53 عامًا على النصر.. عاطف عبد الغني يكشف دروس أكتوبر لمصر اليوم
عبد الغنى: من إعادة بناء الجبهة الداخلية إلى معركة الوعي.. هكذا تُصان انتصارات أكتوبر
كتبت: هدى الفقى
قال الكاتب الصحفي عاطف عبد الغني إن انتصار السادس من أكتوبر عام 1973 لم يكن مجرد إنجاز عسكري لاستعادة الأرض والكرامة الوطنية، بل مثّل تجربة متكاملة في استعادة الإرادة المصرية، وإعادة بناء القوات المسلحة والجبهة الداخلية، وتحويل آثار الهزيمة إلى قوة دافعة نحو النصر، مشددًا على أن روح أكتوبر لا تزال حاضرة في وجدان المصريين، وأن استدعاءها اليوم يرتبط بالقدرة على مواجهة التحديات الراهنة، وتعزيز الوعي المجتمعي، ومواصلة العمل والإنتاج.
جاء ذلك خلال مشاركة عبد الغني في حلقة من برنامج «ملفات»، المذاع على الفضائية المصرية وقناة النيل، والتي خُصصت لمناقشة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، تحت عنوان «الذكرى الـ53 لانتصارات أكتوبر.. معركة الوعي والتنمية الطريق نحو الجمهورية الجديدة»، وقدمها الإعلامي أحمد الإدريسي.
أكتوبر.. معجزة في استعادة الإرادة وبناء الثقة
واستهل عبد الغني حديثه بالتأكيد أن قراءة انتصار أكتوبر ينبغي ألا تنفصل عن التاريخ الممتد للدولة المصرية، معتبرًا أن الماضي والحاضر والمستقبل حلقات متصلة في مسيرة الشعب المصري، وأن 53 عامًا مرت على الانتصار تمثل فترة قصيرة في عمر حضارة ضاربة بجذورها في التاريخ.
ووصف ما تحقق في أكتوبر بأنه معجزة على المستويات العسكرية والاجتماعية والنفسية، موضحًا أن الانتصار لم يكن وليد لحظة عابرة، وإنما جاء نتيجة سنوات من الإعداد والعمل والتضحيات، بدأت باستعادة الإرادة عقب نكسة عام 1967، ثم خوض حرب الاستنزاف، وصولًا إلى بناء القدرة على خوض معركة العبور.
وأشار إلى أن المصريين لم يستسلموا لصدمة الهزيمة، بل استأنفوا القتال، وخاضوا معارك أثبتت أن روح المقاومة لم تنكسر، وأن إعادة بناء الثقة كانت ضرورة لا تقل أهمية عن إعادة بناء القدرات العسكرية.
وأضاف أن تجربة ما بعد عام 1967 تكشف أهمية التعامل مع الهزائم باعتبارها نقطة انطلاق للمراجعة والتصحيح، وليس مبررًا للاستسلام، لافتًا إلى أن استعادة الأرض بدأت بإعادة بناء الإنسان، وترميم الجبهة الداخلية، وإعداد القوات المسلحة علميًا وتنظيميًا، وتطوير قدراتها بما يتناسب مع متطلبات المعركة المقبلة.
الخداع الاستراتيجي والتخطيط.. كيف صُنع انتصار أكتوبر؟
وتوقف عبد الغني عند عناصر الإعداد لحرب أكتوبر، مشيرًا إلى أن الانتصار ارتبط بمنظومة متكاملة من التخطيط العسكري، وتأهيل المقاتل، وإعداد القيادات، وتطوير الخطط، إلى جانب العمل على استعادة تماسك الجبهة الداخلية.
وأوضح أن خطة الحرب شهدت تطورًا من التصورات الدفاعية إلى الاستعداد للهجوم، بالتزامن مع تنفيذ خطة خداع استراتيجي ساعدت على إخفاء النوايا الحقيقية عن العدو، وإرباك حساباته، وتهيئة الظروف المناسبة لتنفيذ العبور في السادس من أكتوبر 1973.
وأكد أن الدرس الأهم في هذه التجربة لا يقتصر على المفاجأة العسكرية، بل يمتد إلى أهمية الجمع بين المعرفة والتخطيط والانضباط والعمل المنظم، مشيرًا إلى أن الانتصارات الكبرى لا تتحقق بالشعارات، وإنما ببناء القدرة والاستعداد الجاد والأخذ بأسباب القوة.
وفي هذا السياق، شدد على ضرورة تقديم التجربة التاريخية للأجيال الجديدة بصورة متكاملة، حتى تتعرف على الظروف التي سبقت الانتصار، والتضحيات التي بُذلت من أجل تحقيقه، والأدوار التي قامت بها القوات المسلحة والمجتمع المصري خلال سنوات الإعداد والحرب.
الجبهة الداخلية ومعركة الوعي
وانتقل الكاتب الصحفي إلى التحديات التي تواجه المجتمع المصري في الوقت الراهن، معتبرًا أن الجبهة الداخلية تظل عنصرًا أساسيًا في حماية الدولة، وأن الحفاظ على تماسكها يتطلب وعيًا قادرًا على التمييز بين المعلومات الصحيحة والشائعات، وفهم طبيعة التحديات التي تواجه البلاد.
وربط عبد الغني بين ما شهدته مصر بعد نكسة 1967 من جهود لاستعادة الثقة والتماسك، وما تتطلبه المرحلة الحالية من تعزيز الوعي المجتمعي، موضحًا أن التحديات لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل تشمل أيضًا محاولات التأثير في الرأي العام، والتشكيك في الإنجازات التاريخية، وإضعاف الانتماء والثقة لدى الأجيال الجديدة.
وأشار إلى أن المجتمع المصري يمتلك قدرًا من الذكاء الفطري والقدرة على إدراك ما يدور حوله، لكنه يحتاج إلى تغذية هذا الوعي باستمرار من خلال المعلومات الدقيقة، والمكاشفة، وإتاحة المعرفة، وتوسيع مساحات التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين.
وأكد أن الإعلام والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة وغيرها من المؤسسات المجتمعية والتعليمية تتحمل مسؤولية مشتركة في بناء الوعي، وتقديم المعلومات الصحيحة، ومواجهة الأكاذيب والمعلومات المضللة، بما يحول دون ترك مساحات فارغة يمكن أن تستغلها الشائعات أو حملات التأثير السلبي.
وشدد على أن معركة الوعي ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل عملية مستمرة تتطلب تكامل الأدوار، والانفتاح على أسئلة المواطنين ومخاوفهم، وتقديم الحقائق بصورة واضحة تساعدهم على فهم التحديات والتمييز بين النقد القائم على المعلومات والتضليل المتعمد.
شهداء أكتوبر وجرحاه.. تضحيات لا يجوز أن يغيب أثرها
وفي معرض حديثه عن ذكرى الانتصار، وجّه عبد الغني التحية إلى شهداء القوات المسلحة وجرحاها وأسرهم، مؤكدًا أن ما قدموه من تضحيات كان ركيزة أساسية في استعادة الأرض وصون الكرامة الوطنية.
كما أشاد بما ورد في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة ذكرى أكتوبر بشأن تقدير رجال القوات المسلحة، والتأكيد على التزام الدولة بدعم أسر الشهداء والجرحى، معتبرًا أن الوفاء لتضحياتهم ينبغي أن يتجاوز الاحتفالات السنوية إلى ترسيخ قيم التضحية والانتماء والمسؤولية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.
وأشار إلى أن ما تنعم به مصر من أمن واستقرار في محيط إقليمي مضطرب يبرز أهمية الحفاظ على قوة مؤسسات الدولة وقدراتها الدفاعية، مع عدم إغفال الدور الذي يؤديه المواطن في حماية تماسك المجتمع وتعزيز مناعته أمام التحديات.
من إدارة الأزمات إلى البحث عن حلول جذرية
وتناول عبد الغني ما طرحه الرئيس السيسي في كلمته بشأن ضرورة مواجهة المشكلات المتراكمة وعدم الاكتفاء بإدارتها أو التعامل معها من خلال حلول مؤقتة، معتبرًا أن هذه القضية تمثل أحد المحاور المهمة في فهم التحولات التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن الدولة واجهت، بعد أحداث عام 2011 وما أعقبها، تحديات تراكمت عبر عقود، إلى جانب خسائر وأزمات فرضت نفسها على الواقع المصري، وهو ما جعل التعامل معها يتطلب، وفق رؤيته، الانتقال من إدارة الأزمات إلى البحث عن حلول أكثر جذرية واستدامة.
وربط عبد الغني هذا الطرح بفكرة الجمهورية الجديدة، التي تستهدف معالجة مشكلات ممتدة، بدلًا من الاكتفاء بتخفيف آثارها بصورة مؤقتة، مؤكدًا أن بناء الدول مسؤولية تاريخية تتطلب العمل الجاد، والأخذ بالأسباب، والاستعداد لتحمل كلفة الإصلاح.
واستشهد في حديثه بملف مكافحة فيروس «سي»، مستعيدًا ما شهده المجال العام في فترات سابقة من انتشار ممارسات علاجية غير علمية ومعلومات مضللة بشأن المرض، في مقابل التحول إلى التعامل معه من خلال برامج صحية منظمة. وطرح هذا الملف مثالًا على أهمية الانتقال من الحلول المؤقتة والمعلومات غير الموثوقة إلى المعالجة المؤسسية القائمة على العلم والتخطيط.
وأكد أن مواجهة المشكلات المتراكمة تتطلب وضوحًا في عرض التحديات، وتحديدًا للأهداف، ومتابعة للنتائج، إلى جانب إشراك المجتمع في فهم طبيعة الإصلاحات وأسبابها، حتى يصبح الوعي عاملًا مساعدًا على تجاوز الصعوبات لا مجرد وسيلة للاحتفال بالإنجازات.
من عبور القناة إلى عبور المستقبل
واختتمت محاور حديث عبد الغني بالتأكيد على أن استحضار انتصار أكتوبر لا ينبغي أن يظل حبيس الذاكرة التاريخية، بل يجب أن يتحول إلى طاقة للعمل والبناء، وأن تستلهم الأجيال الجديدة من التجربة قيم الإرادة والتخطيط والانضباط والتضحية.
فكما احتاج العبور العسكري إلى إعداد طويل وتكامل بين القدرات والإمكانات، فإن مواجهة تحديات التنمية تحتاج إلى الاستثمار في الإنسان، وتعزيز الإنتاج، وتطوير التعليم والمعرفة، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، إلى جانب حماية الجبهة الداخلية من الشائعات ومحاولات بث الإحباط.
وتبرز، في هذا السياق، معركة الوعي باعتبارها امتدادًا لمعركة استعادة الأرض؛ فالأولى تحمي إدراك المجتمع لتاريخه وتحدياته، والثانية تؤكد أن الإرادة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى تخطيط وعمل وقدرة على تحقيق الأهداف.
وبعد 53 عامًا على انتصار أكتوبر، تبقى الرسالة الأساسية التي استحضرها عبد الغني في حديثه أن استعادة الثقة وبناء القدرة والتماسك المجتمعي عناصر مترابطة في مسيرة الدول، وأن قيمة الانتصار التاريخي تكتمل بقدر ما يتحول إلى دروس عملية تساعد المصريين على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.
شاهد الحلقة كاملة:





