سمر يس تكتب: ظلال لا تغيب

بيان
يخبروننا دائماً أن الأيام كفيلة بمداواة الجراح، وأن عجلة الزمن قادرة على طمس ملامح الغياب، فتتردد على مسامعنا عبارات المواساة المعتادة التي تطالبنا بـ “التخطي” والمضي قدماً.

لكن، هل يمكن حقاً لقلب عرف معنى الفقد العميق أن يتخطاه؟ أم أننا نبتكر هذا الوهم لنطوي به صفحات الحزن أمام الآخرين، بينما نظل في أعماقنا عالقين عند تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن وابتلع فيها الصمت أصوات من نحب؟
حين نفقد من نحب، لا يرحلون فرادى، بل يأخذون معهم أجزاءً من أرواحنا، وتفاصيل من يومياتنا، وحتى طريقتنا في رؤية العالم.

الفقد ليس مجرد غياب جسدي أو مرحلة عابرة تنتهي بالتقادم، بل هو فراغ ممتد يقتحم كل زوايا الحياة؛ في مقعد فارغ، في رقم هاتف ندرك يقيناً أنه لن يجيب، وفي ذكريات تباغتنا دون استئذان لتوقظ فينا حنيناً لا يهدأ.

في تلك اللحظات، ندرك أن المطالبة بتجاوز هذا الشعور هي مطالبة قاسية بالتخلي عن جزء أصيل من إنسانيتنا ووفائنا.
الحقيقة التي لا يدركها سوى من تذوق مرارة الفراق، هي أننا لا نتخطى الفقد أبداً، بل نتعلم بمرور الوقت كيف نروضه، وكيف نكبر نحن حوله ليتسع له القلب دون أن يتمزق.

نعتاد العيش بوجود هذا الجرح، ونرتديه كمعطف ثقيل في ليالي الشتاء الباردة. قد نبتسم، وقد ننجز في أعمالنا، وقد نشارك في صخب الحياة، لكن يظل طيف من فقدناهم حاضراً يرافقنا كظل لا يفارق صاحبه، يوجه بوصلتنا أحياناً، ويمنحنا القوة أحياناً أخرى.
إن البكاء الخفي، والشعور المفاجئ بالغصة وسط الزحام، ومناجاة الأطياف في الأحلام، ليست أدلة على الضعف أو الفشل في المضي قدماً، بل هي الثمن الطبيعي للحب الصادق والارتباط العميق.

نحن لا ننسى ولا نتجاوز، لأن الذاكرة هي الخيط الأخير الذي يربطنا بمن غابوا، وهي الملاذ الآمن الذي نلوذ إليه لنستحضر دفء وجودهم كلما اشتد بنا صقيع الحياة.

لذا، لا بأس إن لم نتخطَّ إحساس الفقد، ولا تثريب علينا إن ظلت أرواحنا تلتفت إلى الوراء بين الحين والآخر، فالتصالح الحقيقي مع الذات لا يكمن في نسيان من رحلوا أو ادعاء النسيان، بل في الاعتراف بأن غيابهم أصبح جزءاً لا يتجزأ من حكايتنا.

سنكمل الطريق، ليس لأننا تخطينا ألم فراقهم، بل لأننا نحملهم معنا في كل خطوة، نعيش بذكراهم وتعيش فينا، تاركين لحبهم الباقي أن يضيء عتمة أيامنا.

طالع المزيد: سمر يس تكتب: غرباء في محطة الوصول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى