باسم صلاح يكتب: سيادة الدولة لايجدى معها الأسف فقط !

بيان

لم يعد مقبولاً، ولا منطقياً، ولا حتى معقولاً، أن نعيش في زمن تتسابق فيه القوى العالمية على صناعة التكنولوجيا وتحصينها، بينما يقتصر دور الجهة المسؤولة عن أمن الاتصالات في مصر وهى “الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات NTRA” على إصدار التحذيرات ” فقط ” كلما ظهر تهديد عالمي جديد كالذي ظهر مؤخراً بسبب شركة التجسس intellexa الإسرائيلية، والذي أعلنت عنه شركتا جوجل وآبل منذ يومين ، ويستهدف هواتف 150 دولة، من بينها مصر.

مشهد يتكرر وسوف يتكرر مستقبلاً ، وخسارتنا فيه لا تُحصى!.. خسارة أمن ، وخسارة بيانات، وخسارة مكانة، وخسارة مستقبل.

التحذير الذي أطلقه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات NTRA مهم… نعم ، لكن التحذير وحده دون طرح الحلول الآنية والمستقبلية لا يبني أمة ولا يوفر الحماية التكنولوجية لدولة بحجم مصر.

التحذير وحده، لا يصنع تكنولوجيا ، ولا يوقف استهدافاً إلكترونياً، ولا يردع شركاتٍ عالمية تمتلك أدوات تتجاوز حدود الدولة والسيادة.

ومن العبث أن يقف الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات NTRA في موضع المتفرج والمحذر فقط ، بينما تُعلن شركات بحجم Google و Apple عن موجات اختراق متقدمة تستغل ثغرات غير معروفة ” Zero Day ” تهدد ملايين الهواتف حول العالم ومن بينها مصر .

ومن العبث أكثر أن يكون أقصى ما نقدمه كمؤسسة وطنية هو منشور على فيسبوك أو بيان رسمي يحذر الناس من روابط مجهولة أو رسائل خبيثة…!

فهل أصبحت حماية المصريين مسؤولية بيانات على مواقع التواصل؟.
أين التكنولوجيا؟ أين أدوات الدفاع؟ أين التصنيع؟ أين البدائل الوطنية ؟.
وأين رؤية الاستقلال الرقمي التي تجعل التكنولوجيا في يد المصريين، لا في يد الشركات الأمريكية و الإسرائيلية ؟

لقد ناديت ُ منذ زمن بعيد … ولكن من يسمع؟
قلتها منذ سنوات : لا يمكن لدولة بحجم مصر، بتاريخها وثقلها وموقعها ، أن تبقى مجرد مستهلك للتكنولوجيا، أو مجرد “مشترك” في خدمات الشركات الأمريكية…!

كررتها كثيراً مبكراً وقلت إن مصر يجب أن تمتلك أدواتها الرقمية، وتصنع تقنياتها، وتؤسس بنيتها المستقلة وتمتلك من التقنيات، ما يحتاجه العالم كله ، وإلا ستظل رهينة.

قلت دائماً إن مصر يجب أن تمتلك الاستقلال الرقمي، وأن لديها العقول والموارد والقدرة والضرورة لذلك.

أما اليوم فالجميع أمام واقع معاش ، العالم كله مهدَّد، والاختراقات تتوسع ، والدول تصنع وتطور وتحمي نفسها.
أما نحن… فلا نملك إلا التحذير فقط .

و على ذكر التهديدات التقنية ، يجب الإشارة إلى أن التهديد ليس فقط مجرد اختراقات للهواتف ، بل إن هناك تهديد أخطر وأضخم ، يضرب هوية الأمة الإسلامية مباشرة ، وهو تزييف القرآن الكريم والذي يتم بواسطة الذكاء الاصطناعي الأمريكي ، وعلى رأسه ” Google Gemini ” منذ مايقرب من ثلاث سنوات ، فهل تحرك الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات NTRA ولو حتى بمجرد التحذير للحفاظ على القرآن الكريم ؟! لم يحدث
إن التحرك الوحيد الذي حدث فعلياً لمكافحة تزييف القرآن الكريم الذي تقوم به جوجل ، هو ما قمت أنا به ” منفرداً ” منذ عام ، حيث قمت بمقاضاة جوجل ومازالت القضية في ساحات القضاء المصري.

والسؤال الذي يؤرقني منذ سنين : كيف تُترك دولة مثل مصر بلا أدوات سيادية تواجه هذا الخطر الرقمي العالمي والذي يتطور بسرعة رهيبة كل دقيقة وكل ثانية ؟

ولكي نفهم حجم الفجوة الزمنية بيننا وبين مايجري في المجال التقني ، يكفي أن نلقي نظرة على شركة مثل Intellexa التي تهدد العالم كله حالياً وتجبر شركتين عملاقتين مثل جوجل وآبل على إعلان تخوفاتهما وضعفهما أمام العالم كله

إن شركة intellexa عبارة عن مجموعة تكنولوجية “أوروبية إسرائيلية” تُقدم نفسها للعالم على أنها “تحالف شركات”، لكنها عملياً واحدة من أكثر المنظومات شهرة في تطوير أدوات التجسس واختراق الهواتف.
مؤسسها الأشهر هو تال ديليان، وهو ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي ، أسس الشركة بعد سنوات من العمل داخل منظومات الاستخبارات.

أبرز ما أنتجته Intellexa هو برنامج Predator، وهو واحد من أخطر أدوات الاختراق في العالم، يشبه في قوته وتشغيله برنامج Pegasus الشهير من NSO Group.

ويعتمد Predator على أسلوب استغلال ثغرات غير معروفة “zero-click exploits” ، بحيث يمكن اختراق هاتف الضحية دون أن يضغط على أي رابط…! فمجرد رسالة واحدة تكفي.

وتقوم شركة Intellexa ببيع أدواتها لحكومات عديدة، وتحقق أرباحاً هائلة ، بينما دول أخرى من بينها مصر والعالم العربي تعتمد على التحذيرات بدلاً من تطوير القوة التقنية الموازية.

ما الذي يمنع مصر من امتلاك تقنياتها؟

سؤال لطالما شغل تفكيري : ما الذي يمنع الدولة المصرية من إنشاء مركز تكنولوجي مصري خالص للتصنيع التكنولوجي و السيبراني على نمط DARPA ؟
ما الذي يمنعنا من بناء منظومة دفاع رقمي مصرية خالصة ؟

إن خسارتنا ليست في البيانات والتحذيرات فقط ، بل في زمنٍ ضيعناه، وفي فرصٍ أهملناها، وفي صناعات كان يجب أن تكون بين أيدينا منذ زمن طويل.

إنني أعتقد الآن أن الواقع يدفعنا دفعاً لتغيير فكرنا، حان وقت أن تكون التكنولوجيا ملكنا ، وأن يكون الأمن الرقمي سيادياً ، وأن تنفض مصر عن نفسها دور “المستخدم”، لتصبح كما يجب أن تكون ” دولة صانعة تكنولوجيا” .

وأخيراً : التحذير مهم لكن الاعتماد على التحذير وحده … خسّرنا كتير.

طالع المزيد:

باسم صلاح يكتب: داربا وناسا يجهزان بديل الإنترنت الحالي

زر الذهاب إلى الأعلى