“الصمت له صوت لا يسمعه إلا من يُصغي بقلبه”.. حوار خاص مع الكاتب محمد درويش عن قصته “الفتاة التي سمعت صوت السكوت”
كتب: إسلام فليفل
وسط ضجيج الحياة، يمر بنا كثيرون لا نلتفت إليهم، لا لصمتهم فقط، بل لأننا لا نملك الأدوات التي تُتيح لنا فهمهم، الكاتب محمد درويش قرر أن يفتح نافذة أدبية نادرة تطل على عالم الصم والبكم، من خلال قصته الإنسانية العميقة “الفتاة التي سمعت صوت السكوت”، التي لامست وجدان القراء الكبار والصغار، وفتحت بابًا للحديث عن فئة لا تحظى بالتمثيل الكافي في أدب الطفل والناشئة.
في حوار درويش لموقع “بيان” ، حكىٰ عن جذور الفكرة، ورسالته من القصة، ورأيه في دور الأدب الحقيقي، لا سيما حين يكون موجهًا للأطفال.. وإلى نص الحوار:-
س: كيف وُلدت فكرة قصة “الفتاة التي سمعت صوت السكوت”؟
محمد درويش: الفكرة وُلدت من موقف واقعي لا زال عالقًا في ذهني. قبل ثلاث سنوات تقريبًا، كانت تأتي إلى أحد المحلات التجارية سيدة صماء بصحبة ابنتها الصغيرة. كنت أراقب تفاعلهما، ولفتني كيف أن الطفلة — رغم صغر سنّها — كانت تفهم والدتها بسرعة، وتترجم ما تقصده للبائعين بدقة. المشهد كان بسيطًا، لكنه حمل تساؤلات عميقة: كيف تسمع الفتاة صوت أمها؟ كيف يُمكن للصمت أن يكون مفهومًا ومسموعًا؟ من هنا بدأت تتشكّل لدي ملامح الشخصية، واخترت أن أُطلق عليها اسم “رنانة”، كناية عن شدّة السمع — ولكن ليس السمع الحسي، بل سمع القلب والفهم العميق
س: لماذا اخترت فئة الصم والبكم لتكون محور القصة؟
محمد درويش: لأنهم فئة تعاني من غياب شبه تام في أدب الأطفال واليافعين. قد يظهرون أحيانًا كشخصيات جانبية، ولكن نادرًا ما نجدهم في دور البطولة، أو نُسلّط الضوء على عالمهم الداخلي وطريقتهم الخاصة في التواصل. في ظل تصاعد الوعي بأهمية الشمولية والدمج، شعرت أنه من واجبي ككاتب أن أُساهم في منحهم صوتًا عبر الأدب، خاصة وأن القصص تترك أثرًا طويل المدى في وعي الأطفال، وتشكل رؤيتهم للآخر المختلف.
س: هل ترى أن أدب الطفل يمكن أن يؤدي رسالة اجتماعية؟
محمد درويش: بل هو الأقدر على ذلك. للأسف هناك من يرى أن أدب الطفل وسيلة للترفيه فقط، أو مجرد وسيلة لإشغال الوقت، وهذا تقليل كبير من دوره. أدب الطفل أداة تربوية وتشكيلية وثقافية بالغة التأثير. الطفل يتلقّى القيم من القصة دون وعظ مباشر، ويدخل إلى العوالم المختلفة بانفتاح وفضول. لذلك فإن القصص التي تُروى له يمكن أن تزرع في داخله بذور التعاطف والتفهم والإنصاف — وهي القيم التي نحتاجها بشدة في مجتمعاتنا.
س: القصة نُشرت بالفعل باللغة العربية، وستُتاح قريبًا بالإنجليزية على منصة Storyjumper. كيف ترى هذه الخطوة؟
محمد درويش: أنا سعيد جدًا بأن القصة وصلت إلى القرّاء العرب، والآن أستعد لنشرها باللغة الإنجليزية عبر منصة Storyjumper. هذه الخطوة مهمة لأنها تمنح القصة فرصة للوصول إلى جمهور أوسع، وتُتيح للثقافة العربية أن تُروى كما هي بلغتنا وقيمنا. الترجمة بالنسبة لي ليست تزيينًا للنص ليُرضي الآخر، بل هي نافذة يرى من خلالها العالم قصصنا كما نعيشها. إذا استطاع طفل من ثقافة أخرى أن يتأثر بشخصية مثل “رنانة”، فهذا يؤكد أن الحكاية صادقة وعابرة للحدود.
س: حدّثنا عن مشروعك الأدبي “جسور”، وما العلاقة بينه وبين القصة؟
محمد درويش: “جسور” هو امتداد لرؤية القصة. هو مشروع أدبي وثقافي مخصص للأطفال والناشئة، نسعى من خلاله إلى تقديم قصص تمثل جميع الأطفال، باختلاف قدراتهم وظروفهم. نريد أن نهدم الحواجز التي تعزل الطفل عن الآخر المختلف عنه، سواء في الشكل أو اللغة أو القدرات. نؤمن أن القصة يمكن أن تبني جسورًا من الفهم والتعايش.
نحن حاليًا في مرحلة إطلاق منصة صوتية متخصصة في قصص الأطفال، إلى جانب تأسيس نادٍ للقراءة يُعقد نصف شهريًا. بدأنا التواصل مع بعض المكتبات ودور الرعاية، وتلقينا ترحيبًا رائعًا، خاصة من مؤسسة “إرسم فرحة” التي أبدت دعمًا كبيرًا.
س: ما الرسالة التي تود توجيهها للأطفال حول العالم، خاصة من يمرون بظروف صعبة؟
محمد درويش: أقول لهم: الكلمة هي خلاصكم. لكل طفل في غزة يعاني من الحرب والجوع، ولكل طفل في سوريا خسر أسرته وبيته، ولكل طفل يُستَغل في العمل أو يعيش في عزلة بسبب إعاقته… أقول: اكتبوا، احكوا، لا تصمتوا. حتى إن لم يسمعكم أحد اليوم، سيأتي من يسمع غدًا. الصمت لا يعني الغياب، والسكوت له صوت… فقط يحتاج من يُصغي.
س: وأخيرًا، ماذا بعد “الفتاة التي سمعت صوت السكوت”؟
محمد درويش: لدي شغف حقيقي بالاستمرار في تقديم قصص تُنصف المهمشين وتوسّع أفق الطفل. أعمل حاليًا على مشروع جديد يتناول موضوعًا حساسًا من خلال حكاية صبي يعاني من اضطراب في النطق، وآمل أن يُحدث نفس الصدى الإنساني الذي أحدثته “رنانة”. طموحي أن تكون القصص التي أكتبها سببًا في تغيير نظرة طفل واحد على الأقل تجاه الآخر.





