، والكهنة، والزعماء، وأدعياء العلم الذين يتبعهم الناس في ضلالهم وفيما يخالف النص الإلهي الصريح.

  • يقول الإمام الطبري في تأويل الآية: “اتبعوا -أيها الناس- كتاب ربكم وسنة نبيكم، ولا تتبعوا حلفاء الشيطان وأولياء الضلالة الذين يأمرونكم بخلاف ما أنزل الله، فتكونوا قد اتخذتموهم أرباباً من دونه”.

رابعاً: الصراط المستقيم والسبل المتفرقة

الآية الرابعة (التي تجمل وتختصر المنهج):

{وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153)

  • سبب النزول والسياق: روى الإمام أحمد والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “خطَّ لنا رسول الله ﷺ خطاً بيده ثم قال: هذا صراط الله مستقيماً، ثم خط خطوطاً عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السُّبُل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ الآية”.

  • المعنى والدلالة: الصراط المستقيم هو “النص الإلهي المعصوم” والمنهج النقي الواضح للإسلام. أما “السبُل” فهي الأهواء، والبدع، والفرق، والمناهج البشرية الوضعية (سواء كانت يسارية علمانية تائهة، أو تأويلات شيوخ وجماعات متطرفة خارجة عن النص).

  • وكل سبيل من هذه السبل يفرق الأمة، يمزق جسدها، ويزيحها عن المرجعية العليا لله رب العالمين.

ويا أيها السائل والمسئول.. إجابتك الواضحة التي لا لبس فيها هى: إن التشريع لله وحده.. وأن علماء الدين من المشايخ والفقهاء هم أدوات لبيان هذا الشرع واستنباطه، لا شركاء فيه ولا صُنّاعاً له!

والمشايخ والفقهاء لهم منا كل الاحترام، والتبجيل، والتقدير بصفتهم “علماء، وباحثين، ومجتهدين”، يُؤخذ من كلامهم ويُرَدّ، بشرط صارم: ألا نرفع كلامهم واجتهادهم البشري لمرتبة التشريع الموازي لحكم الله.

وأخيرا وليس آخرا إذا صادفتنى مسألة فى الدين، إلى من ألجأ لفهمها أو توضيحها أو طلب الفتوى؟! أترانى أذهب بها إلى المفتى أو شيخ الأزهر أم ألجأ إلى شخرور وزيدان وترتان ونطاط الحيطان؟!

طالع المزيد: عاطف عبد الغنى يكتب: ما تخفيه أقنعة التنوير من جهل وتزوير.. (1) المستشرقون العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى