هل أخفت الغدة النخامية سر وفاة أجمل نساء عصر النهضة؟

د. محمد إبراهيم بسيونى

سردية يكتبها: د. محمد إبراهيم بسيوني

بعد أكثر من خمسة قرون على رحيلها، ما زالت سيمونيتا فيسبوتشي (Simonetta Vespucci)، أيقونة الجمال في عصر النهضة الإيطالية وملهمة الرسام ساندرو بوتيتشيلي (Sandro Botticelli)، تثير فضول المؤرخين والأطباء معًا.

لم تكن مجرد الوجه الذي خلدته لوحتا «مولد فينوس» (The Birth of Venus) والربيع (Primavera)، بل أصبحت رمزًا للجمال الإنساني في الوعي الأوروبي، حتى إن بوتيتشيلي أوصى بأن يُدفن إلى جوار قبرها.

غير أن الجسد الذي ألهم أعظم الأعمال الفنية ربما كان يخفي داخله مرضًا صامتًا لم يكن الطب في القرن الخامس عشر يمتلك حتى اللغة لوصفه.
ولقرون، استقر الاعتقاد على أن سيمونيتا توفيت عام 1476 بسبب السل (Tuberculosis)، أحد أكثر الأمراض فتكًا في أوروبا آنذاك.

لكن دراسة حديثة نُشرت في يونيو 2026 بمجلة Endocrinology, Diabetes & Metabolism، بمشاركة باحثين من جامعات Queen Mary University of London وCampus Bio-Medico University of Rome وUniversity of California، تقترح فرضية أكثر اتساقًا مع الطب الحديث: أنها كانت تعاني من ورم حميد بالغدة النخامية (Pituitary Adenoma) انتهى بكارثة عصبية حادة تعرف باسم السكتة النخامية (Pituitary Tumour Apoplexy)، وهي نزيف أو احتشاء مفاجئ داخل الورم يؤدي إلى ارتفاع الضغط داخل السرج التركي (Sella Turcica)، وحدوث صداع انفجاري، وقيء، واضطراب في الرؤية والوعي، وقد ينتهي بالوفاة خلال ساعات أو أيام إذا لم يُعالج جراحيًا بصورة عاجلة.
وتستمد الدراسة قوتها من أنها لا تعتمد على رواية تاريخية واحدة، بل تمزج بين الطب السريري (Clinical Medicine) وعلم الغدد الصماء (Endocrinology) والتاريخ الطبي (Historical Medicine) والتحليل الرقمي للصور (Digital Image Analysis).

وقد أعاد الباحثون قراءة الرسائل التاريخية التي وصفت انهيار سيمونيتا المفاجئ أثناء إحدى حفلات الرقص، ثم نقلها إلى غرفة مظلمة بسبب رهاب الضوء (Photophobia)، مع صداع شديد، وقيء، وحمى، واضطراب في الإدراك وصل إلى الهذيان (Delirium).

ومن منظور طبي معاصر، تبدو هذه الصورة الإكلينيكية أكثر توافقًا مع Pituitary Apoplexy منها مع السل، الذي يتطور عادةً ببطء ويتميز بسعال مزمن، ونقص واضح في الوزن، وتعرق ليلي، وهي علامات لم توثق بصورة مقنعة في حالتها.

والأكثر إثارة أن الباحثين تعاملوا مع الفن باعتباره وثيقة بيولوجية. فمن خلال مقارنة ملامح سيمونيتا في عدد من لوحات بوتيتشيلي، لاحظوا تغيرات قد تتوافق مع التأثيرات المزمنة لأورام الغدة النخامية المفرزة لـهرمون النمو (Growth Hormone) أو البرولاكتين (Prolactin).

كما أشاروا إلى أن ظهور ما يشبه إفراز اللبن (Galactorrhea) في إحدى اللوحات، والحول الخفيف في العينين، قد يمثلان مؤشرين محتملين على فرط البرولاكتين (Hyperprolactinemia) أو ضغط الورم على التصالب البصري (Optic Chiasm).

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه الملاحظات تمثل قرائن استدلالية (Circumstantial Evidence) وليست أدلة تشخيصية قاطعة.
كما تناقش الدراسة احتمال أن يكون الانهيار النهائي قد تحفز نتيجة مجهود بدني عنيف أثناء الرقص، أو بسبب صدمة جسدية أو نفسية حادة، وهي عوامل معروفة قد تثير السكتة النخامية لدى من لديهم ورم كامن، لكنها تظل فرضيات تاريخية يصعب إثباتها بعد مرور أكثر من خمسة قرون.
وتقدم هذه الدراسة نموذجًا متميزًا لما يعرف بـالتشخيص الاسترجاعي (Retrospective Diagnosis)، حيث تُعاد قراءة الماضي بأدوات الطب الحديث.

لكنها في الوقت نفسه تذكرنا بحدود العلم؛ فغياب الجثمان والأنسجة البيولوجية يجعل اليقين مستحيلًا، ويحول أي تشخيص إلى فرضية مرجحة لا أكثر.
وربما تكمن القيمة الحقيقية للدراسة في بعدها الفلسفي قبل بعدها الطبي؛ فهي تذكرنا بأن الإنسان ليس ما يظهره وجهه، بل ما يخفيه جسده.

فالجمال الذي خلدته ريشة بوتيتشيلي لم يمنع مرضًا من أن يغير مسار حياة كاملة.

وهكذا يلتقي الفن والطب عند حقيقة واحدة: الفن يخلّد المظهر، أما العلم فيحاول أن يفهم ما كان يجري خلفه. وبين ريشة الرسام وعدسة الباحث، تستمر رحلة الإنسان في البحث عن الحقيقة، حتى لو جاءت بعد خمسة قرون من الصمت.

طالع المزيد: د. محمد إبراهيم بسيوني: 13% من البالغين في مصر يعانون مرض الكلى المزمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى