عاطف عبد الغنى يكتب: أصحاب الفيل” وعلماء “فقه الاستحمار”

بيان
قيل في المرويات التاريخية إن “أصحاب الفيل” الذين جاءوا في جيش جرار قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، بنصف قرن تقريباً بغرض هدم الكعبة، كانوا يوظفون في حروبهم دواب أخرى كالحمير والبغال، وينظمونها في فيلق مدرب، لتطلق نهيقاً جماعياً تصيب تردداته الصادمة مراكز التفكير والإدراك عند الأعداء بالتشويش، فتشتت وعيهم، وتفرق جمعهم.
المدهش في الأمر، أن هذا النوع من الدواب كان منتشراً في بلاد العرب المغزوّة، وفيما بعد، تطور هذا الاستخدام لينتقل من الحيوان إلى البشر؛ فَقُعِّدت له القواعد، ووُضِعت له النظريات وآليات الاستخدام، حتى اعتبره البعض من “العلوم السيّارة” وأطلقوا عليه مصطلح: “فقه الاستحمار”.
وقادتنا الحداثة لأن نرى اليوم “حميراً وبغالاً” مدربة على “النهيق الإعلامي” والظهور أمام الكاميرات لـ “رصّ أى كلام فاضى” يبدو في ظاهره معقولاً، اعتماداً على وهمِ أن أحداً لن يراجع خلفهم ما يقولون، والحقيقة أنك لا تخرج من كلامهم بعلم ينفع، ولا دعوة تشفع، ولا يصدر عنهم بصيص نور يهدي السائرين في ظلام الجهل، وجدالهم مراء، ورطنهم هراء، ولا يسعون إلا للشهرة وما يستتبعها من مغانم، وكلما خبت عنهم الأضواء، أطلقوا قنبلة هواء من باب البحث عن التلميع بعد غبرة، ولا ينافسهم – الآن – في الساحة إلا تيار “فقه المراحيض”، وكلا التيارين يتنافسان على عقل ناسنا الطيبين، تارة بدعاوى العلم، وتارة أخرى بدعاوى الدين.
ومن المقدمة ننتقل إلى الموضوع “التريند” الذي أعاد تدويره الدكتور يوسف زيدان – وهو المتخصص في المخطوطات وتستيف المكتبات كما أظن – وموضوعه المتكرر: البحث عن “أصحاب الفيل” الذين ورد ذكرهم في سورة مكية من خمس آيات: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)» صدق الله العظيم.
وما سبق هو النص المقدس، أما الطرح الذي أراد به زيدان إثارة الحيرة، فهو تساؤله: “مَن هم أصحاب الفيل؟ وهل هم أصحاب أم صاحب واحد؟!”. وهو موضوع يدخل – كما ترون – في صميم تلافيف الأمن القومي، ولا ينبغي للأمة في هذا التوقيت الحرج أن تتجاهله لتنشغل بموضوعات أخرى! لذلك، دعونا ننتقل سريعاً إلى اكتشافات د. زيدان الأثرية، التي طعن بها تفاسير الأولين والآخيرين، ماذا قال زيدان؟
نستشهد أولاً بنص حديثه في برنامجه على قناة “الغد” (في حلقة موثقة ومتاحة للجميع)، حيث يقول بالحرف: “على فكرة ما أقوله ده هو التاريخ اللي بجد مش اللي بيقوله المفسرون”.
وخذ عندك أول ملحوظة: زيدان يحتكر لنفسه الحقيقة التاريخية حصرياً، ولا ينبغي لأحد أن يتحدث غيره في وقائع الدهور ولا الشخصيات التاريخية، رغم أنه لا يعتمد في تفسيره لا على علوم التاريخ ولا الاجتماع، ولا اللغة، ولا الرواة، ولا… والسؤال: على ماذا يعتمد إذن؟ دعونا نفحص العوار والأغلاط الشنيعة التي أوردها في روايته وفيها الإجابة:
أولا: الجهل بفقه اللغة، حيث يتساءل زيدان مستنكراً: “النص المقدس قال أصحاب الفيل وليس صاحب الفيل، فماذا عن أبرهة إذن؟”، يقصد أن أبرهة قائد جيش الأحباش، كان فرداً وليس جمعاً، وهنا لا نعذر زيدان بالجهل وهو يتحدث عن القرآن؛ إذ يجهل فقه اللغة التي نزل بها؛ حيث يُطلق الجمع على المفرد (والعكس) في سياق المجاز البلاغي واتساع أساليب العرب، أو للدلالة على معنى الجنس، فـ “أصحاب الفيل” يمكن أن تكون الجماعة الغازية أو الجيش بأكمله والقادة الذين يقفون خلفه، بل إن زيدان نفسه ذكر ثلاثة أسماء، لها علاقة بالجيش الغازى، (أبرهة، وأخاه أصبحة، والنجاشي) وهم جمع لا مفرد! وجيشهم استخدم هذه المدرعة الحيوانية (الفيل) التي لم يعرفها العرب في حروبهم لإرهاب أهل مكة، وما كان الهدم هنا لمجرد مبنى أو “حجرة” كما تهكم زيدان، بل للرمز الديني المقّدس الذي يحج إليه العرب قبل البعثة المحمدية.
ثانيا: التناقض الزمني الواضح فى كلام زيدان، وقد حكى الأخير قصة أبرهة وأصبحة والنجاشي في اليمن، وقال “بعضمة لسانه” إن وجودهم التاريخي كان قبل الإسلام بنحو 50 عاماً، وهي تقريبا نفس الفترة التي حددتها كتب السيرة النبوية (رواية ابن عباس التي نقلها ابن هشام)، لحدوث القصة فى الجزيرة العربية، لكن زيدان يعود سريعاً لينفي وقوع الحادثة فى الجزيرة العربية، ويأخذنا إلى “أحدوثة” يهودية تبعد في التاريخ نحو 700 عام، وهي قصة “المكابيين والفرس”!
ثالثا: الانتقائية التدليسية في مراجع زيدان لنسف الرواية الإسلامية، وقد استشهد بكتاب “التيجان في ملوك حمير” لوهب بن منبه (المشهور بكعب الأحبار)، وكان يهوديا وأسلم، وسخر زيدان من الكتاب وشكك في تاريخه لأنه كُتب في وقت متأخر، لكن العجيب، أن زيدان تعمد تجاهل كتب السيرة المعتبرة كسيرة “ابن عباس” القريبة من عهد الواقعة والتي تحمل أشعاراً وأحداثا تفصيلية لا يستطيع الاشتباك معها، وفي المقابل – ومن باب النفي للإثبات – رفض رواية ابن منبه وسخر منها ليعتمد على “الأسفار المخفية” أو (الأبوكريفا) وهي أسفار يهودية تخفيها الكنائس ولا تعتمدها وتسميها “الأسفار القانونية الثانية” لضعفها، لكن زيدان اتخذها مرجعاً رئيسيا!
رابعا: التمسك بأساطير المكابيين، وهم فئة محاربة من اليهود، عرفوا فى القرن الذى سبق ميلاد المسيح عيسى بن مريم سلام الله عليه، وقادوا تمرداً عسكريا ضد الرومان وفشلوا وقُضي عليهم سنة 73 ميلادية بعد تدمير الهيكل الثاني، وقيل إنهم انتحروا جماعياً في قلعة “الماسادا”.. والمفارقة أن المؤرخ الروماني اليهودي “يوسيفوس فلافيوس” هو المصدر الوحيد لهذه الحكاية، ويعتبرها كثير من المؤرخين أسطورة تفتقر للأدلة المادية، فلماذا تكون رواية “فلافيوس” اليهودية حجة تاريخية لا تقبل الشك عند زيدان، بينما سيرة ابن عباس وتراث المسلمين مجرد “كتب صفراء وتفاهات”؟!
خامسا: الدليل العقلي الفاصل في المرويات التاريخية، أن هذا الحدث الجلل، وقع في عام ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفى رواية أخرى قبل ميلاده بـ 40 سنة بقليل، وإذا أحسنا عد الأرقام فالبعثة نزلت والرسول في سن الأربعين، وسورة الفيل مكية؛ أي أن الفارق الزمني بين الواقعة ونزول الآية يتراوح بين 45 عاما فى رواية، و 80 عاماً فى أخرى، وهذا يعني عقلياً أن شهود عيان من أهل مكة وقريش والقبائل المجاورة كانوا ما زالوا أحياء عند نزول السورة، وكان أعداء الرسالة من الكفار ليسوا بقليل فى مكة يتربصون به ليتهموه بالكذب، ولم يَرِد في تاريخ التراث كله أن أحداً من هؤلاء كذّب الواقعة أو قال إنها حدثت في مكان أو زمان آخر، فهل يقبل الروائي ” المفتش” بأساطير المكابيين والأبوكريفا ويرفض هذا الدليل العقلي الصارم؟!
إن زيدان يلف ويدور، ثم يلفق ويلضم ليقذف بذور “الشك” في عقول المستمعين، متدثراً بعبارة: “يا عم أنا مؤمن بقداسة القرآن”.. لكن الأخ عنده شكوك في التفسير والسيرة والسنة (!!).. وإذا كان الأمر كذلك، فماذا تبقّى للأمة لتثق فيه يا علامة عصرك وأوانك؟!
وبلغة العلم نقول إن اختزال النقاش في صعوبة استخدام الفيل حربياً، والتعسف في إثبات فرضيات غير موثقة، يبتعد بنا عن جوهر القضية، فالراسخون في العلم يؤكدون أن مناهج العلوم الإنسانية لا تُستخدم لنفي النصوص الدينية أو إثباتها، وإنما لفهم سياقها الثقافي والاجتماعي، وتجاهل هذه المناهج يجعل قراءتك يا زيدان عرجاء، حتى لو بدت مثيرة أو “تريند”. وأخيرا فأن قيمة الباحث لا تكمن في شهوة “مخالفة السائد”، بل في جودة منهجه.. والاجتهاد العلمي ليس إعلاناً لآراء شاذة، بل هو بناء معرفي يعتمد على المصادر ويوازن بين التاريخ والنص.. وطرح زيدان حول “أصحاب الفيل” يظل انطباعاً شخصياً يفتقر للأدلة الرصينة.. وأدلته – للأسف – فاسدة؛ تنتصر لكل ما يحمل صبغة يهودية، وتحقّر كل ما ينتمي للثقافة الإسلامية.
و “خلينا نضحك أحسن”.. وقول لنا: “إيه موضوع البط والوز والحمام المحشي اللي أكلته في زيارتك لإبراهيم عيسى (أيام إعلان تكوين)؟!

طالع المزيد:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى