السيسي يحذر من حملات التضليل ويؤكد أولوية الحفاظ على الدولة

كتب: ياسين عبد العزيز
حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي من محاولات استهداف الوعي الوطني وتزييف ذاكرة المصريين، مؤكدًا أن الحفاظ على الدولة واستمرار مؤسساتها يمثل المسؤولية الأولى للجميع، وأن مواجهة الشائعات والحملات التي تستهدف استقرار البلاد لا تقتصر على أجهزة الدولة، بل تتطلب مشاركة المجتمع بمختلف فئاته، وذلك خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين بعنوان «وطن الأبطال»، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة.
وشدد الرئيس على ضرورة تحصين المجتمع ضد محاولات التأثير على عقول المواطنين وإثارة الرأي العام، داعيًا المصريين إلى التمسك بوطنهم ومواجهة ما وصفه بالمؤامرات التي تستهدف الدولة، وقال في ختام حديثه: «حصنوا بلدكم ضد هذه المؤامرة.. ولا أقول حصنوا الرئيس»، في إشارة إلى أهمية الحفاظ على الدولة باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة.
وأكد السيسي أن الذاكرة الوطنية تمثل خط الدفاع الأول عن أي أمة، محذرًا من أن تشويه الحقائق التاريخية والتشكيك في الأحداث المفصلية يضعف قدرة المواطنين على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، مشيرًا إلى استمرار محاولات التقليل من أهمية انتصار أكتوبر 1973 عبر وسائل إعلامية وتقنيات حديثة، وفي مقدمتها منصات التواصل الاجتماعي.
وأوضح الرئيس أن الشائعات التي شهدتها الساحة المصرية خلال الأشهر الماضية، ومحاولات تزييف الوعي واستثارة الرأي العام، تستهدف زعزعة الاستقرار وإثارة الاضطرابات داخل البلاد، محذرًا من أن تكرار ظروف مشابهة لما شهدته مصر عام 2011 قد يترتب عليه آثار خطيرة تمس استقرار الدولة وقدرتها على الاستمرار.
وأشار السيسي إلى أن مصر مرت بمنعطفات صعبة خلال عامي 2011 و2013، مؤكدًا أن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها كان تحديًا رئيسيًا خلال تلك الفترة، وأن المصريين والقوات المسلحة واجهوا تحديات مختلفة في مراحل متعددة من تاريخ البلاد، وهو ما يستدعي التعامل مع الأحداث السابقة بوعي، وعدم السماح بتزييف وقائعها أو استخدامها للتأثير على مستقبل الوطن.
ولفت الرئيس إلى أن مصر خاضت خلال السنوات الأربع عشرة الماضية معركة ضد الإرهاب، تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه، فضلًا عن التضحيات التي قدمها أبناء القوات المسلحة والشرطة وغيرهم من أبناء الوطن، مشيرًا إلى أن هذه المواجهة انتهت إلى استعادة الأمن والاستقرار، ومؤكدًا أن حماية البلاد تتطلب استمرار العمل واليقظة في مواجهة التحديات.
وتحدث السيسي عن أوجه التشابه بين التحديات التي واجهت مصر عام 1973 وتلك التي مرت بها عام 2013، موضحًا أن أحمد أبو الغيط استعرض خلال الندوة مقارنة بين المرحلتين، باعتباره شاهدًا على عدد من المحطات المهمة في تاريخ الدولة، لافتًا إلى أن التحدي الرئيسي في عام 2013 تمثل في استعادة الدولة المصرية والحفاظ على هويتها الوطنية بعد محاولات تغيير مسارها.
واستعاد الرئيس تجربة الإصلاح الاقتصادي التي بدأها الرئيس الراحل أنور السادات عام 1976، موضحًا أن بعض الإجراءات، من بينها رفع أسعار عدد من السلع، قوبلت باعتراضات ومظاهرات أدت إلى التراجع عن استكمال المسار آنذاك، رغم المكانة التي حظي بها السادات بعد انتصار أكتوبر، مشيرًا إلى أن بناء الدولة يحتاج إلى جهود مستمرة وإمكانات تسمح بتنفيذ الخطط الموضوعة.
وأضاف السيسي أن الدولة المصرية تواصل حاليًا تنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي يستهدف تعزيز قدراتها وتحقيق التنمية، مؤكدًا أن التحديات الاقتصادية يمكن تجاوزها، لكن الأولوية تظل للحفاظ على الدولة وصون استمراريتها، في ظل التحديات المتتابعة التي تواجهها الدول خلال مراحل تطورها المختلفة.
وتطرق الرئيس إلى بعض القرارات السياسية التي اتخذت في عهد السادات، موضحًا أن أحد السياسيين نصحه بالإفراج عن عناصر من التيار الديني من السجون لمواجهة تيار سياسي آخر كان نشطًا على الساحة المصرية، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة انتهت باغتيال الرئيس الراحل، في إشارة إلى أهمية تقدير تداعيات القرارات السياسية وتأثيراتها على استقرار الدولة.
وأكد السيسي أن محاولات التأثير على الوعي الوطني لا تقتصر على مرحلة بعينها، بل تستمر باستخدام وسائل مختلفة تتغير بتغير الزمن، موضحًا أن الحرب النفسية كانت موجودة خلال الستينيات والسبعينيات، ولا تزال مستمرة حتى الآن، وتستهدف التأثير على إرادة المصريين، محذرًا من الانسياق وراء حملات التضليل المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشار الرئيس إلى أن الدستور يمثل إطارًا حاكمًا للدولة، مؤكدًا ضرورة احترامه وعدم العبث به، كما شدد على أهمية عدم التلاعب بعقول المواطنين من خلال الشائعات أو المعلومات غير الدقيقة، في ظل ما تشهده الساحة من محاولات متعمدة للتأثير على اتجاهات الرأي العام وإثارة حالة من عدم الاستقرار.
واستعرض السيسي جانبًا من المرحلة التي سبقت أحداث عام 2013، موضحًا أنه خلال فترة توليه مسؤولية إدارة المخابرات الحربية حرص على التواصل مع مختلف التيارات السياسية والمرشحين للرئاسة، بهدف التعرف على رؤاهم ومدى قدرتهم على التعامل مع التحديات التي تواجه الدولة، كما طرح تساؤلات على بعض ممثلي التيارات الدينية بشأن كيفية إدارة شؤون البلاد وتقديم حلول للمشكلات القائمة.
وأوضح الرئيس أنه كان يرى صعوبة استمرار إدارة الدولة في ظل الدعوة إلى التظاهر بصورة متواصلة على مدار عام ونصف العام، لما يترتب على ذلك من استنزاف لموارد البلاد وإمكاناتها، مشيرًا إلى تراجع الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي وتأثر قطاع السياحة، إلى جانب التداعيات التي طالت الأوضاع الاقتصادية والاستثمارية.
وتحدث السيسي عن حوار جمعه بالمشير الراحل محمد حسين طنطاوي بشأن إمكانية تسليم الحكم لجماعة الإخوان، موضحًا أنه أكد خلال اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن تسليم السلطة يمكن أن يتم إذا اختار الشعب الجماعة عبر الانتخابات، مشددًا على أن بقاء الدولة واستمرار مؤسساتها يجب أن يظلا أولوية، بصرف النظر عن الجهة التي تتولى إدارة شؤونها وفق إرادة المواطنين.
وأضاف الرئيس أنه كان يتوقع وصول جماعة الإخوان إلى الحكم، لكنه لم يكن يعتقد أن تستمر طويلًا، انطلاقًا من تقديره أن التحديات التي تواجه مصر أكبر من قدرة أي تيار سياسي أو رئيس أو جماعة على التعامل معها منفردًا، لكنها ليست أكبر من قدرة الشعب المصري وإرادته، مشيدًا بحكمة المشير طنطاوي خلال تلك المرحلة.
وأشار السيسي إلى أن أكبر التحديات التي تواجه الدولة قد تستغرق نحو عشر سنوات للتعامل معها، مؤكدًا أن مصر تواجه تحديات متتابعة تتطلب الاستعداد والعمل المستمر، واستعاد في هذا السياق ظروف ما قبل حرب أكتوبر 1973، عندما كانت القوات المسلحة تعمل ليلًا ونهارًا استعدادًا للمعركة، مشددًا على أن الواجب الوطني في الوقت الحالي يتمثل أيضًا في العمل والإنتاج.
وأكد الرئيس أن الصبر والعمل يمثلان ضرورة لمواجهة التحديات، مستعيدًا ما ذكره خلال لقاء مع الإعلاميين إبراهيم عيسى ولميس الحديدي عام 2014، عندما أشار إلى أن مصر لا تملك سوى العمل والصبر، موضحًا أن مسؤولية العمل لا تقع على عاتق المسؤولين وحدهم، وإنما تشمل جميع المواطنين كلٌّ في موقعه.
وجاءت هذه التصريحات خلال مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين «وطن الأبطال»، التي أقيمت بمركز الصفوة للمؤتمرات الدولية في الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الجديدة، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، إلى جانب عدد من الوزراء وكبار المسؤولين والقيادات العسكرية.
وشهدت الفعاليات عددًا من الفقرات الفنية والتثقيفية التي تناولت تاريخ مصر وانتصارات أكتوبر، بدأت بتلاوة آيات من القرآن الكريم، ثم فقرة «الآلة الزمنية» بعنوان «حكاية جدي البطل»، وعرض فيلم «رحلة عبر الزمن»، وفقرة عن دور الدبلوماسية المصرية خلال حرب أكتوبر 1973، إلى جانب أغنيات وعروض تسجيلية، كما أهدى عدد من الأطفال الرئيس درع «تراب الوطن»، قبل أن يصعد إلى المسرح لتحية مجموعة من أبطال الحرب والتقاط صورة تذكارية معهم.
وتضمنت الندوة كذلك كلمة للمهندس زياد عبد التواب، خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات وعضو المجلس الأعلى للثقافة، تناولت تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الأفكار المغلوطة وتضليل المجتمع، قبل عرض الأوبريت الغنائي «مصر التاريخ»، فيما كرم الرئيس عددًا من أبطال حرب أكتوبر المجيدة، في إطار الاحتفال بالذكرى الثالثة والخمسين للانتصارات.





