الصين وأفريقيا.. درس التكنولوجيا في مواجهة التبعية

الصين.. من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج للمعرفة

مصادر – موقع بيان الإخبارى

لم تعد قصة صعود الصين مجرد حكاية عن اقتصاد نجح في تحقيق معدلات نمو قياسية، وإنما أصبحت تجربة متكاملة في كيفية تحويل دولة كانت تعتمد على استيراد التكنولوجيا إلى قوة عالمية تنتج المعرفة وتنافس في أكثر القطاعات تقدمًا.

وبينما لا تزال بعض العواصم الغربية تتعامل مع الصعود الصيني باعتباره تحديًا جيوسياسيًا، تكشف الأرقام عن جانب آخر من القصة: معركة طويلة خاضتها بكين لبناء منظومة وطنية للعلم والتكنولوجيا والابتكار.

فمن الروبوتات والسيارات الكهربائية والقطارات فائقة السرعة إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء، قطعت الصين مسافة هائلة خلال عقود قليلة، مدفوعة باستثمارات ضخمة في البحث العلمي، وجامعات تنتج ملايين المتخصصين، ومناطق تكنولوجية تحولت إلى محركات للصناعة، وإرادة سياسية جعلت الابتكار جزءًا ثابتًا من مشروع الدولة.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بالصين وحدها: ماذا يمكن لأفريقيا أن تتعلم من هذه التجربة؟  وهل تستطيع دول القارة تحويل العلم والتكنولوجيا من ملفات هامشية إلى أدوات للخروج من فخ التبعية والركود الاقتصادي؟

هل تتعلم أفريقيا؟

نشرت صحيفة The Herald تقريرا حديثا مطولا حمل عنوان «Africa would do well to note China’s rise»، تناول تجربة الصين في التحول من دولة كانت تفتقر إلى بنية علمية وتكنولوجية متقدمة إلى واحدة من أبرز القوى العالمية في مجالات الابتكار والصناعات التكنولوجية الحديثة، داعيًا الدول الأفريقية إلى دراسة التجربة الصينية والاستفادة من نموذجها في بناء اقتصادات أكثر استقلالًا وقدرة على الابتكار.

ويستند التقرير إلى فكرة رئيسية مفادها أن الصين نجحت في تجاوز ما كان يُعرف بـ«فخ الدخل المتوسط»، خلافًا لتوقعات عدد من الاقتصاديين والباحثين الغربيين الذين رأوا أن النمو الصيني السريع سيتباطأ بمجرد وصول البلاد إلى مستوى معين من التنمية، بسبب ما اعتبروه افتقارًا إلى بعض السمات الثقافية والمؤسسية اللازمة لإنتاج الابتكار محليًا.

الصين.. من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج للمعرفة

يشير التقرير إلى أن الصين حققت إنجازًا لافتًا وفق مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، بعدما أصبحت أول دولة من فئة الدخل المتوسط تدخل قائمة الدول العشر الأكثر ابتكارًا في العالم.

ويرى أن هذا التطور يعكس قدرة الصين على تجاوز وزنها الاقتصادي في مجال الابتكار، بعدما تحولت إلى قوة عالمية في عدد من الصناعات التكنولوجية المتقدمة، من بينها الروبوتات، والسيارات الكهربائية، والقطارات فائقة السرعة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة الخضراء.

ويعزز ذلك، بحسب التقرير، ما أورده مؤشر هاميلتون لعام 2026، الذي أظهر أن الصين تستحوذ على نحو 25% من الإنتاج العالمي في قطاعات الابتكار والصناعات المتقدمة، بما فيها الآلات والمعدات، والحواسيب والإلكترونيات، والسيارات، والأدوية والمعادن المصنعة، مقابل 22% للولايات المتحدة.

كما أصبحت الصين، وفق المصدر، تنتج أكثر من ثلث الأبحاث العلمية المنشورة في كبرى الدوريات العلمية الدولية، بما يعكس انتقالها من مرحلة استيراد واكتساب المعرفة إلى مرحلة إنتاجها وتطويرها.

77 عامًا من بناء منظومة الابتكار

لا يعزو التقرير الصعود التكنولوجي الصيني إلى طفرة مفاجئة، وإنما يربطه بعملية ممتدة استمرت لعقود لبناء ما يمكن وصفه بـ«النظام الوطني للابتكار».

ففي عام 1949، عندما تولى الحزب الشيوعي الصيني السلطة، لم تكن الصين تمتلك سوى نحو 30 مؤسسة بحثية و500 عالم وباحث بدوام كامل، وكانت تعتمد بصورة كبيرة على الاتحاد السوفيتي في الحصول على التكنولوجيا المتقدمة.

لكن بكين عملت على مدار العقود التالية على بناء منظومة متكاملة تضم المؤسسات العلمية والسياسية والتشريعات وهيئات التمويل والجامعات والشركات، بهدف تحويل البحث العلمي إلى قوة داعمة للتنمية الصناعية والاقتصادية.

وبحسب التقرير، أنفقت الصين خلال عام 2025 نحو 569 مليار دولار على البحث والتطوير، بما يعادل 2.8% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو مستوى يقارب ما تنفقه الاقتصادات المتقدمة.

كما بلغ عدد مؤسسات البحث والتطوير في الصين أكثر من 24 ألف مؤسسة حتى عام 2023، بينما تجاوز عدد العاملين في مجال البحث والتطوير 6.3 مليون شخص، وفق البيانات التي يستشهد بها المقال.

المناطق التكنولوجية.. محركات التحول الصناعي

ويلفت التقرير إلى الدور المحوري الذي لعبته مناطق التطوير الصناعي والتكنولوجي في تسريع عملية الابتكار، مشيرًا إلى أن عدد مناطق التطوير الصناعي عالي التكنولوجيا على المستوى الوطني ارتفع من 53 منطقة عام 2000 إلى 179 منطقة عام 2026.

وتضم هذه المناطق أكثر من 31 ألف شركة تكنولوجية متقدمة، وتسهم بما يقارب 20.4 تريليون يوان في الاقتصاد الصيني.

ومن أبرز هذه المناطق منتزه تشونغ قوان تسون للعلوم في بكين، ومنطقة خفي الوطنية للتكنولوجيا المتقدمة، ومنتزه شنتشن للتكنولوجيا المتقدمة.

ووفق التقرير، صُممت هذه المناطق في الأساس كأداة للسياسة الصناعية الصينية بهدف تعزيز القدرات المحلية على الابتكار وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، خاصة في القطاعات التي اعتبرتها بكين مرتبطة بالأمن القومي والتحديث الاقتصادي.

كما استفادت هذه المناطق من حزمة واسعة من السياسات الحكومية، شملت الدعم المالي والضريبي، وتطوير البنية التحتية، واستقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، لتتحول إلى محركات رئيسية لسلسلة القيمة المرتبطة بالابتكار.

الجامعات.. مصنع الكفاءات والاختراعات

ويمنح التقرير الجامعات الصينية دورًا أساسيًا في التجربة، باعتبارها أحد المكونات الرئيسية لمنظومة الابتكار الوطني.

وتضم الصين نحو 3 آلاف جامعة ومؤسسة للتعليم العالي، وتنتج أكثر من 5 ملايين خريج سنويًا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

كما تشير البيانات التي أوردها المقال إلى أن الجامعات الصينية كانت تمتلك نحو 794 ألف براءة اختراع سارية بنهاية عام 2023، بما يزيد على 15% من إجمالي براءات الاختراع في البلاد.

ولا تكتفي السياسة الصينية بإنتاج المعرفة داخل الجامعات، وإنما تسعى إلى إيجاد قنوات لتحويل الأبحاث وبراءات الاختراع إلى منتجات وخدمات قابلة للتطبيق التجاري، من خلال ربط الجامعات بالشركات والمؤسسات الصناعية.

حماية الملكية الفكرية وربط البحث بالسوق

ويشير التقرير كذلك إلى أهمية الإدارة الوطنية الصينية للملكية الفكرية في دعم منظومة الابتكار، من خلال تطبيق قوانين براءات الاختراع، ورفع معايير منحها، وربط البحث الأساسي بالتطبيق الصناعي والتجاري.

وقد أصدرت الصين أول قانون لبراءات الاختراع عام 1985، بينما واصلت خلال السنوات التالية تطوير منظومة حماية الملكية الفكرية، رغم استمرار بعض المخاوف الدولية بشأن تطبيق حقوق الملكية الفكرية في البلاد.

ويؤكد التقرير أن وجود سلسلة متكاملة تبدأ من الفكرة والبحث العلمي ولا تنتهي عند التطبيق التجاري وحماية الملكية الفكرية، يمثل شرطًا أساسيًا لأي اقتصاد يسعى إلى تحقيق نمو قائم على الابتكار.

الإرادة السياسية.. كلمة السر

ويضع التقرير الإرادة السياسية في مقدمة العناصر التي ساعدت الصين على تحقيق هذا التحول، موضحًا أن العلوم والتكنولوجيا والابتكار ظلت موضوعات ثابتة في خطط التنمية الخمسية الصينية منذ خمسينيات القرن الماضي.

وشاركت مؤسسات الدولة والحزب والوزارات وهيئات التمويل والحكومات المحلية والمجلس الوطني لنواب الشعب في توفير الموارد ووضع التشريعات والحوافز المالية والصناعية والاقتصادية اللازمة لتشجيع الابتكار.

ويرى التقرير أن الحكومة الصينية أدركت مبكرًا الأهمية الاستراتيجية للعلوم والتكنولوجيا ليس فقط باعتبارها محركًا للنمو الاقتصادي، ولكن أيضًا باعتبارها عنصرًا من عناصر الأمن القومي والاستقلال الوطني.

ماذا يمكن أن تتعلم أفريقيا من الصين؟

ويصل التقرير إلى رسالته الأساسية، وهي أن الدول الأفريقية التي تسعى إلى الخروج من دائرة الركود الاقتصادي والتبعية تحتاج إلى دراسة التجربة الصينية، ليس بهدف نسخها بصورة حرفية، وإنما لفهم الآليات التي ساعدت بكين على بناء قدراتها الذاتية في العلم والتكنولوجيا والصناعة.

وتتمثل أبرز الدروس التي يطرحها التقرير في الاستثمار طويل الأجل في البحث العلمي، وربط الجامعات بالصناعة، وتطوير مناطق التكنولوجيا، وتنمية الكوادر البشرية، وحماية الملكية الفكرية، وتحويل الأبحاث إلى منتجات، إلى جانب وجود سياسات حكومية مستقرة تدعم الابتكار.

وبذلك، لا يقدم التقرير الصعود الصيني باعتباره نتيجة للنمو الاقتصادي وحده، وإنما باعتباره حصيلة مشروع طويل لبناء منظومة وطنية متكاملة للعلم والتكنولوجيا والابتكار، وهي التجربة التي يرى كاتب التقرير أن أفريقيا يمكن أن تجد فيها الكثير من الدروس لمواجهة تحديات التنمية والتبعية التكنولوجية.

…………………………………………………………………………………………………………………..

المصدر الأصلي: صحيفة The Herald، مقال Africa would do well to note China’s rise،

طالع المزيد: رئاسة الجمهورية: الرئيس الصيني يزور مصر خلال أيام للقاء الرئيس السيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى