عبد الله حسن يستعيد زيارة لا تُنسى إلى كوريا الشمالية
كتب: على طه
في مقال يستعيد واحدة من أبرز محطات عمله الصحفي، يفتح الكاتب الصحفي الكبير عبد الله حسن نافذة على زيارة الوفد العسكري المصري إلى كوريا الشمالية عام 1976، والتي جاءت ضمن جولة شملت ثلاث دول في الشرق الأقصى، هي باكستان والصين وكوريا الشمالية، وترأس الوفد المصري خلالها الفريق أول محمد الجمسي، نائب رئيس الوزراء ووزير الحربية في ذلك الوقت.
المقال المنشور في موقع «فيتو» بعنوان «زيارة لا تنسى إلى كوريا الشمالية» لا يبدو مجرد استعادة لذكريات شخصية قديمة، بل يمثل شهادة صحفية على مرحلة كانت فيها تداعيات انتصار أكتوبر 1973 حاضرة بقوة في العلاقات المصرية مع الدول التي دعمت القاهرة سياسيًا وعسكريًا، كما يكشف عن مكانة القوات المسلحة المصرية في الوجدان السياسي والعسكري لكوريا الشمالية آنذاك.
ثلاث سنوات بعد حرب أكتوبر
يستهل عبد الله حسن روايته بالإشارة إلى توقيت الزيارة، التي جاءت بعد ثلاث سنوات من حرب أكتوبر 1973، التي تمكنت خلالها القوات المسلحة المصرية من عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، في واحدة من أبرز العمليات العسكرية في التاريخ الحديث.
ويستعيد الكاتب أجواء الترحيب بالوفد المصري منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى مطار العاصمة بيونج يانج، حيث كان وزير الدفاع الكوري، الجنرال أو جين أو، على رأس وفد عسكري كبير من مختلف الأسلحة لاستقبال الوفد المصري، إلى جانب القائم بأعمال السفارة المصرية وأعضاء البعثة الدبلوماسية.
ولا يخفي الكاتب تأثره بالمشهد، خصوصًا أن الزيارة كانت بالنسبة إليه محطة استثنائية في بدايات عمله الصحفي الخارجي، إذ شارك فيها بصفته محررًا عسكريًا لوكالة أنباء الشرق الأوسط، إلى جانب الأستاذ محمد عبد المنعم، المحرر العسكري بجريدة الأهرام آنذاك.
كيم إيل سونج يستقبل الوفد المصري
يحمل اللقاء مع الزعيم الكوري الشمالي كيم إيل سونج مساحة بارزة في شهادة عبد الله حسن، الذي يتذكر استقبال الزعيم الكوري للوفد المصري بحرارة، ومصافحته لأعضائه فردًا فردًا.
وخلال اللقاء، عبّر كيم إيل سونج عن تقديره للقوات المسلحة المصرية ولما حققته في حرب أكتوبر، كما أشاد بالرئيس الراحل أنور السادات وقرار خوض الحرب لتحرير الأراضي المصرية التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
ويشير الكاتب إلى أن الزعيم الكوري أكد استمرار التعاون العسكري بين كوريا الشمالية ومصر، ووجّه وزير دفاعه بتوفير الاحتياجات والطلبات العسكرية المصرية، في رسالة تعكس طبيعة العلاقات التي كانت تجمع البلدين خلال تلك المرحلة.
وتزداد أهمية هذه الرواية مع إشارة عبد الله حسن إلى أن الفريق أول محمد الجمسي حصل في ختام اللقاء على وسام الاستحقاق الكوري، الذي وصفه الكاتب بأنه من أعلى الأوسمة في كوريا الشمالية، تقديرًا له وللدور الذي لعبته القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر.
وبالنسبة للكاتب، لم يكن المشهد مجرد مناسبة بروتوكولية؛ فقد احتفظ بصورة تذكارية مع كيم إيل سونج باعتبارها واحدة من الذكريات التي ظلت عالقة في ذاكرته طوال عقود.

بان مون جوم.. على خط الهدنة
لم تقتصر الزيارة على اللقاءات السياسية والعسكرية، وإنما تضمن برنامجها جولات إلى عدد من القواعد العسكرية ومواقع مختلفة، إلى جانب مناطق أثرية وسياحية.
ومن أكثر المشاهد التي توقف عندها الكاتب زيارته لمنطقة بان مون جوم الواقعة على خط الهدنة بين الكوريتين، وهي المنطقة التي شهدت توقيع اتفاقية الهدنة عام 1953 لإنهاء العمليات القتالية الرئيسية في الحرب الكورية.
ويصف عبد الله حسن القاعة التي شهدت توقيع الاتفاقية، والمائدة التي جلس حولها ممثلو الجانبين الشمالي والجنوبي، كما يلفت إلى الطبيعة الرمزية للمكان، حيث كان خط الهدنة يقسم المنطقة بين أراضي كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية.
وفي الجانب الواقع تحت سيطرة كوريا الشمالية، شاهد الوفد معرضًا مصورًا يوثق ما نشرته الصحف ووكالات الأنباء العالمية عن الحرب الكورية.
وهنا تظهر اللحظة التي تبدو الأكثر خصوصية في رواية الكاتب؛ إذ فوجئ بوجود برقيات لوكالة أنباء الشرق الأوسط باللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب صفحة كاملة من جريدة الأهرام بقلم المحرر العسكري محمد حسنين هيكل.
بالنسبة إلى صحفي شاب كان يخوض أولى مهامه الخارجية، كان العثور على مواد صحفية مصرية داخل معرض يوثق حربًا دارت قبل أكثر من عقدين مشهدًا يحمل قدرًا كبيرًا من الاعتزاز المهني والوطني.
من كيم إيل سونج إلى كيم جونج أون
ويختتم الكاتب مقاله باستعراض سريع لمسار القيادة السياسية في كوريا الشمالية منذ تلك الزيارة.
ففي عام 1972 أُقر دستور جديد أصبحت بموجبه رئاسة الدولة منصبًا منفصلًا عن رئاسة الحكومة، وتولى كيم إيل سونج منصب رئيس الجمهورية، وظل في موقع القيادة حتى وفاته عام 1994 إثر أزمة قلبية.
وبعده تولى نجله كيم جونج إيل قيادة البلاد، وظل في السلطة حتى وفاته عام 2011، ثم انتقلت القيادة إلى نجله كيم جونج أون، الذي أصبح الزعيم الحالي لكوريا الشمالية.
وهكذا تتحول نهاية المقال إلى ما يشبه جسرًا بين الماضي والحاضر؛ فالكاتب الذي دخل بيونج يانج عام 1976 كان يرى نظامًا تقوده شخصية كيم إيل سونج، بينما أصبحت كوريا الشمالية اليوم تحت قيادة جيل ثالث من أسرة كيم.
ذاكرة صحفي وشهادة على زمن مختلف
القيمة الأساسية في مقال عبد الله حسن أنه يعيد تقديم حدث سياسي وعسكري قديم من زاوية مختلفة؛ زاوية الصحفي الذي كان حاضرًا في المكان، وشاهد تفاصيل الاستقبال واللقاءات والجولات، واحتفظ بذكريات شخصية لم تمحها السنوات.
فالزيارة لم تكن مجرد محطة في جولة خارجية لوفد عسكري مصري، وإنما جاءت في ظل مكانة دولية متصاعدة لمصر بعد حرب أكتوبر، وفي وقت كانت فيه العلاقات العسكرية والسياسية بين القاهرة وعدد من الدول الآسيوية تحمل أهمية خاصة.
ومن هنا تبدو التفاصيل التي يرويها الكاتب، من استقبال الوفد في مطار بيونج يانج، إلى لقاء كيم إيل سونج، ومنح الجمسي وسام الاستحقاق، وصولًا إلى مشاهدة برقيات وكالة أنباء الشرق الأوسط وصفحة الأهرام في معرض عن الحرب الكورية، أكثر من مجرد ذكريات عابرة.
إنها شهادة على زمن كانت فيه صورة مصر العسكرية بعد أكتوبر 1973 حاضرة بقوة خارج حدود المنطقة، وشهادة في الوقت نفسه على تجربة صحفي وجد نفسه في قلب حدث دولي كبير في بداية مشواره المهني.
وبعد مرور نصف قرن تقريبًا، تبقى شهادة عبد الله حسن ذات قيمة خاصة، لأنها لا تقدم التاريخ من الكتب فقط، وإنما تستعيده من ذاكرة شاهد عاش تفاصيله، ورأى بنفسه كيف استُقبل الوفد المصري في عاصمة ظلت لعقود واحدة من أكثر عواصم العالم انغلاقًا وغموضًا.





