عاطف عبد الغنى يكتب: محمد شحرور.. (1) نكسة 67 صنعت أزمته فأسقطها على الدين

بين القرآن والسنة والتراث.. أين يقف مشروع شحرور؟

موقع بيان الإخبارى:

عندما استمعت إليه للمرة الأولى، واطلعت على بعض كتاباته، قفز إلى ذهني بإلحاح تصور بأن هذا الشخص لا يتوجه بحديثه، ولا يفتي، إلا لطبقات محددة موجودة ومنسوبة إلى المجتمع الإسلامي.

طبقات غريبة، ومتغربة، ومنسحقة ثقافيا وتالفة أخلاقيا تحت ضغط  الغريزة وأمام مغريات، وأقرب إلى تصوراتنا عن رواد وسكان الساحل الشمالي الشرير، الذين تجاوز بعض أفرادهم حدود الرفاهية المعتادة، ولا يعنيهم من الحياة إلا تحصيل «اللذة»، ولا تحكمهم الحدود الدنيا من أطر القيم الدينية أو الأعراف الأخلاقية المجتمعية التي تحكم مؤسسة الأسرة (عمود خيمة المجتمع)، ولا تعني أفراد هذه الطبقة مفاهيم العفة والحلال والحرام، أو على الإجمال تلك القيم التي تحكم المسلم في وسطيته واعتداله.

محمد شحرور
محمد شحرور

من هو شحرور؟

في عجالة.. يطيب للسوري محمد بن ديب شحرور (اسم الشهرة محمد شحرور ومولود فى 11 أبريل 1938) أن يقدم نفسه بالقول إنه مهندس مدني، وإن تفكيره رياضي، وإنه بعد نكسة 5 يونيو 1967 اكتشف أن هناك مشكلة كبيرة في العقل العربي والتفكير الإسلامي، وبما أن هذا المجتمع متدين، بدأ يدرس الدين، ونال شهرته تحديدا بعد أن أصدر عام 1990 كتابه المعنون بـ : «الكتاب والقرآن قراءة معاصرة» مدعيا إنه قدَّم فيه تفسيرا جديدا للقرآن مخالفا المعهود في كتب التفسير، وزاعما أنه وصل إليه من نظرات عصرية في اللغة العربية، وبعد هذا التاريخ توالت المؤلفات والأحاديث فأثارت لغطًا شديدًا استمر حتى بعد وفاته( فى 21 ديسمبر 2019 عن عمر ناهز 81 عاما) وإلى اليوم، (نقطة ومن أول السطر).

ما سبق يلخص بدقة نقطة التحول المركزية في حياة شحرور، ويشكل مفتاحًا أساسيًا لفهم دوافعه ومنهجه والأزمة النفسية والمعرفية التي انطلق منها، والتى تتلخص فى الأسباب التالية:

أولًا: الخلفية والمنطلق

تأثر شحرور، «المهندس ذو التفكير الرياضي»، بتكوينه الأكاديمي كمهندس مدني درس في الاتحاد السوفيتي، وتحديدًا في موسكو، وجاءت محاولته لتفسير الدين من هذا المنطلق، أي من خلال العقلية الهندسية؛ فتعامل مع النص القرآني باعتباره «بنية هندسية» أو معادلة رياضية مغلقة، معتقدًا أن كل كلمة في القرآن لها دلالة رياضية دقيقة لا تحتمل الترادف، أي لا توجد كلمتان بمعنى واحد، مثل «الكتاب و القرآن»، «والزوج والبعل» إلخ،

ثانيًا: صدمة نكسة 1967

شكلت النكسة العسكرية للعرب عام 1967 لشحرور، وخاصة لليبراليين واليساريين العرب في ذلك الوقت، صدمة وجودية، واعتبروا أن الهزيمة لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت دليلًا على «عقم العقل العربي» السائد.

وعلى هذه الخلفية رأى شحرور أن هذا العقل تشكل تاريخيًا بناءً على فهم معين للدين، ممثلًا في الفقه الموروث، فقرر الأخير تفكيك هذا الفهم.

وهنا يبرز سؤال: هل كانت نكسة 1967 «مفتاحًا» أم «عقدة» للهزيمة في فكر شحرور ونظرته إلى الدين؟

يرى النقاد والمحللون أن نكسة 1967 كانت بالفعل «المحرك والعلة الإبداعية»، بالمعنى النفسي والمعرفي، لمشروع شحرور كله، ويمكن قراءة تأثيرها من زاويتين.

الأولى، وهي زاويته الشخصية وزاوية المؤيدين له، وترى أن الهزيمة كانت «مفتاحًا» للاجتهاد، وأنها شكلت مفتاحًا للتحرر أشبه بثورات عصر التنوير الأوروبى وعامل يقظة، وأنها كسرت الصمام وجعلته (شحرور) يدرك أن المنظومة الفكرية التقليدية غير قادرة على مواجهة الحداثة الليبرالية أو حماية المجتمعات.

ومن ثم قادته الصدمة إلى محاولة إيجاد «إسلام معاصر» يتوافق مع العلوم الحديثة وحقوق الإنسان، والتخلص من «فقه الهزيمة والانكسار»، والانتقال إلى فقه يواكب حركة التاريخ، (أيضا من وجهة نظره).

العقدة

ومن زاوية أخرى، رأى النقاد من عموم علماء الشريعة والمؤرخين الفكريين أن النكسة شكلت «عقدة نقص معرفية» لدى شحرور، حكمت على مشروعه بالانحراف، وذلك لعدة أسباب، تتمثل في الآتي:

وانطلق شحرور من شعور بالهزيمة أمام الغرب وحداثته، فحاول «تطويع» النص القرآني ليتناسب قسرًا مع القيم والمفاهيم الغربية المعاصرة، لإثبات أن الدين ليس سبب التخلف، وإنما جهل المسلمين على مر العصور بالدين الإسلامى هو السبب.

وبدلًا من فهم القرآن بأدواته الذاتية، مثل اللغة وأسباب النزول والسياق، أسقط شحرور عليه مفاهيم القرن العشرين، كالليبرالية والماركسية والوجودية، بأثر رجعي، وشرّع مشرط اللغة – وهو جاهل بها – يطعن فى كلام الله، وهو يظن أنه يدواى جروح الجهل به.

شحرور فخور بترجمة أحد كتبه للإنجليزية
شحرور فخور بترجمة أحد كتبه للإنجليزية

الخلط بين التراث والدين

وجعل شحرور «الفقه والتراث» المتهم الأول في الهزيمة العسكرية أمام الأعداء، فقام بإلغاء القواعد الأصولية المستقرة دون بديل علمي متماسك، بل بناءً على رغبة في التجديد السريع والسطحي لتعويض الشعور بالانكسار الحضاري.

ومن رحم نكسة 1967، أي من «الرحم النفسي»، ولد فكر شحرور، فجاءت أزمة إحساسه بالهزيمة مفتاحًا لرغبته في التغيير، لكنها تحولت إلى عقدة وجهت اجتهاده نحو «تغريب» الأحكام الشرعية ولي أعناق النصوص لتلائم العصر، بدلًا من تقديم تجديد أصيل ينبع من داخل علوم الشريعة نفسها.

آراء شحرور الفقهية

تركزت آراء محمد شحرور الفقهية على إعادة تعريف المحرمات والأحكام الشرعية، بناءً على منهجه الخاص في تفسير النص القرآني، وهذا المنهج لم يبتدعه من فراغ، وإنما اقتبس أدواته من التراث الإسلامي، ثم راح يتوسع في تفسيراته وتأويلاته لألفاظ القرآن (سوف نوضح لاحقًا من أين اقتبس شحرور أدواته)، لكن دعونا أولًا نشير إلى أبرز الآراء التي طرحها، وتتمثل في الآتي:

– دعا شحرور إلى نسف تراث الفقهاء والأئمة، كالمذاهب الأربعة والبخاري ومسلم، معتبرًا أن الفقه الإسلامي التراثي أصبح بمثابة «كهنوت» يجب التخلص منه، والعودة مباشرة إلى النص لتفكيكه وإعادة قراءته بمعزل عن الموروث.

-زعم شحرور أن «النبي» هو شخص يخبر عن الغيب ويخصه الله بأحكام تخص زمانه، بينما «الرسول» هو حامل الرسالة العالمية.

واعتبر أن كثيرًا من تشريعات النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي تشريعات تاريخية تخص عصرها وليست ملزمة لكل العصور.

– رفض شحرور حجية السنة النبوية في التشريع، واعتبر أن القرآن وحده هو المصدر الكامل، وأن ما ورد عن النبي كان فهمًا وتطبيقًا بشريًا لزمنه، وهو ما أثار انتقادات واسعة باعتبار أن هذا الموقف يمثل طعنًا في حجية السنة.

– نظرية الحدود.. أو الحد الأدنى والأقصى، ويرى شحرور أن الأحكام الإلهية تضع حدودًا، أو «سقفًا وأرضية»، للممارسات البشرية، ويتحرك التشريع البشري بين هذين الحدين دون حرج.
– تغير الأحكام، وفي هذا الصدد، قال إنه يجوز للمجتمعات سن قوانين متغيرة حسب العصر، طالما لم تتجاوز هذه الحدود.
– العبادات والصلاة، ويرى شحرور أن مفهوم الصلاة في القرآن يعني «الصلة» والدعاء، وليست محصورة في الحركات المعهودة من ركوع وسجود.
– إسقاط الإجماع، ورفض شحرور تفاصيل العبادات المستمدة من السنة النبوية والإجماع الفقهي.

– المرأة والأسرة، وفي تناوله لأحكام الشرع المتعلقة بالمرأة والأسرة، رفض الشكل المتعارف عليه لحجاب المرأة، ورأى أن اللباس الشرعي للمرأة يقتصر على تغطية الجيوب، أي الفتحات في الجسم، ولا يشمل الرأس أو الوجه أو الأطراف.

واعتبر أن آيات الخمار واللباس جاءت لمعالجة سياق اجتماعي وتاريخي محدد يتعلق بالتمييز بين الحرة والأمة.

كما فسّر شحرور نظام الميراث من خلال آيات المواريث بطريقة حسابية تجعل حصة المرأة متغيرة، وليست نصف حصة الرجل دائمًا.

  • العلاقات والأنساب.. وأجاز في العلاقات والأنساب أشكالًا من العلاقات بين الجنسين خارج إطار عقد الزواج التقليدي، بناءً على قراءته لمفهوم «ملك اليمين»، مجيزًا ما يُعرف بـ«المساكنة» بين الرجل والمرأة برضاهما، ودون إشهار أو الشروط الفقهية المعتادة، إذا انتفت شبهة الإكراه.

  • حصر المحرمات وإباحة المحظورات.. وحصر شحرور المحرمات في الإسلام في عدد قليل جدًا، قال إنها وردت في آيات محددة جاء فيها لفظ التحريم صريحًا، «حرّم»، محددا المحرمات بـ14 محرمًا فقط، مدعيًا أنها المحرمات القطعية في القرآن، مثل الشرك وقتل النفس والزنا وعقوق الوالدين.

واعتبر أن ما سواه مما حرمه الفقهاء عبر التاريخ، كالخمر ببعض مفاهيمها أو أشكال اللباس، يخضع لتغير المجتمعات والتشريعات الوضعية.

وفي المقابل، أباح المحظورات بناءً على حصره للمحرمات، ولم يرَ حرمة لكثير من الأمور التي أجمع العلماء على تحريمها عبر القرون.

أمثلة على منهج شحرور

وفي مناظرة تلفزيونية أذيعت على احدى الفضائيات، أوضح أحد المتناظرين وهو الدكتور عبد الغني هندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية؛ التناقض الذي رآه واضحا في منهج شحرور قائلا إنه من ناحية، يتحدث (شحرور) عن القطيعة مع التراث، ومن ناحية أخرى – عندما يأتي إلى بناء منهجيته في تفسير النص القرآني – يستخدم أدوات موجودة أصلًا في التراث، استقاها من علماء أجلاء، أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي، وثعلب الكوفي، وعبد القاهر الجرجاني، وهي كلها أدوات موجودة في التراث وليست مستحدثة.

وقال د. هندي إن الخليل بن أحمد الفراهيدي من أعمدة التراث اللغوي، وتُدرس مناهجه حتى اليوم، أما ثعلب الكوفي، فهو من أعلام مدرسة الحديث واللغة، وكان تلميذًا لابن الأعرابي، ويرتبط بمدرسة الإمام أحمد بن حنبل، وله إسهاماته في علم الحديث واللغة.

وأما عبد القاهر الجرجاني، فهو شافعي المذهب، وصاحب نظرية النظم التي استفاد منها شحرور في منهجه.

وطرح د. هندي سؤالا كاشفا: كيف يقول شحرور إنه أمام قطيعة كاملة مع التراث، بينما أدوات المنهج (وليس النتائج) الذى يستخدمه هى نفسها مستمدة من التراث؟

السنة النبوية وتغيير القبلة

وهناك نقطة أخرى مهمة أوضحها د. هندي وتتعلق بموقف شحرور من السنة والوحي، وفى هذا الصدد قال د. هندى:

” خذ مثلًا مسألة تحويل القبلة. فالقرآن يقول: «وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه» [البقرة 143]، والثابت أن المسلمين كانوا يتجهون إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام.

والسؤال هنا: أين ورد في القرآن النص الذي يأمر المسلمين في البداية بالتوجه إلى بيت المقدس؟

وأضاف أن القرآن ذكر تحويل القبلة، فى قول الله تعالى: «قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام» [البقرة: 144].

والمثالان السابقان كما يرى د. هندي يؤكدان أن هناك أمورًا أوحي بها إلى النبي خارج القرآن المتلو.

وواصل د. هندى متسائلا: كيف نفسر أمورًا تشريعية لم يرد تفصيلها في القرآن؟

خذ مثلًا الصلاة والزكاة، فالقرآن يقول: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون» [ النور: 56].

وهذه آية محكمة، لكنها لا تقدم التفصيل الكامل لهيئة الصلاة وعدد ركعاتها وكيفيتها، فمن أين عرف المسلمون كيفية الصلاة؟

يجيب د. هندي بأن المسلمين عرفوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتقلت إليهم بالتواتر جيلًا بعد جيل.

العبادة والشعائر

وواصل د. هندي شرحه، متناولًا مسألة أخرى تتعلق بالتمييز بين العبادة والشعائر، وفي هذه المسألة، كان يرد على مناظره الذي يقول إن: «الصلاة والصيام والزكاة والحج من الشعائر، وليست هي العبادة بمعناها الذي يطرحه القرآن».

واستشهد مناظره بالآية التى وردت في سورة يس: «ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم» ().

وقال إن العبادة هنا مرتبطة بالالتزام بأوامر الله واجتناب محرماته، وليست مجرد أداء الشعائر، ورد عليه د. هندي بالقول: لا يمكن الفصل بهذه الصورة بين العبادة والشعائر، ثم القول إن الصلاة والصوم والزكاة ليست عبادات بالمعنى القرآني، (انتهى الاقتباس من المناظرة).

وحول هذه النقطة الأخيرة أضيف من عندى أن مفهوم العبادة أوسع وأشمل، ويشمل في رحابه الشعائر، معتبرًا أن هذا هو الصواب، وليس التفريق الصارم بين اللفظين من حيث المفهوم

الفصل بين «السنة الرسولية» و«السنة النبوية»

وعلى خلفية مما سبق، أثار شحرور كثير من الجدل حين ألقى تصورا من عنده ميز فيه بين «السنة الرسولية» و «السنة النبوية» معتمدا على منهجه القائم على رفض الترادف في الألفاظ القرآنية، ومن ثم التمييز بين صفتي محمد صلى الله عليه وسلم، بوصفه «رسولاً» و بوصفه «نبياً».

وقال شحرور إن السنة الرسولية ترتبط بمحمد صلى الله عليه وسلم باعتباره رسولاً مبلّغاً عن الله، وتشمل ما يتصل بالقرآن، ولا سيما آيات الأحكام والعبادات والمحرمات والقيم الأخلاقية التي يراها ذات طابع مطلق وعالمي.

وبحسب تصوره هذا فإن ما يندرج في إطار الرسالة يتمتع بالثبات والإلزام، وتكون طاعة الرسول فيه طاعة لله وتشريعاً إلهياً واجب الاتباع.

في المقابل، يميز شحرور بين ما سبق وبين السنة النبوية التي يربطها بمحمد صلى الله عليه وسلم، باعتباره نبياً عاش في بيئة وزمن محددين، ويرى أنها تشمل جوانب من حياته اليومية، وأساليب الإدارة والسياسة، والتطبيقات العملية للأحكام، فضلاً عن بعض أنماط اللباس والطعام والقرارات العسكرية والسياسية.

وبناء على هذا التقسيم، يعتبر شحرور أن الجانب النبوي من أفعال الرسول وسلوكه كان مرتبطاً بظروف عصره ومجتمعه، ومن ثم لا يكون ملزماً للمسلمين في العصور اللاحقة بالضرورة، وإنما يمثل ـ وفق رؤيته ـ اجتهاداً مرحلياً استجاب لظروف القرن السابع الميلادي.

انتقادات واسعة لهذا التصور

وواجه هذا التقسيم انتقادات من جانب علماء وباحثين ومفكرين إسلاميين، رأوا فيه فصلاً غير منضبط بين جوانب شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، بما قد يؤدي ـ بحسب منتقديه ـ إلى تقليص حجية السنة النبوية في التشريع.

ويستند المنتقدون، في جانب من ردودهم، إلى مفهوم الأسوة الحسنة الوارد في القرآن، وإلى ما يرونه من صعوبة عملية في وضع حد فاصل بين ما صدر عن النبي باعتباره «نبياً» وما صدر عنه باعتباره «رسولاً»، خصوصاً في العبادات التي وصلت تفاصيلها العملية إلى المسلمين عن طريق سنته.

ويطرح هؤلاء مثال الصلاة باعتبارها نموذجاً لهذه الإشكالية؛ فالقرآن يأمر بإقامتها، لكنه لا يورد في مواضع الأمر بها جميع تفاصيل عدد الركعات وهيئات الأداء ومواقيته، بينما نقل المسلمون هذه التفاصيل من فعل النبي ﷺ وتعليمه.

ومن هنا يرى منتقدو شحرور أن الفصل الصارم بين «السنة النبوية» و«السنة الرسولية» يصطدم بتداخل الصفتين في الواقع التشريعي والعملي، ويجعل تحديد ما هو ملزم وما هو غير ملزم خاضعاً لاجتهاد المفسر نفسه.

كما انتقد بعض علماء الشريعة هذا التصور من زاوية أخرى، معتبرين أن شحرور يستخدم ثنائية «النبي» و«الرسول» لإعادة رسم حدود السنة النبوية، وصولاً إلى تقليص مساحة الأحاديث المتعلقة بالأحكام والتطبيقات الفقهية، وجعل القرآن المرجعية المنفردة في بناء التشريع.

السؤال الذي يظل مطروحاً

وتبقى الإشكالية المركزية في هذا الجدل: هل يمكن بالفعل الفصل بصورة دقيقة بين ما صدر عن النبي ﷺ باعتباره «رسولاً» وما صدر عنه باعتباره «نبياً»، ولا سيما في المسائل التي تجمع بين النص القرآني والتطبيق العملي؟

وهنا يستند منتقدو شحرور إلى أن كثيراً من العبادات والأحكام لم ترد تفاصيلها في القرآن منفردة، وإنما عُرفت للمسلمين من خلال السنة النبوية التي نقلت كيفية تطبيقها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي يرونه دليلاً على تداخل الوظيفة النبوية والرسالية، لا انفصالهما على النحو الذي يطرحه شحرور.

……………………………………………………………………………………………………………..

انتظرونا: “محمد شحرور (2).. بيضة الديك وترزى النساء

……………………………………………………………………………………………………………..

طالع المزيد: عاطف عبد الغنى يكتب: التفسير الشيوعي للإسلام.. جناية خليل عبد الكريم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى