د. ناجح إبراهيم يكتب: لماذا نجحت مبادرة منع العنف دون سواها ؟
موقع بيان الإخبارى
• تعد مبادرة الجماعة الإسلامية لمنع العنف من أنجح المراجعات في التاريخ الحديث وتم تفعيلها في شتاء ٢٠٠١ بعد انطلاقها بأربع سنوات عام ١٩٩٧ وقد استغرق تفعيلها خمس سنوات كاملة أنهت فيها الجماعة الإسلامية مراجعة ذاتية شاملة علي مستوى الفكر والحركة .
• وتعد هذه المبادرة نموذجاً علمياً وواقعياً رائعاً لفقه عظيم متروك هو فقه المراجعة أو ما يسمي في العصر الحديث ” فقه النقذ الذاتي ” .
• وهناك سؤال يطرأ علي ذهن الكثيرين وهو لماذا نجحت هذه المبادرة بالذات دون غيرها من التجارب المماثلة في جميع الحركات الإسلامية الأخري؟ والإجابة من وجهة نظرى المتواضعة تكمن في الآتي:-
• المبادرة كانت من جانب واحد ودون قيد أو شرط وفيها وقف كامل لكل أعمال العنف وكذلك البيانات المحرضة عليها، وكان البيان الأول يتضمن هذه البنود ، وكان هذا البيان فيه من الصدق والتجرد مافيه، وكان مفتاحاً للمصداقية وتشجع اللواء /أحمد رأفت للتجربة وقبول هذه المغامرة.
• كانت هناك مصارحة وشفافية كبيرة في كل بنود وخطوات المبادرة فلم تعد الدولة بشئ عند تسليم الجناح العسكري سوى عدم الغدر بهم ، ورغم ذلك تمت الخطوة بسلاسة وسلام ونجاح وهذه أول مرة تحدث في تاريخ مصر ، فقد حاول مرشد الإخوان الهضيبي حل التنظيم الخاص ولو علي خطوات فلم ينجح وأدي ذلك إلي تفجيرات ودماء.
• نجاح الفريقين في الحفاظ علي نقطة مهمة منذ بداية المبادرة وهي أن الدماء خط أحمر، ولذلك لم ترق أية دماء منذ بداية تفعيل المبادرة وحتى اليوم ، وحرصت الدولة علي وقف إعدام المحكوم عليهم بالإعدام ورفضت قتل أفراد الجناح العسكري الذين سلموا أنفسهم وسلاحهم طواعية.
• وكان اللواء أحمد رأفت يقول” ما دمنا وضعنا أيدينا في أيدي بعض فلا دماء أبدا”، فأي مبادرة أو مصالحة أو مراجعة تكتنفها الدماء أو يشوبها الغدر فإنها ستفشل لا محالة.
• كانت المبادرة منظمة جدا وخطواتها مرتبة ترتيبا منطقياً جميلاً فبدأت بكتابة كتب المراجعات الفكرية أولا ثم ذهاب القادة إلي السجون والبداية بسجون نائية جدا مثل سجن الوادي الجديد أو الفيوم ثم العقرب فالنطرون فدمنهور ، ثم العودة مرة أخرى لمزيد من الجرعات الفكرية المكثفة ثم جمع الأشقاء والأقارب في أقرب سجن لمنزلهم ، ثم بداية الإفراج عن المرضى والمعوقين ثم التسلسل في الإفراج التدريجي .
• أهم أسباب نجاح المبادرة هو التكتم والسرية وقد أحاط الفريقان التجربة بسياج قوي من السرية والتكتم وساعد علي ذلك أنه لم تكن هناك تليفونات محمولة حديثة فيها كاميرات وتسجيل ،حتى استوت المبادرة علي عودها ولم يدخل الإعلام علي الخط إلا بترتيب متقن عبر مراحل أربعة أثبتت عبقرية الجنرال أحمد رأفت وعبقرية قادة الجماعة.
• وقاد المرحلة الإعلامية الأولي أ/منتصر الزيات، والثانية أ/مكرم محمد أحمد والثالثة والرابعة أ/ عبداللطيف المناوي عبر مرحلتين الأولى حينما كان صحفياً في الشرق الأوسط اللندنية والثانية حينما كان رئيساً لقطاع الأخبار بالتلفزيون، ولو أن المبادرة تسربت للإعلام في مراحلها الأولى لفشلت كما فشلت تجارب سابقة وقد أحسن اللواء/رأفت اختيار من يقود كل مرحلة إعلامية .
• التدرج كان أهم سياسة في المبادرة فكانت كل خطوة تتم علي مهل وتطبخ علي نار هادئة ولا يتم الانتقال من نقطة لأخرى قبل تمام الأولى.
• ولم يتم بناء الثقة الكاملة بين الطرفين في عشية وضحاها ، بل كانت كل خطوة تهدي للتي بعدها وتوثق طريقها ، فلم تثق الدولة في جدية الجماعة الإسلامية في التغيير مثلاً إلا بعد كتابة كتب المراجعات ثم شرحها وتدريسها والأهم كنقطة مفصلية عملية نجاح تسليم الجناح العسكري لنفسه وإقبال المئات الذين جاءوا من بلاد بعيدة مثل اليمن والسعودية ولندن وغيرها لتسليم أنفسهم وتسوية مواقفهم دون أن يكونوا مطلوبين في هذه الدول.
• وكان هذا التدرج هو عامل النضج الأساسي للمبادرة واستوائها علي عودها، ولم يتم الإفراج عن معظم المعتقلين إلا بعد عدة سنوات دفعة دفعة ، مجموعة مجموعة، ويتم متابعة كل مجموعة وحل مشكلاتها خارج السجون.
• سعى اللواء أحمد رأفت وضباطه في الأفرع بمحاولة توظيف كل المعتقلين الخارجين من السجون في أي شركات خاصة ، أو إعادتهم إلي وظائفهم أو الموافقة علي سفرهم للخارج للالتحاق بأي عمل ، وهذا كان سبباً في نجاح المبادرة واستقرار أمورها حتى استقرت أحوال المفرج عنهم اجتماعياً.
• زيادة الرابطة الإنسانية بين المعتقلين وضباط الأفرع والإدارة في الأمن الوطني ، فقد زاروا السجون ، وجلسوا في الزنازين، وأكلوا معهم في الزنازين، ولعبوا معهم الكرة في ملاعب السجون ، وشاهدوا مسرحياتهم ومسابقاتهم في المواسم والاعياد، وشاركوهم ذبح العجول وغير ذلك، فغابت عنهم الثأرات القديمة ، والإحن السابقة ، والأفكار السلبية الجاهزة لكل فريق عن الآخر، فاقتربت النفوس واطمأن كل فريق للآخر ، ولم يكن هذا الأمر ليتم إلا عبر سنوات خمس هي زمن تفعيل المبادرة من بداية٢٠٠١ حتى آخر ٢٠٠٥.
• قرار الجماعة كان بيد قادتها ولم يكن بأيدي أحد خارج مصر ، وكانت هذه القيادة تتمتع بشجاعة منقطعة النظير، كما أن قرار الأمن الوطني كان مستقلا وكان اللواء/أحمد رأفت وضباطه من أشجع من رأيت وأكثرهم إخلاصا لرسالة المبادرة، وقد اعتبر اللواء/ رأفت رسالة المبادرة هي أهم رسالة في حياته كلها، وختم بها حياته ومات عليها وكان يفخر بها في كل مكان.





