عاطف عبد الغنى يكتب: الرد المبين على من ينكر الإسراء والمعراج ويسعى فى فتنة المسلمين
بيان
“كم من جاهل (بجهالة دينية) أنكر عن غشاوة أن تكون معجزة الإسراء والمعراج قد حدثت بالكيفية التي أخبرنا عنها رب العزة سبحانه وتعالى، وأوحى بها قرآناً عربياً مبيناً قبل ما يقرب من 15 قرناً، ورسخت في عقيدة وأفهام المسلمين على مدار السنين.
والقرآن الكريم لم يترك هذه المعجزة نهباً للتأويلات، لتظل معجزة “الإسراء والمعراج” شاهدة على طلاقة القدرة الإلهية، وتعطيل هذه القدرة لقوانين المادة والزمن، ومن ينكر على الله هذه القدرة، فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، حسبما أفتى علماء الدين، والأزهر الشريف.
وقد رسم النص القرآني معالم الحادثة بدقة في قرآن يُتلى، ويتعبد به المسلمون في شتى بقاع الأرض، لا ينقطع صداه ولو للحظة.
وفي موضعين رئيسيين في سورتين من سور القرآن، يمكننا أن نتابع ونتأمل ما ورد عن رب العزة بشأن رحلتي الإسراء والمعراج، وسنكتفي في الآتي بالنص القرآني، (دون أن نتطرق إلى ما ورد في التراث) لنشرف على الحادثة ونقيس على العقل والنقل، والعلم والمنطق إمكانية وقوعها.”
أولاً: الإسراء (الرحلة الأرضية)
نبدأ بالرحلة الأرضية أو الأسراء، وقد وثقتها الآية الأولى من السورة التى تحمل اسمها “الإسراء” فى قول الله تعالى: { سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ } (الإسراء 1).
تفتتح السورة والآية بلفظ التسبيح “سبحان”، وتعني الكلمة تنزيه الله عن كل نقص وعجز، في مقابل إثبات الكمال والقدرة المطلقة له وحده في جميع خلقه من البشر، وفي الكون ونواميسه، وهو تمهيد لإعلان ما سوف يأتي بعده من حادثة يراها البعض إعجازاً خارقاً لطاقة البشر، وينكرها الملحدون والكفار والجاهلون.
وفي ذات الآية، وبعد التسبيح يأتي الاسم الموصول “الذي” ينوب عن لفظ الجلالة “الله” ليختص الله سبحانه وتعالى ذاته بالتنزيه في هذه الحادثة تحديداً، ولما كان الاسم الموصول يُستخدم للربط بين الكلام، فإنه يحتاج إلى جملة تأتي بعده (تُسمى صلة الموصول) ليكتمل معناه، وقد اكتمل المعنى بقوله تعالى: “أسرى بعبده….. الآية”.
انتبه إلى معاني اللغة: والإسراء من الفعل الثلاثي “سرى” وهو سير الليل، وقال الله تعالى: “أسرى بعبده”، ولم يقل “سرى” لأن إضافة الهمزة في بداية الفعل الثلاثي “سرى” تفيد المصاحبة، والمعنى أن عبد الله ورسوله محمداً ﷺ كان في هذه الرحلة في معية الله، وكان في يقظة لا في منام، وفي آية أخرى من آيات القرآن يخاطب رب العزة نبيه موسى فيقول له: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
والعبودية الموصوف بها الرسول في الآية هي تكريم وتشريف لمقامه البشري ﷺ، ومكانته عند الله. ودخول حرف الباء على الوصف “عبده” يؤكد التجسيد الكامل للشخص، وأن الإسراء كان بالروح والبدن معاً.
ثم يأتي النص بظرف الزمان “ليلاً” ليكتمل المشهد في عقل المتلقي، وبعده يتم تفصيل جغرافيا الرحلة انطلاقاً من موضع المسجد الحرام بمكة إلى موضع المسجد الأقصى بالقدس (تمهيداً لنقل القبلة)، وكان هذا الإجراء إحدى الغايات الربانية من هذا السفر المعجز في كيفيته، هذا غير غايات أخرى أوضحها رب العزة بقوله: “لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا”.. أي نخصه برؤية آيات كبرى حجبت عن غيره من البشر، ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾.
لقد اختص الله عبده محمداً ﷺ بطلاقة السمع والبصر ليصبح مؤهلاً لهذه الرحلة الاستثنائية، وقس ما سبق على فعل البشر (مع فارق القياس)، عندما يتم إرسال شخص إلى الفضاء (رائد فضاء)، ألا يتم تزويده بأجهزة إلكترونية تزيد قدرته على الرؤية والسمع والتسجيل والتصوير، والاستقبال والإرسال، إلخ؟!
وهكذا تم تأهيل الرسول الكريم ليرى ويسمع ما يعجز البشر عن رؤيته أو سماعه، ومن المعلوم أن أبصارنا وأسماعنا في الدنيا مقيدة بقدرات محددة، وما كانت ترقية السمع والبصر للرسول الكريم في تلك الرحلة إلا قصراً مقيداً (مقارنة بغيره من البشر) وليس قصراً مطلقاً؛ فلا يتصف بإطلاق الصفات إلا الله سبحانه وتعالى.
وانتقل الرسول ﷺ في لمح من البصر من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى، وكلا الموضعين بارك الله حولهما، لتبدأ بعد ذلك رحلة العروج إلى السماء.
ثانياً: المعراج (الرحلة السماوية)
و”المعراج” لغة هو اسم آلة من العُروج، وهو الصعود والارتقاء، واصطلاحاً يشير إلى معجزة صعود عبد الله ونبيه ورسوله محمدٍ ﷺ من بيت المقدس في القدس إلى السماوات العلى وصولاً إلى سدرة المنتهى، والتي حدثت في نفس ليلة الإسراء.
وترسم سورة النجم رحلة المعراج بإعجاز لغوى نادر، وصدق الله العظيم إذ يقول: { وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ (3) إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡي يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّة فَٱسۡتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ (9) فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِ مَآ أَوۡحَىٰ (10) مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ (11) أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ (13) عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ (15) إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ (16) مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ (18) } (النجم 1-18).
“وفي المرويات تفاصيل كثيرة عما حدث قبل رحلة الصعود إلى السماء، ومنها أن الانطلاق كان من موضع الصخرة المعروفة الآن بمصلى قبة الصخرة وهي أحدُ أجزاء المسجد الأقصى (المسجد الأقصى هو كل ما داخل سور الأقصى) بالقدس، ودعونا نتجاوز كل التفاصيل إلى النص القرآني، ونستقرئ معانيه وتأويلاته التي تتسق مع صحيح اللغة والفهم.
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾؛ بهذا القسم القرآني تفتتح السورة وهو تأكيد من رب العزة على صدق الرسول ﷺ، وذلك بنفي الضلالة والغواية عنه، وإثبات الوحي الإلهي فيما يبلغ عنه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، علّمه ﴿شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾ وهو الله، حتى صار الرسول بعد هذا العلم ذا قوة واستواء، لاستيعاب الوحي والموقف العظيم الذي وُضع فيه وهو الصعود إلى الأفق الأعلى.
يقول عدد من كبار علماء المسلمين إن آيات المعراج تنقل ما دار بين الله ورسوله، وأنها ثنائية لا تحتمل ثالثاً، وقد قال بذلك كثير من أئمة التفسير ومنهم ابن عاشور العالم التونسي العظيم، والألوسي، والطيبي، وغيرهم.
وأقول أنا إن ملاك الله جبريل كانت له مهمة محددة، وهي مصاحبة الرسول إلى موضع محدد من السماء، ويتسق هذا مع ما حكاه ابن عاشور في تفسيره عن مقاتل في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164]، وصُعد بعد ذلك بالرسول ﷺ إلى السماوات العُلا، مخترقاً حجب الغيب حتى صار قاب قوسين أو أدنى من “سدرة المنتهى” التي بجوار “جنة المأوى”.
والسدرة باختصار هي الحجاب الذي يقف عنده البشر، وقد بلغ الرسول الكريم أعلى المقامات، ورأى من آيات ربه أكبر الآيات وهو تجلي نور وجهه العظيم سبحانه وتعالى، وقد احتمله الرسول ولم يحتمله جبل موسى فاندك وتفتت.
والحديث الشريف الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، أن الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري سأل رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فأجاب النبي ﷺ: “نورٌ أنَّى أراه”.. بمعنى كيف أراه؟!، ونستطيع أن نفسر القول على معنيين؛ الأول أنه رأى نوراً، والثاني أن حجاب الله النوراني منعه من رؤيته سبحانه.
ويغشى سدرة المنتهى ما يغشى؛ أي يغطيها ويحيط بها ويسترها الكثير والشيء العظيم من الحجب والأنوار والأسرار التي لا يعلمها إلا هو.
ويتوج المشهد القرآني بشهادة من الله تؤكد على كمال انتباه وحواس المصطفى وصدق المشاهدة من الرسول للآيات عياناً لا مناماً: ﴿مَا زَاغَ﴾ بصر الرسول، لم يذهب بعيداً أو يميل، ﴿وَمَا طَغَىٰ﴾ لم يتجاوز الحد، أو يتطلع لرؤية المزيد.
ثنائية إعجازية
لقد قدم القرآن ثنائية إعجازية متكاملة؛ بدأت بالإسراء (السير ليلاً) من مكة إلى فلسطين، وصولاً إلى الأقصى، لتمهد رحلة الأرض إلى ما هو أجل وأعظم، ألا وهي رحلة “المعراج” والصعود السماوي الذي بلغ بالرسول إلى منتهى علم الخلائق.
كانت رحلة الإسراء هدفها العودة بقبلة القوم الموحدين إلى القبلة الأولى، قبلة أبيهم إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام في مكة، وقد انتقلت في حقبة من الزمن (القبلة) إلى البيت الذي بناه نبي الله سليمان في فلسطين لعبادة الله الواحد الأحد وهو المسجد الأقصى، فلما انحرف الأسلاف عن التوحيد، وانتهكوا حرمات الله في بيت عبادته، بعث الله المسيح عيسى بن مريم يصحح لهم الإيمان وما انحرفوا به عن شريعة موسى عليه السلام، أو كما قال المسيح ونقله الحواريون عنه في إنجيل متى 5: 17: “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ” فكذبه اليهود وسعوا في صلبه، وكان ما كان.
وفي عام 70 بعد ميلاد المسيح هدم الرومان معبد اليهود للمرة الثانية (سبق وأن هدم البابليون المبنى الذي شيده سليمان سلام الله عليه، وتم أسر رجال ونساء، وغالباً الشبان من مملكة يهوذا عبيداً وساقوهم لخدمة البابليين في العراق وعرف هذا بالسبي البابلي)، وبعد حوالي 70 عاماً نجح عزرا وأعوانه في إطلاق سراح اليهود المسبيين، والعودة بهم إلى فلسطين وإعادة تشييد المعبد، وهذا المعبد (الثاني) تنبأ المسيح بهدمه وخراب أورشليم بعصاتها من اليهود الذين انحرفوا بالدين، وبالفعل هُدم المعبد وسُوّيت أساساته بالأرض فلم يعد له ملامح، وكان ذلك – كما أسلفنا – عام 70 ميلادية.
هرب اليهود من المقتلة الرومانية التي حلت بهم في فلسطين، وتشتتوا في بقاع الأرض المختلفة حسب علمنا إلا الموحدينَ من أتباع عيسى سلام الله عليه، والحنفاءَ أتباع سيدنا إبراهيم سلام الله عليه، وكلتا الطائفتين تمسكتا بالتوحيد وعبادة الله الواحد الأحد، وبقي الأمر على ذلك حوالي 6 قرون وصولاً إلى بعثة الرسول محمد ﷺ.
وفي ليلة الإسراء والمعراج أمر الله رسوله بإعادة القبلة إلى مكة، وتنظيم الصلاة في خمسِ صلواتٍ، فكان هذا هو الركن الثابت، والتكليف الأهم الذي عاد به النبي الكريم ﷺ من لقاء الملكوت الأعلى وجولة المعراج العظيم.
وبعد كل ما سبق يتقول المنكرون – جهلاً – إن الإسراء والمعراج كان “حلماً أو مناماً”، أو يقولون إن المعراج لم يذكر لفظاً في القرآن (بعد كل ما ذُكر في سورة النجم)، وتنكر ضمائرهم الميتة المعجزة الإلهية، إنكاراً للدين وللغيب، وقدوتهم أصحاب “دين العقل” الذي نشره في الغرب المفسدون، إبان ما عُرف بعصر التنوير والثورة على الكنيسة، إلى آخره.”
العقل والمنطق يردان على المتقولين
ويأتي من يحاول ويسعى إلى إيهام الناس بأن ما حدث في “الإسراء والمعراج” هو من باب المستحيل العقلي.. وزعموا ذلك دون ضابط منطقي، والضابط المنطقي الأهم هو ما أسسه علماء الكلام وفلاسفة الإسلام، وأوضحوا فيه الفرق بين ما يوصف بـ “المستحيل العقلي” و”المستحيل العادي” أو (خرق العادة).
والمستحيل العقلي هو ما يرفضه العقل لذاته لأنه يؤدي إلى تناقض، مثل: (أن يكون الشيء موجوداً ومعدوماً في نفس اللحظة)، أو (أن يكون الجزء أكبر من الكل)، وهذا لا يقع ولا تتعلق به القدرة لأنه “لا شيء” أصلاً.
أما المستحيل العادي (الفيزيائي) فهو ما اعتاد البشر على استحالة حدوثه بناءً على تجاربهم وقوانين الطبيعة حولهم، مثل: أن النار لا تحرق، أو أن الإنسان لا يطير، أو أن السفر لآلاف الأميال لا يستغرق وقتاً.
الربط العقلي: رحلة الإسراء والمعراج ليست “مستحيلاً عقلياً”، بل هي “مستحيل عادي” (أي خرق للقوانين المعتادة). والعقل المنصف يقول: إذا ثبت وجود قوة مطلقة (الله)، فإن خرق القوانين المادية التي وضعتها هذه القوة يصبح أمراً ممكناً ومنطقياً تماماً، وقياساً على ما سبق؛ فإن النار لم تحرق إبراهيم عليه السلام، ومريم أنجبت دون إخصاب بويضة، والمسيح أحيا الموتى.. وكلها معجزات خارقة لنواميس الكون.. فهل تنكرها؟
“خالق النظام لا يخضع للنظام” ولو بسطنا الأمر بمنطق العصر؛ إذا قام مهندس برمجيات (Programmer) ببناء نظام تشغيل أو لعبة إلكترونية، ووضع داخلها قوانين صارمة لحركة الشخصيات وسرعتها؛ هل يعجز هذا المبرمج عن إدخال “أمر استثنائي” يخرق به قوانين اللعبة لصالح شخصية معينة؟ بالطبع لا، لأن صانع النظام خارج النظام ولا تسري عليه أحكامه.
لله المثل الأعلى والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق “الزمكان” (الزمان والمكان)، ووضع قوانين الفيزياء والجاذبية والسرعة لتسير حياة البشر بانتظام، فمن غير المنطقي عقلاً أن نفترض أن الخالق أصبح “محبوساً” أو “مقيداً” داخل القوانين التي صنعها بيده! فهو سبحانه خارج حدود الزمان والمكان، وبالتالي فهو قادر على طيهما لرسوله ﷺ.
قياس الأدنى على الأعلى (معجزة الخلق الأول) والعقل يتدرج في قبول العظائم؛ والإيمان يبدأ من نقطة أساسية يقر بها العقل وهي: أن الله خلق هذا الكون الفسيح من العدم، والبرهان العقلي يقودنا إلى أن من استطاع أن يوجد المادة، والذرة، والمجرات، والزمن من “لا شيء” (وهو الإعجاز الأكبر والأعقد)، هل يعجز عقلياً عن تسريع جسد بشر، أو طي مسافة بين مسجديْن، أو العروج إلى السماء؟
إن من يتقبل فكرة “الخلق الأول للكون” ثم يستصعب معجزة “الإسراء والمعراج” يقع في تناقض منطقي واضح؛ لأن من صنع الكل قادر على التحكم في الجزء وتعديل خواصه مؤقتاً (وهو ما يُعرف في العقيدة بـ “تعطيل الأسباب”).
زمن العلم وأخيراً، وفي زمن الفيزياء الحديثة، ونظريات “الثقوب الدودية” و”انحناء الزمكان” التي يتحدث عنها العلماء العباقرة لإثبات إمكانية الانتقال عبر الكون في لمح البصر، يصبح من المضحك وبقايا الجهل العلمي أن يأتي مدعٍ للتنوير ليقول إن العقل لا يقبل قطع المسافات في ليلة واحدة! إذا كان العلم البشري القاصر يراها ممكنة نظرياً، فكيف بقوة رب العالمين؟!
طالع المزيد:





