د. عبد الغني الكندي يحلل بنيوية التفكير السياسي–العقائدي للنظام الإيراني

من «الغياب العقائدي» إلى «الخداع الاستراتيجي»

كتب: عاطف عبد الغنى

 مقال «من الإمام الغائب حتى المرشد المختفي»، للكاتب والمفكر د. عبد الغني الكندي؛ المنشور في صحيفة الشرق الأوسط، يقدم طرحًا تحليليًا يتجاوز السرد السياسي المباشر إلى تفكيك البنية العميقة التي تحكم التفكير السياسي–العقائدي داخل النظام الإيراني، عبر الربط بين مفاهيم دينية تاريخية ووظائفها المعاصرة في إدارة السلطة.

وينطلق المقال من فرضية مثيرة للجدل طرحها المعارض العراقي غيث التميمي، حول احتمال توظيف “شخصية واجهة” في القيادة الإيرانية كجزء من استراتيجية ما يُعرف باستراتيجية «الرنجة الحمراء» القائمة على تشتيت الخصم وتوجيهه نحو مسارات وهمية (الرنجة الحمراء)، حسب دز عبد الغنى الكندى فيما نقله عن التميمى.

إلا أن أهمية هذا الطرح، كما يوضح الكندي، لا تكمن في صحته الحرفية بقدر ما تكمن في دلالته على نمط تفكير أعمق، حيث لا تُدار السياسة فقط بمنطق القوة المادية، بل أيضًا عبر بنى رمزية وعقائدية متجذّرة.

نظرية التفكيك

هنا ينتقل التحليل إلى تفكيك ثلاثية مركزية: الإمام الغائب (الماضي)، المهدي المنتظر (المستقبل)، والمرشد المختفي (الحاضر). هذه الثلاثية ليست مجرد مفاهيم دينية منفصلة، بل – وفق قراءة المقال – تمثل بنية زمنية متكاملة تُستخدم لإنتاج الشرعية واستدامة السلطة.

فالإمام الغائب يشكّل المصدر الأصلي للشرعية، بوصفه سلطة “حقيقية” لكنها غير مرئية، وهو ما يبرر نظريًا فكرة “النيابة” التي يقوم عليها نظام ولاية الفقيه.

أما المهدي المنتظر، فيؤسس لأفق مستقبلي يمنح هذه الشرعية طابعًا مستمرًا ومفتوحًا على “تحقق مؤجل”، بما يعزز قابلية الاستمرار والصمود.

الانتقال من الماضى إلى الحاضر

اللافت في تحليل الكندي هو انتقاله إلى الحاضر عبر مفهوم “المرشد المختفي”، باعتباره إعادة إنتاج حديثة لنفس النمط. ففكرة وجود قيادة غير معلنة أو غير مرئية ليست شذوذًا عن القاعدة، بل امتداد منطقي لبنية فكرية تتقبل أصلًا فكرة “السلطة الغائبة الحاضرة”.

وهنا تتقاطع العقيدة مع الاستراتيجية؛ إذ يتحول الغياب من حالة دينية إلى أداة سياسية واعية، تُستخدم في الخداع الاستراتيجي، وحماية مراكز القرار، وإرباك الخصوم.

ومن زاوية استراتيجية، يقدّم المقال ثلاث وظائف أساسية لهذا النمط؛ كما غصلها د. الكندى كالتالى:

أولًا: إنتاج الشرعية
حيث يتم ربط الحاضر بالماضي المقدّس، بما يمنح النظام عمقًا تاريخيًا يتجاوز الواقع السياسي المباشر، ويصعّب الطعن في مشروعيته.

ثانيًا: إدارة الزمن السياسي
إذ لا يُنظر إلى السلطة كمرحلة آنية، بل كجزء من مسار ممتد بين “غيبة” و“ظهور”، وهو ما يمنح النظام قدرة على امتصاص الأزمات وتأجيل الحسم.

ثالثًا: الخداع الاستراتيجي
وهو البعد الأكثر حداثة، حيث يُستخدم الغموض والازدواج (ظاهر/باطن) كأداة لإرباك الخصوم، سواء عبر إخفاء مراكز القرار الحقيقية أو خلق أهداف وهمية.

قوة التحليل

وتبرز قوة هذا التحليل في أنه لا يقع في فخ التفسير التآمري السطحي، بل يضع هذه الفرضيات ضمن سياق فكري–تاريخي متماسك، يفسّر لماذا يمكن لمثل هذه الأفكار أن تكون قابلة للتصديق والتداول داخل بيئة سياسية معينة.

ويخلص د. عبد الغني الكندي إلى أن “الغياب” في هذا السياق ليس مجرد حالة، بل أداة بنيوية في ممارسة السلطة، تعمل على مستويين: داخليًا لترسيخ القبول والشرعية، وخارجيًا لإرباك الخصوم.

وبهذا المعنى، تتحول المفاهيم الدينية من رموز عقدية إلى آليات سياسية فعالة، قادرة على التأثير في توازنات القوة حتى في القرن الحادي والعشرين.

وإذا كان الإمام الغائب يؤسّس لمصدر الشرعية في الماضي، والمهدي المنتظر يرسّخ استمرارية الفكرة في المستقبل، فأن «الإمام المخفي» يتكفّل بإعادة إنتاجها كسلطة سياسية في الحاضر.

هذه القراءة

هذه القراءة التى يطرحها المقال، تفتح زاوية مهمة لفهم سلوك النظام الإيراني، ليس فقط كفاعل سياسي تقليدي، بل كنموذج يمزج بين العقيدة والاستراتيجية في صياغة قراراته، وهو ما يجعل تحليله يتطلب أدوات تتجاوز المقاربات الواقعية الصرفة.

لقراءة نص المقال كاملا، اضغط على الرابط التالى: https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A/5263980-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%A6%D8%A8-%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AA%D9%81%D9%8A

اقرأ أيضا:

http://د. عبد الغنى الكندى يكتب: ما بعد الحرب.. رؤية استشرافية للإقليم والعالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى