الأميركيون كانوا عبيدًا في الجزائر وطرابلس

.. أسرى غيّروا نظرة واشنطن إلى العالم الإسلامي

مصادر – موقع بيان الإخبارى

في السنوات الأولى من عمر الولايات المتحدة، لم تكن الدولة الفتية تملك قوة بحرية كبيرة تحمي سفنها التجارية، ولا الإمكانات السياسية والعسكرية التي تسمح لها بفرض إرادتها خارج حدودها.

وفي مياه البحر المتوسط وشمال أفريقيا، دفع عدد من البحارة الأميركيين ثمن هذا الضعف، بعدما وقعوا في الأسر وتحولوا إلى عبيد.

ومن بين هؤلاء كان جيمس رايلي، قبطان السفينة التجارية «كوميرس»، الذي تحولت محنته إلى واحدة من أشهر روايات الأسر في القرن التاسع عشر، ثم انتقلت قصته من مجرد شهادة على العبودية إلى تأثير غير مباشر في واحد من أهم الشخصيات في التاريخ الأميركي: أبراهام لينكولن.

وتأتي هذه القصة ضمن تقرير نشره موقع «الحرة» الأمريكي في إطار سلسلة تتناول بدايات العلاقة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، وتستعرض وقائع أقل شهرة من التاريخ المشترك بين الجانبين.

من حطام السفينة إلى سوق العبيد

في عشرينيات القرن التاسع عشر، كان فتى صغير في بلدة «ليتل بيجون كريك» بولاية إنديانا يقرأ بشغف قصة قبطان أميركي تحول من بحار إلى أسير وعبد في شمال أفريقيا.

كان ذلك الفتى قد فقد والدته في التاسعة من عمره، وكانت الكتب بالنسبة إليه أكثر من مجرد وسيلة للقراءة؛ كانت نافذة على عالم واسع لم يكن يعرفه. أما الكتاب الذي وقع بين يديه، فكان يحكي تجربة جيمس رايلي، الذي تحطمت سفينته «كوميرس» بعد اصطدامها بشعاب مرجانية قبالة سواحل شمال أفريقيا.

نجا عدد من أفراد الطاقم من الغرق ووصلوا إلى الشاطئ، لكن محنتهم الحقيقية بدأت هناك. فقد وقعوا في أيدي رجال من القبائل الصحراوية، وقُيدوا وجُردوا من ملابسهم، ثم اقتيدوا عبر الصحراء سيرًا وعلى ظهور الجمال، وسط نقص شديد في الطعام والماء.

وفي الطريق، جرى فصل الأسرى عن بعضهم وبيعهم في أسواق العبيد.

تمكن رايلي في النهاية من إقناع تاجر صحراوي بشرائه وشراء رفاقه، ونُقلوا إلى الشمال، قبل أن يتمكن أوروبيون من دفع فدية لإطلاق سراحهم.

وبعد عودته، سجل رايلي تجربته في كتاب حمل عنوان «محنة في أفريقيا»، أصبح لاحقًا من أكثر روايات الأسر الأميركية انتشارًا خلال القرن التاسع عشر.

لكن قصة رايلي لم تكن استثناءً.

21 أميركيًا في قبضة القراصنة

قبل تجربة رايلي بعقود، كان جيمس كاثكارت واحدًا من أوائل الأميركيين الذين وجدوا أنفسهم أسرى في شمال أفريقيا.

ففي يوليو 1785، كانت السفينة «ماريا»، القادمة من بوسطن والمتجهة إلى قادش، تحمل شحنة من الفراء والأخشاب وسمك القد المجفف. وفي عرض البحر، اعترضها قراصنة جزائريون وأجبروها على تغيير مسارها.

وبعد أيام، استولى القراصنة على السفينة الأميركية «دوفان» أيضًا، ليصبح عدد الأميركيين الأسرى من السفينتين 21 شخصًا، بينهم كاثكارت، الذي لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة.

اقتيد الأسرى إلى الجزائر، حيث عاشوا ظروفًا قاسية، وأجبروا على العمل الشاق، وتعرضوا للعقاب بسبب مخالفات بسيطة. أما كاثكارت، فقد دفع ثمن إحدى العقوبات بفقدان عدد من أظافر أصابع قدميه.

لم تكن الولايات المتحدة في ذلك الوقت تملك القوة اللازمة للتعامل مع الأزمة. كانت دولة حديثة الاستقلال، محدودة الموارد، ولا تمتلك أسطولًا بحريًا قادرًا على حماية تجارتها أو استعادة مواطنيها بالقوة.

لذلك لجأت إلى التفاوض ودفع الأموال، فيما بقي الأسرى في الجزائر سنوات طويلة.

الأسير الذي أصبح مستشارًا للداي

لكن كاثكارت لم يستسلم.

تعلم العربية والتركية، وتحول من عامل بسيط إلى كاتب داخل السجن، واستثمر ما كان يحصل عليه من أموال في شراء حصص بحانات محلية. ومن أرباحها، تمكن من توفير الطعام والملابس والرعاية الطبية لنفسه ولعدد من رفاقه، كما دفع رشى للحراس لتخفيف أعباء العمل عنهم.

ومع مرور الوقت، أصبح أكثر من مجرد أسير؛ فقد نجح في اكتساب ثقة حاكم الجزائر، حتى تحول إلى الكاتب المسيحي الذي يعتمد عليه في المراسلات.

وفي هذه الأثناء، كانت أزمة الأسرى الأميركيين تتفاقم، خصوصًا بعد انتهاء الهدنة بين البرتغال والجزائر، وعودة القراصنة إلى استهداف السفن التجارية في المحيط الأطلسي.

وأمام تصاعد الأزمة، اضطر الكونغرس الأميركي أخيرًا إلى التحرك، وأقر بناء ست سفن حربية، في خطوة عكست إدراك الدولة الجديدة أن حماية تجارتها ومواطنيها تتطلب قوة بحرية حقيقية.

مفاوضات تنقذ الأسرى

في عام 1795، جاءت محاولة جديدة لإنهاء الأزمة عبر التفاوض، وأسندت المهمة إلى جوزيف دونالدسون، الذي استعان بالدبلوماسي الأميركي جويل بارلو.

كان بارلو شخصية غير تقليدية؛ شاعرًا وخريج جامعة ييل وقسيسًا عسكريًا خلال حرب الاستقلال، لكنه وجد نفسه هذه المرة أمام مهمة دبلوماسية شديدة التعقيد.

وفي الجزائر، استعان بارلو بجوزيف بكري، أحد أفراد عائلة بكري اليهودية الجزائرية ذات النفوذ التجاري والسياسي، وتمكن بمساعدته من توفير الأموال اللازمة لإطلاق سراح الأسرى وشراء سفينة تعيدهم إلى الولايات المتحدة.

ومن بين 21 أميركيًا وقعوا في الأسر في البداية، تمكن 12 منهم من العودة إلى وطنهم.

أما جيمس كاثكارت، فكان قد خرج من الأسر بشيء من المال والخبرة. اشترى سفينة وأبحر بها إلى فيلادلفيا، ليصل إلى وطنه وهو الذي كان عبدًا في الجزائر، ثم أصبح قائد سفينته الخاصة.

من الجزائر إلى طرابلس

بعد تسوية الأزمة الجزائرية، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام تحدٍ آخر في طرابلس، التي كانت بدورها تعرقل حركة التجارة والسفن الأميركية.

وفي عام 1796، وقعت الولايات المتحدة معاهدة طرابلس، التي هدفت إلى ضمان سلامة الملاحة والمعاملة العادلة للأسرى وحماية التجار الأميركيين.

لكن أهمية المعاهدة تجاوزت الجانب التجاري والدبلوماسي؛ فقد تضمنت صياغة لافتة بشأن علاقة الولايات المتحدة بالدين الإسلامي.

ونصت المادة الحادية عشرة، بحسب الرواية الواردة في التقرير، على أن الحكومة الأميركية ليست قائمة على الديانة المسيحية، وأنها لا تحمل عداءً لقوانين المسلمين أو دينهم أو أمنهم، وأن المعتقدات الدينية لا ينبغي أن تكون سببًا لقطع العلاقات بين البلدين.

كان ذلك إعلانًا مبكرًا عن طبيعة الجمهورية الأميركية الجديدة في تعاملها مع العالم الإسلامي، وتأكيدًا على الفصل بين الدولة والمعتقد الديني في العلاقات الخارجية.

واللافت أن هذه الفقرة اختفت بصورة غامضة من النسخة العربية للمعاهدة، وهي مسألة ظلت محل نقاش بين المؤرخين.

قصة أسر وصلت إلى أبراهام لينكولن

لم تنته آثار هذه التجارب عند حدود الدبلوماسية الأميركية في البحر المتوسط.

فالروايات التي وثقت معاناة الأميركيين الذين وقعوا في العبودية بشمال أفريقيا كشفت للأميركيين، بصورة مباشرة، قسوة نظام الاستعباد. وكان من بين من قرأوا هذه الروايات طفل صغير في إنديانا.

كان اسمه أبراهام لينكولن

كبر الصبي وكان اسمه أبراهام لينكولن، الذي قرأ قصة جيمس رايلي، وأصبح الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، ثم ارتبط اسمه بأكبر معركة سياسية وأخلاقية في تاريخ بلاده من أجل إنهاء العبودية.

وهكذا، فإن حكاية البحارة الذين تحولوا إلى عبيد في شمال أفريقيا لم تكن مجرد فصل منسي في تاريخ العلاقات الأميركية العربية، بل كانت قصة إنسانية امتدت آثارها من أسواق العبيد في الجزائر وطرابلس إلى السياسة الأميركية، ومن محنة أسرى البحر المتوسط إلى معركة تحرير العبيد في الولايات المتحدة.

طالع المزيد: أبو عبيدة يثمن تصدي المقاومة اللبنانية لمحاولات التوغل البري لجيش الاحتلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى