سمر يس تكتب: أثرٌ لا يُرى.. وحياةٌ تتبدّل
بيان
يمرّ في حياتنا آلاف العابرين، نبحر في لُجّة الأيام مع شتى الأطياف والأنماط من البشر؛ منهم من يمرّ كأنه لم يكن، كظلّ خاطف لم يترك وراءه حفيفاً ولا صدى، ومنهم من يضع في أرض روحك غرسةً طيّبة، يمرّ بك فيغير فيك شيئاً، ويترك في مجرى حياتك عيناً من النور لا تنضب.
إن تلك “البصمة” التي نتركها في أفئدة من نتعامل معهم ليست مجرد انطباع عابر أو ذكريات تُروى، بل هي عمقٌ إنساني أصيل، ومسؤولية أخلاقية نؤديها دون أن نشعر. البصمة ليست بالضرورة إنجازاً مدوياً أو تحولاً درامياً؛ إنها قد تكون كلمة طيبة في لحظة انكسار، أو إنصاتاً صادقاً لروحٍ تعبت من الصمت، أو ربما إيماناً يابساً أحبيته في قلب أحدهم حين كاد ييأس من نفسه.
كثيراً ما نستهين بأثر كلماتنا ونظراتنا، بل وحتى بابتسامتنا الصافية في وجوه الآخرين. غير أن الواقع يخبرنا أن الإنسان كائنٌ يتأثر ويؤثر، يحمل في طيات تعاملاته “عدوى إيجابية” قادرة على إعادة تشكيل نظرة الآخر للحياة. كم من شخصٍ استعاد ثقته بذاته لأن أحدهم قال له بثقة: “أنت قادر”؟ وكم من روحٍ أصلحت مسارها لأنها التقت بشخصٍ يفيض بالقيم، فصار لها القدوة دون أن ينطق بكلمة واحدة؟
إن أحسن ما يُهديه المرء للعالم هو أن يكون “سبباً في التغيير للأفضل”. أن تدخل حياة الناس فتبني ولا تهدم، تُرمم الشرخ ولا تُوسّعه، وتمنح الأمل بدلاً من إشاعة التذمر. أن تجعل كل من صافحك، أو حادَثك، أو رافقك في محطةٍ ما، يخرج من تجربته معك وهو يحمل قناعة جديدة، أو طاقة أنقى، أو رغبة صادقة في أن يكون هو الآخر نسخة أفضل من نفسه.
في نهاية المطاف، سيزول كل شيء؛ ستتوارى الألقاب، وتتلاشى المناصب، وتُمحى التفاصيل اليومية الصغيرة. لن يبقى سوى ذلك “الأثر” الذي انغرس في قلوب من حولك. البصمة الحقيقية هي أن يذكرك الآخرون فيصمتون لحظة، ثم يبتسمون امتنانًا لأنك كنت يوماً ما سببًا في جعل حياتهم أكثر جمالاً ونوراً.
اجعل من حضورك فرقاً، ومن غيابك أثراً.. فالحياة أقصر من أن نمرّ فيها دون أن نترك خلفنا أثراً يُزهر.





