باسم صلاح يكتب: لماذا لم تنضم مصر إلى منظمة current AI للذكاء الاصطناعي؟
بيان
بينما تتسابق دول العالم لحجز مواقعها داخل منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية ، لم يعد معيار التقدم يقاس فقط بعدد الشركات الناشئة أو حجم الاستثمارات ، بل أصبح يقاس أيضاً بمدى المشاركة في المؤسسات والمبادرات الدولية التي تضع القواعد المنظمة لهذه التكنولوجيا وتحدد مستقبلها ، وتشارك في رسم سياساتها وأخلاقياتها.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التوقف أمامه: لماذا لم تنضم مصر حتى الآن إلى مبادرة Current AI ، رغم ما تمتلكه من ثقل علمي وإقليمي يجعلها مؤهلة للقيام بدور أكثر تأثيراً ؟

ولمن لا يعرف فإن مبادرة Current AI تعد واحدة من أبرز المبادرات الدولية الحديثة التي تستهدف بناء منظومة عالمية للذكاء الاصطناعي تقوم على خدمة الصالح العام ، من خلال دعم الأبحاث المفتوحة وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتمويل المشروعات العلمية، وتعزيز التعاون بين الحكومات والجامعات والمؤسسات البحثية والقطاع الخاص، بما يضمن تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر مسؤولية وعدالة، بعيداً عن الاحتكار والانغلاق التقني.
وتزداد أهمية هذه المبادرة مع اتساع تأثير الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بدءاً من الاقتصاد والتعليم والصحة، مروراً بالإعلام والأمن السيبراني ، ووصولًا إلى حماية التراث الإنساني والثقافي والديني.
فالعالم اليوم لا يناقش فقط كيفية تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة ، وإنما يناقش أيضاً كيفية ضمان ألا تتحول هذه النماذج إلى مصدر للمعلومات المضللة أو المحتوى المزيف أو الأخطاء التي قد تمس معتقدات الشعوب وهويتها.
اللافت أن القارة الأفريقية بدأت تدرك أهمية المشاركة في هذا التحول العالمي ، وهو ما انعكس في انضمام دول مثل المغرب ونيجيريا إلى المبادرة ، في خطوة تؤكد أن مستقبل القارة لن يُبنى بالاستهلاك التكنولوجي فقط، بل بالمشاركة في صناعة القرار العالمي الخاص بالذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، يظل غياب مصر محل تساؤل، خاصة أنها تمتلك واحدة من أكبر القواعد البشرية في المنطقة، وجامعات ومراكز بحثية عريقة ، وكفاءات علمية قادرة على الإسهام في تطوير هذا المجال.
ولا يتعلق الأمر بالحضور الدبلوماسي أو الرمزي داخل منظمة دولية ، وإنما بالمشاركة في صياغة المعايير التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي سواء فيما يتعلق بحوكمة النماذج اللغوية ، أو حماية البيانات أو ضمان سلامة المحتوى، أو وضع الأطر القانونية والأخلاقية للتقنيات الجديدة، فالدول التي تشارك اليوم في صياغة هذه القواعد ستكون أكثر قدرة على حماية مصالحها الرقمية خلال السنوات المقبلة.
وتزداد الحاجة إلى حضور مصري فاعل داخل هذه المنظومة في ظل خصوصية المشهد الحالي ، حيث أصبحت مصر أول دولة في العالم تُرفع أمام قضائها دعوى قضائية تتهم نموذج Gemini التابع لشركة جوجل بتزييف القرآن الكريم، وهي قضية غير مسبوقة من حيث طبيعتها، إذ تتناول للمرة الأولى مسؤولية نموذج ذكاء اصطناعي عن إنتاج نصوص نُسبت إلى القرآن الكريم على غير حقيقتها.
وتتجاوز أهمية هذه القضية حدود الخصومة القضائية بين طرفين، لأنها تفتح باباً عالمياً للنقاش حول مسؤولية الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي عن المحتوى الذي تنتجه نماذجها، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالنصوص الدينية التي تمثل مرجعية لمليارات البشر، كما تطرح تساؤلات جوهرية حول آليات الرقابة، ودقة البيانات المستخدمة في تدريب النماذج، وحدود المسؤولية القانونية عندما تؤدي المخرجات إلى نشر معلومات دينية غير صحيحة.
ومن هذا المنطلق، فإن الدور المصري لا ينبغي أن يقتصر على متابعة هذه القضية داخل أروقة المحاكم ، بل يجب أن يمتد إلى المشاركة في المنصات الدولية التي تضع السياسات والمعايير المنظمة للذكاء الاصطناعي، حتى يكون لمصر صوت مؤثر في القرارات التي ستحدد مستقبل هذه التكنولوجيا.
فالدولة التي تنظر محاكمها أول دعوى من هذا النوع تتحمل مسؤولية خاصة في المساهمة بالنقاش الدولي حول حماية النصوص الدينية في العصر الرقمي، وهو نقاش يهم ما يقرب من ملياري مسلم حول العالم، ويستحق أن تكون مصر أحد أبرز أطرافه.
إن الانضمام إلى مبادرة مثل Current AI لا يمثل مجرد خطوة بروتوكولية، بل هو استثمار في المستقبل ورسالة تؤكد أن مصر لا تريد أن تكون مجرد مستخدم لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما شريكاً في تطويرها وصياغة قواعدها، والمساهمة في بناء منظومة عالمية أكثر أمناً وعدالة ومسؤولية ، فالذكاء الاصطناعي لن ينتظر المترددين والدول التي تشارك اليوم في صناعة قواعده ستكون هي الأكثر قدرة على حماية مصالحها ومجتمعاتها وثقافاتها في المستقبل.
أما الدول التي تتأخر عن هذا السباق، فقد تجد نفسها مطالبة بالتكيف مع قواعد صاغها الآخرون ، بدلًا من أن تكون شريكاً في صناعتها.





