د. سليم الخراط يكتب: قراءات الواقع في قراءة الأحداث المتتابعة.. (2) فلسفة الاستعمار في صناعة الأنظمة العربية والعالمية

موقع بيان الإخبارى

عندما نقرأ تاريخنا العربي الحديث، نكتشف حقائق مؤلمة، نكتشف أن كثيراً مما حدث في منطقتنا لم يكن صدفة، بل كان مخططاً له بعناية، وكانت فرنسا وبريطانيا وأمريكا خلف الكثير من هذه المخططات، ليس لأنهم يحبون الخير لنا، بل لأن مصلحتهم كانت في ضعفنا وتفرقنا .

حزب البعث بين الفكرة والتطبيق ..

ولدت فكرة حزب البعث في عقول مثقفين درسوا في باريس، هم رجال تعلموا في جامعة السوربون، في قلب الاستعمار الفرنسي، تعلموا فلسفات الغرب، وتأثروا بثوراته، ثم عادوا ليقدموا لنا نظرية جديدة للنهضة العربية، وهنا السؤال : هل كانت هذه النظرية صادقة ..!!؟ أم أنها كانت جزءاً من لعبة أكبر ..!!؟

ميشيل عفلق، المؤسس الأول للبعث، كان مسيحياً أرثوذكسياً من دمشق، درس في فرنسا، وتأثر بالفلاسفة الغربيين، كتب عن العروبة والوحدة والاشتراكية، لكن عندما وصل حزبه إلى السلطة، تحول إلى آلة قمع، تحول إلى نظام استبدادي، كيف يمكن لفكرة جميلة أن تتحول إلى كابوس ..!!؟ هل لأن حاملها لم يكن صادقاً ..!!؟ أم لأن القوى التي أوصلته كانت تريد منه ألا ينجح ..!!؟

فرنسا والمشروع البعثي ..

فرنسا التي احتلت سوريا ولبنان، والتي سيطرت على المغرب العربي، كانت تعرف أن وحدة العرب تشكل خطراً على مصالحها، لذلك، صنعت أحزاباً وحركات تبدو وطنية، لكنها في العمق كانت أدواتها، حزب البعث واحد من هذه الأدوات، ليس لأن أعضاءه خونة بالضرورة، بل لأنهم وُضِعوا في إطار لا يمكنهم تجاوزه .
اللافت أن أكثر من تعاون مع فرنسا كانوا من المثقفين الذين تعلموا في مدارسها، هم فهموا فلسفة الغرب، لكنهم لم يفهموا أن هذه الفلسفة صُنعت لخدمة الغرب أولاً. ظنوا أنهم يستطيعون استخدام أدوات الغرب لتحرير أنفسهم، ولكن الأدوات كانت مسمومة .

حافظ الأسد وصدام حسين والخميني ..

انظروا معي إلى المشهد العربي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، في سوريا، وصل حافظ الأسد، وهو من الطائفة العلوية التي تشكل أقلية، ليحكم أغلبية سنية، كيف حدث ذلك ..!!؟ هل كان الشعب السوري يريد ذلك؟ أم أن هناك قوى خارجية رتبت لهذا الأمر ..!!؟
في العراق، وصل صدام حسين، وهو من الطائفة السنية، ليحكم أغلبية شيعية، كيف سمح بذلك ..!!؟ ولماذا تم اختياره تحديداً ..!!؟
وفي إيران، وصل الخميني، الذي خدمت ثورته مصالح الغرب بشكل غير مباشر .. هل كان كل ذلك صدفة ..!!؟
الجواب الواضح : لا .. كان هذا كله جزءاً من خطة لإبقاء المنطقة مشتتة، لتكون هناك حكومات قمعية تلهي الشعوب عن قضاياها الحقيقية، لتبقى الصراعات الطائفية مشتعلة، وتبقى الشعوب ضعيفة، وتبقى الثروات العربية نهباً للقوى الكبرى .

أمريكا ودورها في إدامة الصراع ..

لم تكن فرنسا وحدها في هذا المخطط، أمريكا لعبت دوراً كبيراً أيضاً، في الحرب العراقية الإيرانية، وقفت أمريكا مع صدام حسين، زودته بالسلاح والمعلومات .. لماذا ..!!؟
لأنها كانت تريد إضعاف إيران، وإضعاف العراق أيضاً، أرادت أن يستهلك الطرفان بعضهما، وأن تبقى المنطقة تحت سيطرتها .
كما أن أمريكا كانت تدعم الأنظمة القمعية في المنطقة، طالما أنها تخدم مصالحها، حافظ الأسد وصدام حسين وحسني مبارك، كلهم كانوا حلفاء لأمريكا في مراحل معينة، لم تكن أمريكا تهتم بحريات الشعوب، ولا بحقوق الإنسان، كانت تهتم فقط بثروات المنطقة النفطية، وبضمان أمن إسرائيل .

القذافي وكشف الحقيقة ..

في أحد المؤتمرات العربية، وقف معمر القذافي زعيم ليبيا، وقال كلمة صادقة أمام الجميع. قال : “انتهت اللعبة ..!!!! أصبحت الشعوب تفهم ما تفعلونه بها، أنتم أدوات الغرب وعبيد أمريكا ..” كانت تلك لحظة نادرة، قال فيها رجل عربي الحقيقة دون خوف، لقد كان يعلم أن معظم القادة العرب في ذلك الوقت ليسوا أكثر من موظفين عند الغرب، يعملون لحسابهم، ويخدمون مصالح أمريكا وأوروبا، ويتركون شعوبهم تعاني .
لكن القذافي نفسه، رغم صراحته، لم يخلُ من العيوب، نظامه كان قمعياً أيضاً، وهنا المفارقة : كثير من القادة الذين انتقدوا الاستعمار، كانوا في النهاية جزءاً من نفس المنظومة الفاسدة .

لماذا يريد الغرب بقاءنا ضعفاء ..!!؟

السبب بسيط : لأن قوتنا تعني قدرتنا على المطالبة بحقوقنا، تعني قدرتنا على استعادة ثرواتنا، تعني قدرتنا على وقف دعم إسرائيل، تعني قدرتنا على اتخاذ قراراتنا بأنفسنا .
لذلك، كلما حاول العرب الاتحاد، تدخل الغرب لإفشال المشروع، كلما ظهر زعيم عربي قوي، حاولوا تقويضه أو تصويره على أنه ديكتاتور، كلما تحسنت أوضاعنا الاقتصادية، عمدوا إلى إشعال حروب أو إحداث أزمات تطيح بالاستقرار .
الاستعمار لم ينته بجلاء الجنود، الاستعمار تغير شكله، لكنه بقي في قوانيننا وأنظمتنا وعقول بعض قادتنا، الاستعمار الجديد يعمل عبر البنوك وصناديق النقد والإعلام والمنظمات الدولية .

حزب البعث : تجربة فاشلة أم مؤامرة محكمة ..!!؟

البعض يعتبر تجربة البعث فاشلة لأنها لم تحقق ما وعدت به، لكن الحقيقة الأعمق أن البعث لم يفشل، بل نجح في مهمته ..!!، مهمته كانت تشتيت العرب وإبقائهم تحت السيطرة، وحتى اللحظة التي سقط فيها النظام البعثي في العراق، وفي سوريا، كان يؤدي هذه المهمة بنجاح .
هل يعني ذلك أن كل بعثي كان عميلاً ..!!؟
كلا .. كثير من البعثيين كانوا مخلصين حقاً، ولكنهم كانوا يعملون داخل نظام مصمم للفشل، مثلما يحدث عندما تضع شخصاً صادقاً في منظمة فاسدة، سيظل صادقاً، لكنه لن يستطيع تغيير مسار المنظمة، بل ستنتهي به المنظمة إلى خدمة أهدافها الفاسدة .

دور المثقفين في هذه اللعبة ..

لعب المثقفون دوراً مزدوجاً، البعض منهم كان ضحية الخداع الاستعماري، والبعض الآخر كان شريكاً في اللعبة، المثقف العربي الذي درس في الغرب، تأثر بالفلاسفة الغربيين، وتوهم أن بإمكانه نقل هذه الأفكار إلى وطنه لتكون أساساً للنهضة، لكنه نسي أن هذه الأفكار وُلدت في سياق تاريخي مختلف، وأن الغرب لا يقدم أفكاره مجاناً، بل يقدمها معها أجندات خفية .
المثقف الذي جلب لنا الاشتراكية والقومية والعلمانية من الغرب، لم يدرك أنها نفس الأدوات التي استخدمها الغرب لتدمير مجتمعاته التقليدية، ثم فرض سيطرته على باقي العالم، فعندما فقدت المجتمعات الغربية دينها وقيمها التقليدية، أصبحت سهلة الانقياد للنظم الاستعمارية التي انتشرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر .

ماذا بعد ..!!؟ ما هو الحل ..!!؟ ..

الحل يبدأ بالوعي، فهم التاريخ كما هو، لا كما يروى لنا، فهم أن كثيراً من الأحداث لم تكن مجرد مصادفات، بل كانت مدبرة، فهم أن النظام الاستعماري لم ينته، بل تحول إلى أشكال أكثر تعقيداً .
الحل أيضاً في العودة إلى الذات، إلى قيمنا العربية والإسلامية الأصيلة، إلى العدل، والمساواة، والشورى، إلى احترام الإنسان مهما كان دينه أو مذهبه، إلى نبذ التطرف والتعصب، وإلى بناء مجتمعات تسعى للعلم والمعرفة، بدلاً من الاستهلاك والتبعية .
الحل في الوحدة الحقيقية، لا الوحدة المصطنعة التي يفرضها حزب أو نظام، بل الوحدة التي تنبع من إرادة الشعوب .
وحدة تقوم على المصالح المشتركة، والثقافة المشتركة، والمستقبل المشترك .
الحل في قيادات وطنية حقيقية، تخرج من رحم الشعب، لا من رحم الاستعمار، قيادات تكون مسؤولة أمام شعبها، لا أمام السفراء الأجانب .

إلى الشباب العربي ..

يا شبابنا، يا من تحملون راية الغد :
تاريخنا ليس مجرد أحداث قد انتهت، بل هو دروس وعبر، تعلموا من أخطاء الماضي، ولا تكرروها، لا تثقوا بمن يتحدثون باسم الحرية بينما هم يحملون أوراقاً من السفارات الغربية، لا تثقوا بمن يعدونكم بالنهضة وهم يعيشون في قصور ويلهون عن قضاياكم الحقيقية .

اقرأوا التاريخ بعيون ناقدة، تعرفوا على من ساعد في إيصال الأنظمة القمعية إلى السلطة، ومن دعم الاستبداد، ومن كان وراء إشعال الحروب الطائفية، تعرفوا على دور فرنسا في حزب البعث، ودور أمريكا في الحرب العراقية الإيرانية، ودور بريطانيا في رسم حدودنا .

أمتنا غنية بمواردها، ذكية بأبنائها، عريقة بتاريخها، لكنها بحاجة إلى وعي جديد، وإلى إرادة صلبة، وإلى قيادة مؤتمنة، قيادة تضع مصلحة الشعب فوق كل شيء، وتعمل ليل نهار لتحقيق العدالة والكرامة .
انتبهوا، لا تكرروا مأساة الماضي .. انتبهوا، المستقبل بين أيديكم ..

الاستعمار بقي ..

إنه موجود في أنظمتنا، في حدودنا، في سياساتنا الاقتصادية، وفي عقول بعض قادتنا، ولكن الشعوب بدأت تفهم، بدأت تكشف اللعبة، بدأت ترفض أن تكون أدوات في يد أحد، لا أداة في يد الشرق، ولا أداة في يد الغرب .
أمتنا تستطيع أن تنهض، متى ما أرادت، ومتى ما اكتشفت من هو عدوها الحقيقي، ومن هو صديقها المخلص .
السؤال لنا جميعاً : هل سنستمر في النوم، أم سنستيقظ، ونصنع بأنفسنا مستقبلاً يليق بنا ..!!؟

مستقبل الأمة بأيدي أبنائها، لا بأيدي أعدائها .

 نرشح لك:

  د. سليم الخراط يكتب: قراءات الواقع في قراءة الأحداث المتتابعة.. (1) عقيدة مشنقة الخنق الطويل 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى