سمر يس تكتب: غرباء في محطة الوصول
بيان
يُمضي الإنسان شطر حياته الأول وهو يركض؛ يزرع الأرض، يبني الجدران، ويصنع من روحه مظلة تحمي العابرين في حياته من تقلبات الأيام، محمولاً بيقين وهمي بأن الوصول إلى محطات العمر المتقدمة سيهبه تلقائياً مرفأً آمناً وسلاماً داخلياً لا يتزعزع.
غير أن الحقيقة التي تبوح بها خلوات الكبر أحياناً تكون مغايرة تماماً، فخلف الهيبة والوقار اللذين يفرزهما الشيب، قد يتسلل شعور غريب ومباغت بعدم الأمان، يحول صاحبه إلى غريب واقف في محطة الوصول التي طالما تطلع إليها.
هذا الشعور لا ينبع بالضرورة من عوز مادي أو جفاء عائلي، بل هو قلق وجودي أعمق بكثير، يتغذى على الخوف من فقدان الأدوار التي عرّفنا بها أنفسنا لسنوات طويلة؛ فحين ينفضّ سامر الصخب اليومي، ويهدأ ضجيج المسؤوليات، ويغادر الأبناء لتأسيس حيواتهم المستقلة، يقف المرء أمام مرآته متسائلاً بنوع من الانكسار الخفي عن هويته الجديدة بعد أن رُفعت الستارة وانتهت الأدوار التي كان فيها البطل والموجّه والملجأ.
ويزداد هذا الاغتراب حدة مع تسارع خطى الزمن من حولنا، إذ يجد الإنسان نفسه فجأة في عالم يتحدث لغة تكنولوجية واجتماعية غريبة عنه، تسوده أدوات ومفاهيم لم تكن يوماً جزءاً من تكوينه، وكأن قطار العصر قد تجاوزه مسرعاً وتركه وحيداً على رصيف الانتظار.
يرافق ذلك فقدان متراكم لرفاق الدرب والأصدقاء، وتراجع تدريجي في القدرات البدنية التي كانت يوماً مصدر ثقة وقوة، مما يجرّد المرء من حواجز الصد التي كانت تحميه من عوادي الزمن ويجعله مكشوفاً أمام رياح القلق.
ولعل أقسى ما في هذا الشعور هو صمته المفروض فرضاً، فالمجتمع يضع كبار السن دائماً في قالب “مصدر الأمان” و”حكمة العائلة”، مما يجعل البوح بالخوف أو التردد أو التيه في هذه المرحلة أمراً يبدو غير لائق أو علامة ضعف لا تليق بالوقار المفترض، فيضطر الآباء والأمهات إلى ابتلاع مخاوفهم وممارسة الطمأنينة المصطنعة مع محيطهم، بينما تشتعل بداخلهم أسئلة معلقة عن الجدوى والوحدة والآتي من الأيام.
إن مواجهة هذا الاغتراب تتطلب أولاً أن يملك المجتمع الشجاعة لنزع القداسة عن فكرة الصلابة الدائمة لمن تقدم بهم العمر، فمن حق من عبر الرحلة الطويلة أن يتعب، وأن يشعر بالخوف، وأن يطلب الأمان بصدق كما كان يمنحه بسخاء.
فالأمان في خريف العمر لا يأتي من محاولة استعادة أمجاد الماضي أو مجاراة الحاضر بقوة الشباب الغابرة، بل يبدأ من تصالح المرء مع ضعفه الإنساني، وإدراكه العميق بأن قيمته لم تكن يوماً مشروطة بما يقدمه من أدوار، بل بكونه نفساً بشرية خاضت غمار الحياة بشرف واستحقاق، وتحق لها اليوم الطمأنينة والسكينة دون قيد أو شرط.





