عاطف عبد الغنى يكتب: السيناريو السوري غير قابل للتكرار في مصر

بيان

لا يبدو أن الهدف الحقيقي من نشر الفيديو الأخير المنسوب لما تُعرف بـ”حركة حسم”، إحدى الأذرع المسلحة لجماعة الإخوان الإرهابية، هو استعراض القوة أو التهديد المباشر، ولكن الهدف بث رسالة أوسع، موجهة بعناية، تنتمي إلى عالم الدعاية النفسية السوداء، وتقول صراحة إن “الإرهاب الإسلاموي لم يمت”، وإن “البديل المسلح” لنشر الفوضى ما زال حاضرًا، وأن مصر قد تعود إلى هذه اللحظة، أو هذا على الأقل ما ترغب فيه بعض الدوائر الاستخباراتية المعادية.

والرسائل المصاحبة للفيديو وتوقيته وطريقة انتشاره، كلها ترجح فرضية التوجيه الخارجي، سواء من الاستخبارات الإسرائيلية، أو من أحد الأجهزة النظيرة الأوروبية التي طالما احتضنت كوادر الجماعة الإرهابية الهاربة من العدالة، خاصة في دول لا تربطها بمصر اتفاقات لتسليم المجرمين. وأول من نشر الفيديو شخص يقيم في العاصمة البلجيكية بروكسل، ينتمي لتنظيم يسمى “حاسب”، ثم قام لاحقًا بحذفه، وكأن من وجّهه بالنشر وجّه بالحذف، بعد أن أوصل الرسالة.. وهذه الدوائر تتقن لعبة الدعاية السوداء، وتسعى لتوظيف اللحظة الإقليمية الحرجة، وفي هذا السياق يأتي الفيديو أداة تعبئة وحشد وتبرير من وجهة نظرهم.

وقد رجح مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن الفيديو ليس جديدًا، بل هو تجميع لمشاهد قديمة تم إعادة تدويرها، وإضافة مؤثرات صوتية وتهديدات مبطّنة كرسالة تخويف وتلويح بأن “حسم” عائدة، وأن هناك أوراقًا قد يُعاد استخدامها إذا لزم الأمر.

لكن مصر اليوم ليست كما كانت في 2013، وأجهزة الدولة ليست في حالة ارتباك أو دفاع، والجيش المصري الذي خاض معركة تطهير سيناء من الإرهاب خلال السنوات الماضية، أثبت قدرة صلبة على المواجهة. وسيناء مؤمّنة بالكامل، وأي محاولة من أي طرف خارجي لإحياء مثل هذه الجماعات لن تتجاوز الخطاب والألعاب النفسية التي لا تستهدف الدولة فقط، ولكن تسعى لاختراق الوعي العام، وزرع الوهم بأن أوراقًا مؤجلة يمكن اللعب بها.
وإذا أضفنا لما سبق أن الحديث عن سيناء كان دائمًا جزءًا من صفقة أكبر خُطِّط لها بين الإخوان وبعض القوى الدولية، فإن الصورة تزداد وضوحًا. ولنتذكر تلك الاجتماعات التي جرت بين ممثلي الجماعة وسفراء دول كبرى قبل 2013، والتي لم تكن لقاءات بريئة، بل كانت جزءًا من هندسة خفية لواقع أبدت فيه الجماعة استعدادها لتقديم تنازلات تتعلق بالأرض والسيادة مقابل التمكين السياسي.

لكن ما لم ولن يفهمه الإخوان هو أن الدولة المصرية أعمق من أن تسقط، وأن السيناريو السوري الذي يلوّحون به من حين لآخر، و(يلمح له الفيديو)، لا يمكن تكراره في مصر، لا بالجغرافيا، ولا بالتركيبة السكانية، ولا بمؤسسات الدولة، ولا بالوعي الجمعي الذي نضج كثيرًا بعد التجربة المريرة.

وما تبقى الآن ليس سوى ألعاب استنزاف، ومحاولة لخلق شعور عام بأن هناك خطرًا قادمًا.
وفي المقابل، فإن صمت الدولة على الفيديو هو ردٌّ تكتيكي مقابل سفسطة العدو، والمواجهة الحقيقية تكون بالعمل على الأرض، ومن عمق الدولة التي لم تعد تؤخذ على حين غرّة.

اقرأ أيضا للكاتب:

عاطف عبد الغنى يكتب: « ص . د » واعظ في موسم توزيع الغفران

زر الذهاب إلى الأعلى