درس فى تنقية التراث المنسوب للإسلام: (1) الرواية والتاريخ أين تنتهي الحقيقة ويبدأ التأويل؟

دراسة يكتبها: عاطف عبد الغنى
قبل أن يعرف البشر الكتابة وتدوين الحوادث كان يتم تناقل التاريخ شفاهة، لايعايش الراوى الحدث بنفسه، ولكن يستقبل الرواية التي وصلت إليه عن هذا الحدث.
وبين الواقعة كما جرت، والرواية التي نقلتها، والقراءة التي قدمها المؤرخ أو الراوي، تكون هناك مساحة واسعة تسمح بأن تتداخل فيها الحقيقة بالرأى والتفسير، والتوثيق بالشرح والتأويل، وربما الهوى والغرض.
وعندما يتعلق الأمر بالسيرة النبوية (الشفهية) تمييزا لها عن السيرة العملية التى نقلت بالتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويصبح الأمر أكثر حساسية، حين يتم طرح السؤال الآتى: هل نتناول السيرة باعتبارها مجرد مادة تاريخية، مع رتباطها بشخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وبمرحلة تأسيسية في التاريخ الإسلامي.
وقد يبدو السؤال في ظاهره بسيطا، خاصة إذا ما طرح من خلال شخص جاهل أو فى قلبه مرض، لكن الحقيقة أن السؤال يطرح قضية شديدة التعقيد حين تفجر أسئلة أخرى مثل: هل كل ما وصل إلينا في كتب السيرة يمثل الوقائع التاريخية كما حدثت بالفعل؟ أم أن بعض ما وصلنا يمثل روايات عن تلك الوقائع، صاغها الرواة والمؤرخون في سياقات زمنية وثقافية مختلفة؟
السؤال لا يعني التشكيك في السيرة الشفهية، ولا يستهدف الانتقاص من مكانتها، وإنما يفتح الباب أمام قراءة تاريخية تحاول التمييز بين مستويات مختلفة من المادة التي وصلتنا. فهناك الحدث، وهناك من شاهده أو سمع عنه، ثم هناك من رواه، ومن جمع الروايات، ومن صنفها ورتبها، حتى وصلت إلى القارئ الذي يتلقى هذه المادة فى زمن كتابتها أو على مر العصور، أو بعد مرور مئات السنين على وقوع الحدث وتدوينه.
وهذه المسافة الزمنية تفرض على الباحث أولا سؤالًا جوهريًا: كيف أتعامل مع الرواية التاريخية؟
فالرواية القديمة ليست بالضرورة صحيحة لمجرد قدمها، كما أن الرواية المتأخرة ليست بالضرورة خاطئة لمجرد أنها جاءت بعد زمن الحدث.
المسألة ليست بسيطة على من يتصدى للتراث أو يعمل على فحصه وتمحيصه؛ إذ يحتاج الأخير إلى فحص مصادر الرواية، ومقارنتها بغيرها، ودراسة سياقها، والبحث في مدى اتساقها مع المعطيات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي أحاطت بالحدث.
والخطوات السابقة تعرف في الدراسات التاريخية الحديثة بـ “النقد التاريخي”، وهو منهج لا يتعامل مع النص باعتباره كتلة واحدة مغلقة، وإنما يحاول تفكيك طبقاته، وفهم ظروف إنتاجه ونقله، ومقارنة الروايات المختلفة حول الواقعة الواحدة، بحثًا عن أكبر قدر ممكن من اليقين التاريخي.
الفرق بين السيرة والمغازي والحديث والتاريخ
ولمزيد من الفهم، ربما يكون من الضروري التوقف قليلًا أمام طبيعة المصادر التي تشكلت منها الصورة الأخيرة التى وصلتنا من الأقدمين عن السيرة.
فالسيرة ليست كتابًا واحدًا، ولا رواية واحدة، ولا مصدرًا متجانسًا في مادته وطريقة جمعه، فقد تداخلت معها كتب المغازي (الغزوات)، والروايات الحديثية، وكتب التاريخ.
هذا غير أن المصادر المختلفة تناولت أحداثًا وشخصيات ووقائع من زوايا متعددة.
وتعدد المصادر لا يمثل في حد ذاته مشكلة للباحث؛ بل على العكس يمكن أن يثرى البحث لباحث إذا أحسن التعامل معه، فكلما تعددت الروايات، أمكن مقارنتها، والبحث في نقاط الاتفاق والاختلاف بينها، ومحاولة معرفة ما إذا كان الاختلاف ناتجًا عن تعدد طرق النقل، أم اختلاف في فهم الحدث، أم عن تطور الرواية عبر الزمن.
طالع المزيد: عاطف عبد الغنى يكتب: محمد شحرور.. (1) نكسة 67 صنعت أزمته فأسقطها على الدين
لكن الخطر يبدأ عندما نتعامل مع جميع الروايات باعتبارها ذات درجة واحدة من القوة التاريخية، أو عندما نأخذ رواية منفردة ونبني عليها تفسيرًا شاملًا لحدث معقد، أو نتجاوز الموضوعية وننتقى من الروايات (لا ننقيها) ما يناسب هوانا أو غرضنا أو مرضنا، وهذا ما يفعله أمثال عيسى وزيدان وخليل والقمنى ومن على شاكلتهم
ماذا حدث؟ وماذا رُوي عما حدث؟
ربما يكون الفارق بين السؤالين هو المفتاح الأول لفهم العلاقة بين السيرة والتاريخ.
ماذا حدث؟ سؤال المؤرخ.
أما ماذا رُوي عما حدث؟ فهو سؤال الباحث في المصادر.
وبين السؤالين مسافة لا يمكن تجاهلها.
فالمؤرخ لا يستطيع العودة إلى الماضي ليرى الواقعة بعينيه، وإنما يعتمد على الآثار والنصوص والروايات والشهادات المتاحة له. ولذلك فإن مهمته لا تقتصر على إعادة سرد ما ورد في المصادر، وإنما تمتد إلى فحص هذه المصادر نفسها.
من قال ذلك؟
ومتى قيل؟
وكيف وصل إلينا؟
وهل توجد روايات أخرى تؤيده أو تخالفه؟
وما السياق الذي ظهرت فيه الرواية؟
وهل يمكن تفسير الاختلاف بين الروايات؟
هذه الأسئلة لا تلغي الرواية، وإنما تجعلها موضوعًا للبحث.
عندما تدخل أدوات علم الاجتماع إلى قراءة السيرة
ومع تطور الدراسات الإنسانية، لم يعد المؤرخ يعتمد فقط على التسلسل الزمني للأحداث، وإنما أصبح يستعين بأدوات علوم أخرى، وفي مقدمتها علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية ودراسة الجماعات.
وهنا يتغير السؤال من مجرد: ماذا حدث؟ إلى أسئلة أكثر اتساعًا: كيف كان المجتمع الذي وقع فيه الحدث؟ كيف كانت علاقات القوة؟ ما طبيعة العلاقات بين الجماعات؟ وكيف كانت السلطة تُمارس؟ وما أثر الاقتصاد والتحالفات والانتماءات القبلية والدينية في تشكيل المواقف؟
هذه الأدوات لا تقدم بالضرورة إجابات نهائية، لكنها تساعد على وضع الرواية داخل بيئتها الطبيعية، بدلًا من قراءتها بمعزل عن الزمن والمكان والمجتمع الذي أنتجها.
ومن هنا يمكن فهم أهمية إخضاع بعض أحداث السيرة للدراسة النقدية، لا بهدف إصدار أحكام مسبقة عليها، وإنما بهدف الوصول إلى قراءة أكثر تركيبًا وأقل اعتمادًا على التفسير الأحادي.
«صحيفة المدينة».. عندما يصبح النص وثيقة
وتبدو صحيفة المدينة مثالًا مهمًا على هذا النوع من البحث؛ فهي لا تقدم فقط مادة تتعلق بالعلاقة بين المسلمين وغيرهم في المدينة، وإنما تفتح نافذة على طبيعة المجتمع الذي تشكل بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؛ وعلى الطريقة التي جرى بها تنظيم العلاقات بين جماعات متعددة داخل إطار سياسي واجتماعي واحد.
لكن الأهم أن هذه الأسئلة يجب ألا تقود الباحث إلى نتيجة مسبقة؛ فالمنهج التاريخي يبدأ من النص والمصادر، ثم ينتقل إلى التحليل، لا العكس.
بنو قريظة.. اختبار المنهج
وربما لا يوجد مثال آخر أكثر حساسية، على صعوبة الفصل بين الرواية والتفسير من واقعة صدام المسلمين خلال وعقب غزوة الخندق مع قبيلة بني قريظة اليهودية التى سكنت المدينة.
وهذه الواقعة تحتل مكانة بارزة في روايات السيرة، لكنها في الوقت نفسه أصبحت موضوعًا واسعًا للجدل، خصوصًا عند تناول تفاصيلها وأسبابها ونتائجها.
وهنا لا يكفي أن نسأل: هل وقعت الواقعة؟
بل يجب أن تتسع دائرة الأسئلة: ما المصادر التي نقلتها؟ وما أقدم الروايات المتاحة عنها؟ وهل تتفق الروايات في تفاصيلها؟ وكيف تعامل معها المؤرخون عبر العصور؟ وما الذي يمكن إثباته من الناحية التاريخية، وما الذي يدخل في تفسير الحدث وتأويله؟
وهنا تحديدًا تظهر أهمية التمييز بين الواقعة التاريخية وبين الصورة التي تشكلت حولها عبر الرواية والتفسير، فقد يكون أصل الحدث ثابتًا بدرجة معينة، بينما تظل بعض تفاصيله أو تفسير دوافع أطرافه المشاركة فيه محل بحث ونقاش.
وهذه قاعدة لا تخص السيرة وحدها، وإنما تنطبق على التاريخ الإنساني كله.
الحقيقة التاريخية.. هل يمكن الوصول إليها كاملة؟
وربما يكون من أكثر الأخطاء شيوعًا في التعامل مع التاريخ الاعتقاد بأن الباحث يستطيع دائمًا الوصول إلى صورة كاملة ونهائية للماضي، فالتاريخ لا يمنحنا الماضي كما كان، وإنما يمنحنا ما تبقى منه.
ولهذا فإن الباحث الجاد لا يدعي امتلاك الحقيقة كاملة، بل يحاول الوصول إلى أكثر الروايات ترجيحًا استنادًا إلى الأدلة المتاحة، مع الاعتراف بمناطق اليقين ومناطق الاحتمال.
وهنا تصبح كلمة «التأويل» شديدة الأهمية، فالتأويل ليس بالضرورة اختلاقًا أو تزويرًا؛ فقد يكون محاولة لفهم دلالة الحدث أو تفسير دوافع الفاعلين فيه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التأويل إلى حقيقة قطعية، أو عندما تُقرأ واقعة تاريخية قديمة بأدوات ومفاهيم سياسية واجتماعية معاصرة دون مراعاة اختلاف الأزمنة.
لا نقد بلا إنصاف.. ولا رواية بلا فحص
ولذلك فإن قراءة السيرة بين الرواية والتاريخ تحتاج إلى قدر كبير من التوازن.
فكما أن التسليم بكل رواية دون فحص قد يؤدي إلى إعادة إنتاج صورة غير دقيقة للماضي، فإن رفض الروايات لمجرد أنها لا تتفق مع تصور معاصر قد يقود إلى النتيجة نفسها ولكن في الاتجاه المعاكس.
وبين الطرفين توجد منطقة ثالثة هي البحث.
بحث يسأل، ويقارن، ويفحص، ويفرق بين النص وتفسير النص، وبين الواقعة والرواية عنها، وبين ما يمكن إثباته وما يظل في دائرة الاحتمال.
ومن هذه النقطة يمكن أن نبدأ قراءة أكثر اتساعًا للسيرة النبوية، لا باعتبارها مجرد مجموعة من الأحداث المتتابعة، وإنما باعتبارها أيضًا مادة تاريخية تشكلت عبر الرواية والنقل والتدوين والتفسير.
وهنا نصل إلى السؤال الذي سيكون مدخلنا في الحلقات المقبلة:
عندما انتقل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كيف تشكلت علاقته بالجماعات اليهودية الموجودة فيها؟ وما الذي تقوله المصادر عن هذه العلاقة؟ وأين تقف الرواية عند حدود الحدث، وأين يبدأ تفسير المؤرخ والباحث؟
من هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة للجدل:





