عاطف عبد الغنى يكتب: ما تخفيه أقنعة التنوير من جهل وتزوير.. (1) المستشرقون العرب

بيان

حين سافر رفاعة الطهطاوي إلى باريس في القرن التاسع عشر، وعاد إلينا بكتابه الفذ “تخلص الإبريز”، كان مبهوراً بـ “جوهر” المدنية الغربية؛ تنظيمها، علومها، وإدارتها، لكنه لم يخلع عمامته، ولم يطلب من المصريين أن يرتدوا “البرنيطة” الفرنسية ليصبحوا بشرًا! .

كان الطهطاوى يدرك بوعي المفكر الأصيل أن لكل أمة جناتها الحضارية، وأنَّ إلباسَ الثقافةِ المصريةِ والعربيةِ والإسلاميةِ «البرنيطةَ» الغربيةَ قسراً حتى وإن تطلب الأمر تكسير عظام الجمجمة لتناسب المقاس المستورد، وهو الأمر الذى يمثل قمةُ العبثِ الفكري.

لكن، يبدو أن طائفة ممن يطلقون على أنفسهم اليوم “الليبراليين العرب” قد ضلوا الطريق في غرف التكييف الغربي. فلم يأخذوا من الغرب طائراته، ولا دقة مصانعه، ولا شفافية مؤسساته، بل أخذوا منه “عقدة الخواجة” التاريخية.

إن الأزمة الحقيقية أن هؤلاء الأدعياء الذين سوف نناقشهم فى أفكارهم، يصوروّن معاركهم “الدينكوشتية” المفتعلة بأنها  معارك تنويرية ضد ظلام الجهل، وحرية التفكير، وما سبق كذبة كبيرة، وبالتالى الاشتباك مع أفكارهم ليس من قبيل الدخول فى معركة ضد ما يدعونه، فالإسلام هو الذي حرر العقل من الكهانة، والتبعية، ومنحه كامل الحرية حتى فى الاعتقاد الدينى، مع تحميل صاحبه تبعة اختياره كاملة: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (29 الكهف).

نؤكد أن معركتنا ليست صراعاً ضد “التنوير” الحقيقي الذي قاده أئمة وكتاب كبار كالعقاد ومحمد عبده. بل هي مواجهة عارية مع تيار “الاستشراق المحلي”؛ التيار الذى ارتضى أن يكون صدىً لأطروحات النقد الأوروبي القديم التي حاربت صكوك الغفران وطغيان الكنيسة في القرون الوسطى، ويأتى اليوم من بنى جلدتنا – للأسف – من يريد إسقاطها بحذافيرها على نص قرآني إعجازي وشريعة ربانية لم تعرف يوماً سلطة “الإكليروس” أو صكوكاً للجنة والنار.

لقد تحول الأمر – لدى المستشرقين العرب من الليبراليون الجدد – من “نقد التراث” إلى “أنسنة الإلهي”.. ومضوا فى محاولات دؤوبة ومتشابهة، يفتشون في بطون الكتب النخبوية الكاذبة والصفراء قبل عقود، لتنتهي اليوم في استوديوهات التلفزيون وصدمات “التريند”، يسعون بدأب مثير فى محاولات تفكيك البيئة الحاضنة للوحي واعتبار القرآن منتجاً بشرياً بيئياً، إلى الطعن في الرموز التاريخية الشاخصة، والتشكيك في معجزات العقيدة الثابتة، والتهوين من شأن الشريعة لحساب إرضاء العقلية الغربية.

وبعبارة أخرى راحوا يمارسون حيل مضحكة مبكية يحاصرون بها “النص القرآنى المقدس” بعد أسقاط كل خطوط الدفاع الأولى (الثقافية) للمسلم، من السنة الشفهية، إلى السيرة النبوية، إلى الطعن فى الصحابة، والتشكيك فى الحوادث التاريخية، والأماكن، وأسباب النزول، واختراع تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان.. وليس انتهاءا إلى المعلوم من الدين بالضرورة، وعلى الإجمال اللجؤ إلى كل إلى الحيل التى تضرب الثوابت، وتشكك المسلم فى ربه والعياذ بالله، وفى دينه، ورسوله، ونبيه.

في هذا الملف لن نشن حرب تفتيش في النوايا، بل سوف نضع ميزان النقد العلمي أمام أسماء ملأت الدنيا ضجيجاً؛ لنكشف الغطاء عن أطروحاتهم بالأسماء والوقائع، من المحامى اليسارى خليل عبد الكريم.. الذي أرخَن الوحي، ومن بعده د. سيد القمني.. الذى وظّف الأنثروبولوجيا في خدمة الهدم، ثم يوسف زيدان.. الأكاديمي المأزوم بمعارك الـ “شو”، ومن بعده إبراهيم عيسى.. الذى يخوض معركة “تنويره” بـ “ريموت كنترول” التلفزيون.

هذا التيار ليس مقصوراً على الخريطة الثقافية المصرية فحسب، بل هو “شبكة فكرية ممتدة” لها سوابق تاريخية، وأقطاب في بلاد الشام والمغرب العربي. هؤلاء الكتاب نهجوا ذات المنحى، بل إن بعضهم كان يمثل الرائد أو “المأصل الأكاديمي” لطروحات التفكيك وأنسنة النص، مستعينين بـ “البرنيطة الفرنسية” والألمانية على وجه الخصوص (مناهج البنيوية، التفكيكية، والأنثروبولوجيا الغربية).

ومن التاريخيين فى هذا الأمر، الماركسي السورى صادق جلال العظم، الذى يمثل النسخة الشامية الصادمة والمباشرة من هذا التيار، وكتابه الشهير “نقد الفكر الديني” أحدث ضجة كبرى في نهاية الستينيات، ومنهم أيضا هاشم صالح السورى، المترجم والمبشر بـ “اللاهوت الغربي”، ومنهم الجزائرى محمد أركون، الأب الروحي لـ “نقد العقل الإسلامي”.

ومنهم – أيضا – التونسى د. عبد المجيد الشرفي، قائد مدرسة التفكيك المغاربية، ووجه الشبه بين الأخير وبين زيدان وعيسى، هو أن الشرفى يدعو صراحة إلى “تأريخ الشريعة”، أي اعتبار الأحكام والحدود والتشريعات الإسلامية مجرد حلول بيئية تناسب مجتمع الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، وبالتالي فهي غير ملزمة اليوم للمسلمين، وهي نفس النغمة التي يرددها إبراهيم عيسى ويوسف زيدان حول بشرية الفقه وعدم صلاحية الشريعة للعصر.

ولمن يريد أن يراجعني فيما ذهبت إليه فى الداية، أؤكد له – مجددا – أن التنوير الحقيقي هو الذي ينطلق من داخل الهوية العربية والإسلامية ليطورها ويجدد خطابه، كما فعل الرواد الأوائل.

أما تيار “البرنيطة” المعاصر، فقد استورد أدوات الغرب لضرب الذات، وسوف ينتهى به المطاف إلى ما انتهى بغيره، غريباً عن هويته، وعاجزاً عن تقديم نهضة حقيقية، ليظل مجرد “ظاهرة صوتية” تقتات على إثارة الأزمات واستفزاز الوجدان الشعبي لهدم الثوابت لصالح “برنيطة” لم ولن تناسب يوماً رؤوسنا.

.. انتظرونى، لن أتأخر عليكم.

طالع المزيد: عاطف عبد الغنى يكتب: الرد المبين على من ينكر الإسراء والمعراج ويسعى فى فتنة المسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى