عاطف عبد الغنى يكتب: التفسير الشيوعي للإسلام.. جناية خليل عبد الكريم
بيان
صراع الطبقات هو «المحرك الأساسي للتاريخ» في الفكر الشيوعى “الماركسي”؛ ومفاده أن كل التطورات والحروب والقوانين عبر التاريخ ليست مجرد أفكار مجردة أو حوادث تقع صدفة، بل هي انعكاس لصراع دائم على الثروة والسلطة، وهناك نظرية وضعها رائدا الشيوعية كارل ماركس، وفريدريك إنجلز، تفترض أن الظروف الاقتصادية والمادية هي الأساس الذي يحدد تطور المجتمع البشري.
وانطلاقاً من هذه القناعة، والمفاهيم الذهنية التي تملكت من عقل المحامي الماركسى الراحل خليل عبد الكريم

— الذي أُطلق عليه وصف «الشيخ» لخلفيته الأزهرية، و«الأحمر» لاعتناقه الأيديولوجية الشيوعية — راح الأخير يبحث عن تفسير مادي للفترة التاريخية التي اكتنفت الرسالة المحمدية.
حاول عبد الكريم إثبات أن الإسلام والقرآن هما نتاج طبيعي للبيئة الجاهلية وثقافة قريش، وليس وحياً سماوياً عابراً للزمان والمكان، وعمل بكل جهد على تفكيك البيئة الحاضنة للإسلام عبر كتبه مثل كتابى: «قريش من القبيلة إلى الدولة» و«فترة التكوين في حياة الصادق الأمين»، مستخدماً أدوات التحليل السوسيولوجي «المادي والاجتماعي»، ومسقطاً إياها قسراً على المجتمع الحاضن للرسالة إبان الحقبة التي سبقت وعاصرت ولحقت فترة الوحي.
كيف يستقيم؟
وهنا لا بد أن يبرز سؤال جوهري هو: كيف تستقيم البيئة الاجتماعية التي استقبلت الرسالة المحمدية في مكة والمدينة — وهي بيئة قبلية رعوية وتجارية — مع “الصراع الطبقي” الماركسي الكلاسيكي (عمال ضد بورجوازية)؟
الإجابة عند الشيوعيين واليساريين العرب هي إمكانية إخضاع الواقع للمنهج أو إعادة تأويله ليدخل في أطره قسراً، إثباتاً لصحة مقولات ماركس ولينين.
وسبق وأن حاورتُ بعضهم في تحولاتهم الفجائية (180 درجة) من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، فى حقبة التسعينيات من القرن العشرين، خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي (أوائل التسعينيات) وانهزام النظرية؛ حيث اندفع أغلبهم إلى بحر اليمين الليبرالي بوصفه الفسطاط الفائز بالجوائز.
وحين تسأل أحدهم عن سبب التحول، يجيب دون خجل: “مجرد إعادة حسابات”، لقد أوجدوا لأنفسهم مبررات لتغطية التحول النفعي البرجماتى البحت والسعي نحو المكاسب والمناصب، وطوبى لأصحاب المبادئ المخدوعين منهم.
عودة للشيخ الأحمر
نعود للـ «الشيخ الأحمر»؛ وسبب الاهتمام به وبما طرحه يعود إلى أن طائفة من مدّعي التنوير الأخيرين الذين شغلوا الساحة بآرائهم السطحية وتجرؤهم على الشريعة، وإعمالهم معول الهدم في السيرة والسنة والصحابة، خرجوا بالأساس من عباءته.
انطلق عبد الكريم في كتاباته عن الإسلام وبيئته الأولى ليس من مرتكز صراع الإيمان مقابل الشرك، بل من منطلق أنه صراع بيئة اقتصادية واجتماعية، جاعلاً هذا الصراع محركاً للأحداث بدلاً من البعد الروحي العقدي.
وبتوضيح أكثر، رأى البعثة «ثورة اجتماعية وسياسية واقتصادية» غيّرت البنية القبلية الحاكمة وأعادت توزيع القوة والثروة، ولذلك كانت أولى خطواته محاولة نفي الصبغة الدينية عن الفترة السابقة للبعثة.
تلخيص رؤيته
ويمكن تلخيص رؤيةعبد الكريم التي وردت في مؤلفاته الثلاثة المعنونة بـ («قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية»، «دولة يثرب»، و «فترة التكوين في حياة الصادق الأمين») عبر 4 أبعاد كالتالى:
البعد الأول (الأوليجاركية التجارية):
حسب رؤيته فأن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكة إبان ظهور الإسلام كانت تخضع لسلطة «الملأ من قريش»، وهي شبكة من كبار التجار احتكرت الثروة عبر تجارة «الإيلاف» و «رحلتي الشتاء والصيف» ونفوذ رعاية الكعبة.
وبرأيه أن قريش تحولت إلى «أرستقراطية تجارية» خلقَت طبقية حادة بين أثرياء مكة ومستضعفيها.
وحاول عبد الكريم إثبات أن الدعوة لم تكن مجرد مواجهة بين فقراء وأغنياء؛ لأن الرعيل الأول من المسلمين ضم أثرياء كأبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ومن ثَمَّ فالمعادلة برأيه كانت «سلطة احتكارية مدافعة عن مكتسباتها» مكونة بالأساس من كبار كفار قريش، ضد «حركة تجديدية تكسر الاحتكار» المسلمين الأوائل.
البعد الثاني (تأثير اليسار الإسلامي):
تأثر الشيخ الأحمر بموجة «الإسلام اليسارى» التي انتشرت في النصف الثاني من القرن العشرين والتى حاولت قراءة رسالة الإسلام بلغة العدالة الاجتماعية، وهكذا رأى عبد الكريم أن الإسلام الأول جاء ببرنامج انحاز للمهمشين (الموالي، والعبيد، والنساء، والأيتام) وحارب الربا واكتناز المال، متتبعاً هذا الانحياز لتفسير سرعة انتشار الدعوة.
البعد الثالث «أنسنة» التاريخ:
عمل الشيخ الأحمر على تفكيك القراءة التنزيهية للتاريخ الإسلامي (وهو نفس ما يفعله يوسف زيدان وإبراهيم عيسى)، ليروج إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة استغلوا التوازنات القبلية وحماية بني هاشم، وداروا مع المصالح الاقتصادية لترسيخ دولتهم.
البعد الرابع (تفسير موقف قريش):
وفى تحليله لموقف زعماء مكة المشركين (كأبي سفيان وأبي جهل) حاول الجزم بأن مشكلتهم لم تكن مع التوحيد كفكرة فلسفية، بل كان خوفهم إستراتيجياً واقتصادياً؛ وأن إسقاط الأصنام كان يعنى لهم انهيار موسم التجارة وضرب مركزية مكة.
وقد فتش عبد الكريم في المادة التراثية وأعاد ترتيبها لخدمة فرضياته السابقة، وهو المنهج ذاته الذي اتبعه اللاحقون من خلال قراءات انتقائية للتراث للوصول إلى نزع القداسة عن الصحابة والتابعين وحبس النص المقدس.
ومنهم مَن راح يؤول النص القرآني ليخرج بأحكام تتصادم مع قطعيّات الشريعة، كما فعل المهندس محمد شحرور، (لنا معه وقفة أخرى).
تفكيك إنتاج «الشيخ الأحمر» والخلل المنهجي
سقط خليل عبد الكريم ومن سار على دربه في خطيئة منهجية كبرى تمثلت في نقل أدوات نقد «الكتاب المقدس» الغربية إبان ما سمى بـ “عصر التنوير” فى أوروبا وإسقاطها على النص الإسلامي.
ومن أبرز معالم الخلل المنهجي فى طرح عبد الكريم 3 أمور هى كالتالى:
1- إسقاط المناهج الغربية وتغييب الإعجاز:
حاول هذا التيار تطبيق مناهج نشأت في بيئة أوروبية مسيحية كالهرمنيوطيقا (علم وفن تأويل وفهم النصوص)، و التفكيكية (تفكيك البنى الثابتة والمسلمات المطلقة في النصوص)، والمادية التاريخية (سبق وأن شرحناها)، وإسقاط تللك المناهج على التراث الإسلامي، فاختزلوا المطلق الذى هو (الوحي) داخل النسبي الذى هو (التاريخ والبيئة)، وجعلوا النص مجرد إفراز لبيئة قريش، متجاهلين الطفرة التشريعية والأخلاقية التي نقلت العرب من الشتات القبلي إلى تنظيم الأمة الحضاري.
2- الانتقائية العبثية في التعامل مع الرواية:
تعامل عبد الكريم مع كتب السير والتاريخ بانتقائية حادة؛ حيث يعلن رفضه لكتب التراث والأحاديث بدعوى أنها كتبت متأخرة في العصر العباسي ولا يُعتمد عليها، وفي ذات الوقت يستدعي من هذه الكتب نفسها روايات شاذة أو ضعيفة ليأخذ بها ويبني عليها نظريات ضخمة ما دامت تخدم فرضيتة في تفكيك السيرة.
3- قصور البضاعة في أصول الفقه:
وتصدى عبد الكريم للتشريع دون دراسة عميقة لـ «علم أصول الفقه» — وهو العلم المنهجي الذي يضبط استنباط الأحكام، وفى هذا الصدد تعامل مع النصوص بهواية فكرية سطحت قواعد العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، وانتهى في كتاباته المتأخرة إلى سجال شعبوي يهدف إلى الصدمة والإثارة.
وكانت النتيجة أن العيوب المنهجية الجسيمة التي سقط فيها «الشيخ الأحمر» نالت من مصداقيته العلمية، وفرغّت طرحه من الرصانة العلمية، فبدا كمعزوفة رديئة للحن ساذج لم يخدم التنوير ولا صادف التجديد عند الإسلاميين، ولا استقام مع مناهج الشيوعيين.. وحسابه فى النهاية عند الله.





