قراءة تحليلية: لماذا لا تصمد التسويات بين أمريكا وإيران؟.. د. عبد الغنى الكندى يجيب
موقع بيان الإخبارى
يقدم الكاتب والمفكر السعودي الدكتور عبد الغني الكندي، في مقاله المنشور بصحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، مقاربة تحليلية تستند إلى نظرية العلاقات الدولية لفهم أسباب تعثر التسويات السياسية واحتمالات تجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
ويستند الكاتب إلى الدراسة الشهيرة لأستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد جيمس فيرون بعنوان «التفسيرات العقلانية للحرب» الصادرة عام 1995، ليؤكد أن الحروب لا تنشأ دائمًا بسبب غياب الحلول، بل كثيرًا ما تكون وسيلة لاختبار نيات الخصوم وقدراتهم عندما تعجز المفاوضات عن كشفها.
يرى د. الكندي أن الحرب قد تتحول إلى أداة لاستخراج المعلومات، إذ يلجأ كل طرف إلى القوة لمعرفة القدرات الحقيقية لخصمه، ومدى استعداده لتحمل الخسائر، وصدق تهديداته.
فالمفاوضات، بحسب المقال، كثيرًا ما تتحول إلى تبادل رسائل لا يمكن التحقق من مصداقيتها، بينما تكشف المعارك الواقع العسكري والسياسي بصورة أكثر وضوحًا، وإن كانت بكلفة باهظة.
ويحدد الكاتب أربعة أسباب رئيسية تجعل التسويات السياسية عرضة للفشل. أولها نقص المعلومات، حيث يحتفظ كل طرف بأسرار قوته وضعفه ولا يفصح عنها خشية استغلالها. وثانيها غياب الثقة، إذ إن المعلومات المتبادلة لا تكون كافية ما لم توجد آليات للتحقق منها.
أما السبب الثالث فهو مشكلة الالتزام، عندما يخشى أحد الأطراف أن ينقض الطرف الآخر الاتفاق إذا تغير ميزان القوى لصالحه مستقبلًا. بينما يتمثل السبب الرابع في كلفة الجمهور، أي الضغوط السياسية التي يفرضها الرأي العام والحلفاء على القادة، ما يجعل التراجع عن التهديدات العلنية مكلفًا سياسيًا.
ويطبق د. الكندى هذا الإطار النظري على الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، معتبرًا أن جميع هذه العوامل كانت حاضرة بوضوح.
فقبل اندلاع المواجهة، لم تكن واشنطن وتل أبيب تمتلكان صورة كاملة عن قدرات إيران النووية والعسكرية، كما لم تكن طهران تعرف الأهداف الحقيقية لخصومها، وهل تقتصر على تعديل الاتفاق النووي أم تمتد إلى إضعاف النظام الإيراني نفسه. ولذلك أصبحت الحرب، في رأيه، وسيلة عملية لاختبار هذه الفرضيات.
ويرى د. الكندي أن المواجهة العسكرية كشفت بعض الحقائق، لكنها لم تُنهِ أزمة الثقة بين الأطراف. فلا تزال الولايات المتحدة وإسرائيل تخشيان أن تستغل إيران أي اتفاق لإعادة بناء قدراتها النووية، بينما تخشى طهران تقديم تنازلات دون ضمانات حقيقية لرفع العقوبات ووقف الضغوط العسكرية.
ومن ثم، فإن أي اتفاق جديد سيظل هشًا إذا لم يقترن بضمانات قابلة للتحقق وآليات تنفيذ واضحة.
ويتوقف المقال أيضًا عند وضع دول الخليج، التي لم تكن طرفًا في قرار الحرب، لكنها تحملت جزءًا كبيرًا من تداعياتها بحكم موقعها الجغرافي. ويشير الكاتب إلى أن امتداد الصواريخ، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، وتهديد أمن الطاقة والتجارة العالمية، أظهرت أن الحياد السياسي وحده لا يكفي لحماية دول المنطقة من آثار الصراع.
ويخلص الكاتب إلى أن استقرار المنطقة لن يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، بل يتطلب معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل الحرب خيارًا متكررًا، وفي مقدمتها بناء الثقة، وتوفير معلومات قابلة للتحقق، وإيجاد ضمانات ملزمة لتنفيذ الاتفاقات، وخفض كلفة التراجع السياسي عن المواقف المتشددة.
ووفقًا لهذا الطرح، فإن مستقبل أي اتفاق أمريكي-إيراني سيظل مرهونًا بقدرته على تجاوز أزمة الثقة، وإلا فإن احتمالات تجدد المواجهة ستظل قائمة مهما بدت التسويات الحالية واعدة.
……………………………………………………………………………………………………..
المصدر: مقال للدكتور عبد الغني الكندي بعنوان «لماذا ستفشل التسوية؟ وأسباب اندلاع الحرب مجددًا»، منشور في صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، على الرابط التالى:
https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A/5303122-%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%B3%D8%AA%D9%81%D8%B4%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%A9%D8%9F-%D9%88%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D8%AC%D8%AF%D8%AF%D8%A7%D9%8B





