أيمن عبد المجيد يفتح ملف “عقوق الوالدين”.. الخطر المسكوت عنه
كتب: على طه
يطرح الكاتب الصحفي أيمن عبدالمجيد، رئيس تحرير صحيفة «روزاليوسف»، في مقاله قضية شديدة الحساسية تتجاوز حدود الحوادث الفردية، لتلامس واحدة من القضايا المرتبطة ببنية الأسرة المصرية وتماسك المجتمع، وهي العقوق وآليات مواجهته تشريعيًا.
وينطلق عبدالمجيد من واقعة إنسانية عايش تفاصيلها خلال عمله في ملف الرعاية الاجتماعية والصحية بنقابة الصحفيين، عندما اصطحبت سيدة مسنة إلى دار للمسنين، قبل أن يتبين أن من قدمتها للدار لم تكن «فاعلة خير» كما ادعت، وإنما ابنتها التي أرادت التخلص منها، رغم امتلاكها وزوجها ظروفًا مادية ميسورة.
ومن هذه الواقعة ينتقل الكاتب إلى وقائع أكثر قسوة، بينها جرائم اعتداء أبناء على أمهاتهم المسنات انتهت بالقتل، ومحاولات إخفاء الجريمة وطمس معالمها، معتبرًا أن هذه الوقائع تكشف عن تدرج خطير يبدأ بأشكال من الإساءة والعقوق، وقد ينتهي إلى جرائم بالغة الخطورة.
من العقوق إلى الجريمة
القضية الأساسية التي يطرحها عبدالمجيد هي أن التشريعات القائمة تعاقب بالفعل على جرائم مثل السب والقذف والاعتداء والقتل، لكنها لا تتعامل مع العقوق بوصفه جريمة مستقلة لها صور متعددة قد لا تصل في بدايتها إلى مستوى الجريمة الجنائية التقليدية.
ويحدد الكاتب عددًا من هذه الصور، بينها هجر الأبناء لآبائهم وأمهاتهم ممن يحتاجون إلى الرعاية، والإيذاء اللفظي والنفسي والبدني، وحرمان الأجداد من رؤية أحفادهم، والامتناع عن رعاية الوالدين غير القادرين على توفير احتياجات المعيشة والعلاج، رغم قدرة الأبناء على ذلك.
وهنا تكمن أهمية المقال؛ فهو لا يطالب بعقوبة واحدة ومباشرة لكل صور العقوق، وإنما يدعو إلى دراسة تشريعية متأنية تراعي طبيعة الجريمة وخصوصية العلاقة الأسرية.
الردع لا يعني العقوبة وحدها
يقترح عبدالمجيد فلسفة تقوم على التدرج في المواجهة، بحيث يمكن أن تبدأ الإجراءات القانونية بالتعهد بعدم تكرار الإساءة والالتزام برعاية الوالدين، مع إخضاع المخالف لجلسات إرشاد نفسي وديني، وتشديد العقوبة في حالات العود.
ويشير إلى ضرورة تحقيق التوازن بين الردع وحماية الوالدين من آثار العقوبة على أبنائهم، فالمشكلة هنا شديدة التعقيد؛ لأن العقوبة التي تقع على الابن قد تترك بدورها أثرًا نفسيًا قاسيًا على الأب أو الأم.
قانون رعاية حقوق المسنين
ويتوقف الكاتب أمام قانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024، الذي وضع إطارًا قانونيًا لحماية المسنين وضمان تمتعهم بحقوقهم وتوفير حياة كريمة لهم.
ويرى عبدالمجيد أن القانون قطع خطوة مهمة في حماية المسن، لكنه لم يستهدف تحديدًا جميع صور العقوق الأسري، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى أن القانون يستهدف رعاية المسنين بصورة عامة، وليس إنشاء منظومة تشريعية مستقلة لتجريم العقوق.
ويستعرض المقال ما أورده القانون من تعريفات للإساءة والإهمال، ومن صور تعريض المسن للخطر، إضافة إلى تحديد مسؤوليات الأسرة تجاه المسن، بدءًا من الزوج أو الزوجة، ثم الأبناء وأولاد الأبناء والإخوة وفق الضوابط التي حددها القانون.
كما يتوقف عند العقوبات المقررة على المكلف برعاية المسن حال إهماله واجباته، معتبرًا أن الحاجة لا تزال قائمة إلى معالجة حالات العقوق التي يمارسها بعض الأبناء والأقارب بصورة تتجاوز مجرد الإهمال في الرعاية.
حماية المسن والأسرة معًا
ولا يقف طرح عبدالمجيد عند حماية الآباء والأمهات فقط، بل يوسع دائرة النقاش لتشمل مسؤولية الأسرة عن حماية الأبناء أيضًا، معتبرًا أن مواجهة العقوق تبدأ قبل وقوعه، من خلال التربية السليمة وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، والاهتمام باختيار الزوجين وبناء الأسرة على أسس صحيحة.
وفي ختام مقاله، يوجه الكاتب رسالة مباشرة إلى مجلسي النواب والشيوخ، مطالبًا بتحمل المسؤولية التشريعية والرقابية تجاه ما يراه من ظواهر تهدد تماسك المجتمع وقيمه.
وهكذا لا يقدم المقال مجرد دعوة إلى تشديد العقوبات، وإنما يطرح مشروعًا متكاملًا للمناقشة: تربية دينية وأخلاقية، حماية اجتماعية، إرشاد نفسي، تشريع رادع، وتدخل قانوني متدرج يحمي المسن من العنف والهجر والإهمال، دون أن يفقد الأسرة خصوصيتها.
وتبقى الفكرة المركزية التي يضعها عبدالمجيد أمام المشرع والمجتمع معًا: هل حان الوقت لملء الفراغ التشريعي المتعلق بصور العقوق التي تسبق الجريمة الكبرى، قبل أن يتحول الإهمال والهجر والإيذاء إلى عنف أو جريمة لا يمكن تدارك آثارها؟
وينهى ععبد المجيد مقاله بخير الكلام .ز كلام الله فيقول: “ولا أفضل من الختام بقول الله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا «23» وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) صدق الله العظيم «الإسراء 24».
طالع المزيد: د. إيمان عبد الله: الأمم المتحدة جعلته يوما والله أوصى به طول العمر.. بر الوالدين





