“أرامكو” تنقل بترول السعودية عبر ممر سرى فى هرمز.. خارج منطقة الخطر
مصادر – وكالات
في ظل استمرار الاضطرابات التي تضرب حركة الملاحة في مضيق هرمز، بدأت شركات النفط الخليجية البحث عن طرق جديدة تضمن استمرار تدفق الخام إلى الأسواق العالمية، فيما برزت شركة أرامكو السعودية باعتبارها واحدة من أبرز الشركات التي أعادت ترتيب آليات شحن وتسليم النفط لتقليل تعرض المشترين لمخاطر العبور داخل المضيق.
وبحسب تقرير لـ«رويترز»، دخلت أرامكو في مفاوضات مع عدد من المصافي الآسيوية لتوفير خامي العربي المتوسط والعربي الثقيل من خلال عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة سواحل الفجيرة الإماراتية، بما يسمح للمشترين بتسلم الشحنات خارج مضيق هرمز، دون الحاجة إلى إرسال ناقلاتهم إلى داخل الخليج.
ولا يعني هذا المسار أن السعودية باتت قادرة على تجاوز مضيق هرمز بصورة كاملة، بقدر ما يعكس إعادة ترتيب لسلسلة نقل وتسليم الخام، بحيث تتحمل الناقلات السعودية جزءًا أكبر من مخاطر الرحلة، ثم تنتقل الشحنة إلى ناقلات أخرى في منطقة أكثر أمانًا نسبيًا.
نقطة تسليم خارج منطقة الخطر
تأتي الفجيرة في قلب هذه الترتيبات، باعتبارها ميناءً إماراتيًا يقع خارج مضيق هرمز على بحر العرب، ما يجعل المياه المحيطة بها نقطة مناسبة لعمليات النقل من سفينة إلى أخرى.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن أرامكو عرضت شحنات مقررة للتحميل خلال أغسطس وسبتمبر، فيما لم تكشف الشركة رسميًا تفاصيل الطريقة التي وصلت بها هذه الشحنات إلى المنطقة الواقعة خارج المضيق.
وفي الوقت نفسه، استأنفت أرامكو تحميل الخام من محطات تقع داخل منطقة الخليج، بعد توقف استمر نحو ثلاثة أسابيع بسبب المخاطر الأمنية، حيث قامت ثلاث ناقلات عملاقة هي «ماليزيا بروسبيريتي» و«الجزائر بروسبيريتي» و«سنغافورة بروسبيريتي» بتحميل مليوني برميل لكل منها من محطتي الجعيمة ورأس تنورة بين 12 و16 أغسطس.
وهكذا يبدو المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد «طريق بديل»؛ فالسعودية تستخدم مجموعة من المسارات والترتيبات في وقت واحد للحفاظ على تدفق صادراتها.
«ممر سري» أمريكي في هرمز
في تطور موازٍ، تحدث تقرير نشرته «أكسيوس» عن قيام القوات الأمريكية بإنشاء ممر ملاحي مؤمّن عبر الجزء الجنوبي من مضيق هرمز بمحاذاة الساحل العُماني، بهدف السماح لناقلات النفط بالعبور رغم المخاطر الأمنية.
ووفق ما نقلته «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين، فإن نحو 15 إلى 20 ناقلة نفط تمكنت من استخدام هذا المسار يوميًا، مع استمرار تدفق ملايين البراميل إلى الأسواق العالمية. وتقول الرواية الأمريكية إن الممر يعتمد على ترتيبات أمنية ومراقبة عسكرية، لكن تفاصيله التشغيلية لا تزال غير معلنة بالكامل.
ولا توجد حتى الآن معلومات مؤكدة تربط بصورة مباشرة بين ترتيبات أرامكو قبالة الفجيرة وبين الممر الأمريكي، ولذلك فإن وصف المسارين بأنهما عملية واحدة يظل استنتاجًا يحتاج إلى مزيد من الأدلة.
السعودية لا تراهن على طريق واحد
وتملك المملكة بالفعل بنية تحتية تمنحها قدرة أكبر من بعض دول الخليج على إعادة توجيه صادراتها. ويأتي في مقدمتها خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بعيدًا عن مضيق هرمز.
وتمنح هذه المنظومة السعودية خيارًا إضافيًا لتصدير الخام عبر البحر الأحمر، إلى جانب إمكان استخدام موانئ ومسارات أخرى، بما فيها الترتيبات المرتبطة بالموانئ المصرية.
لكن هذه البدائل لا تعني أن أزمة هرمز أصبحت بلا تأثير على السعودية؛ فالقدرة الاستيعابية للطرق البديلة أقل من إجمالي التدفقات التي تمر عادة عبر المضيق، كما أن المخاطر الأمنية والتأمين وتكاليف الشحن تظل عوامل مؤثرة.
لماذا يصعب على الكويت وقطر تكرار التجربة؟
الفارق بين دول الخليج لا يتعلق بحجم الإنتاج وحده، وإنما بالبنية التحتية وملكية الناقلات وخطوط الأنابيب ومواقع الموانئ وطبيعة الصادرات.
فالكويت، على سبيل المثال، تعتمد بدرجة كبيرة على مضيق هرمز، ولا تمتلك مسارًا بريًا مماثلًا ينقل إنتاجها إلى بحر آخر. ولذلك فإن استمرار تعطل الملاحة قد يفرض عليها تقليص الإنتاج إذا امتلأت خزانات التخزين ولم تعد الناقلات قادرة على نقل الخام إلى الأسواق.
أما قطر فتواجه تحديًا أكثر تعقيدًا بسبب اعتمادها الكبير على تصدير الغاز الطبيعي المسال. فحتى وجود خطوط أنابيب بديلة لا يحل المشكلة بصورة مباشرة، لأن الغاز المسال يحتاج إلى منشآت التسييل ثم إلى ناقلات متخصصة لنقله بحرًا.
وتكشف هذه الفوارق أن الأزمة لا تتعلق فقط بامتلاك النفط والغاز، وإنما بامتلاك سلسلة إمداد متكاملة قادرة على العمل تحت الضغط.
أرامكو تحاول حماية العملاء
الهدف الأساسي من ترتيبات التسليم خارج هرمز ليس بالضرورة زيادة صادرات السعودية، وإنما ضمان استمرار وصول الخام إلى المشترين وتقليل المخاطر التي قد تمنع شركات الشحن من دخول الخليج.
وتمنح هذه القدرة أرامكو ميزة مهمة في مواجهة الأزمة؛ فالمشتري الآسيوي يستطيع الحصول على الشحنة دون المخاطرة بإرسال ناقلته الخاصة إلى منطقة عالية الخطورة.
لكن هذه المرونة لها ثمن. فالشحنات البديلة تحتاج إلى عمليات نقل إضافية، كما أن المخاطر الأمنية ترفع تكلفة التأمين والنقل، وقد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الشحن بصورة كبيرة.
وفي المقابل، فإن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يعيد تشكيل خريطة تجارة النفط في الخليج، مع زيادة الاعتماد على النقل من سفينة إلى أخرى، وتوسيع استخدام الموانئ الواقعة خارج المضيق، وتغيير مسارات الناقلات وفقًا لمستوى المخاطر.
هرمز يظل العقدة
رغم كل هذه البدائل، فإن مضيق هرمز يظل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فقد مر عبره خلال عام 2025 ما يقرب من 19.87 مليون برميل يوميًا من النفط، وفق الأرقام الواردة في التقرير الأصلي، وكانت آسيا الوجهة الرئيسية لنحو 80% من هذه التدفقات.
ولهذا فإن أي بديل، مهما بلغت كفاءته، لا يستطيع في المدى القصير أن يحل محل منظومة هرمز بالكامل.
وتكشف التحركات السعودية والإماراتية والأمريكية أن المعركة الحالية لا تدور فقط حول فتح المضيق أو إغلاقه، وإنما حول سؤال أكثر أهمية: من يستطيع إبقاء النفط متدفقًا إلى الأسواق حتى في ظل استمرار الخطر؟
وفي هذه المعادلة، تبدو أرامكو أكثر قدرة من بعض المنتجين الخليجيين على المناورة بفضل امتلاكها شبكة من خطوط الأنابيب والموانئ والناقلات، لكن الأزمة تؤكد في الوقت نفسه أن أي اضطراب طويل في هرمز يظل قادرًا على إعادة رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية.





