تقرير عبرى: العلاقات الإسرائيلية السورية بين الأمن والدبلوماسية

كتب: أشرف التهامي
في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في سوريا، تتخذ إسرائيل موقفًا حذرًا ومعقدًا يهدف – حسب زعمها – إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على أمنها القومي وتجنب تصعيد خطير.
مقاربة إسرائيلية مزدوجة
وفى هذا الصدد تتبنى إسرائيل استراتيجية متعددة الأوجه للتعامل مع الوضع في جنوب سوريا، يمكن تلخيصها في مسارين رئيسيين:
التواصل لمنع التصعيد: تسعى إسرائيل إلى فتح قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة مع الحكومة السورية. الهدف من هذه القنوات هو تبادل الرسائل والتنسيق لمنع أي سوء فهم قد يؤدي إلى تصعيد عسكري غير مرغوب فيه.
هذه الاتصالات تهدف إلى وضع خطوط حمراء واضحة، خصوصًا فيما يتعلق بوجود القوات الأجنبية والأسلحة الثقيلة في المنطقة الحدودية.
العمليات الوقائية: في الوقت نفسه، تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ إجراءات عسكرية استباقية لإحباط أي تهديدات محتملة. هذه العمليات تستهدف بشكل أساسي الجماعات المسلحة التي تعتبرها إسرائيل معادية، بالإضافة إلى شحنات الأسلحة المتقدمة التي يمكن أن تشكل خطرًا على أمنها.
رؤية متدرجة للعلاقات
يرى محللون أن إسرائيل تفضل تطوير علاقاتها مع الحكومة السورية بشكل تدريجي وحذر. هذه الرؤية ترتكز على فكرة أن بناء الثقة يجب أن يكون مرتبطًا بشكل مباشر بسلوك النظام السوري على الأرض.
توضح وجهة النظر هذه أن إسرائيل تعارض بشدة وجود قوات عسكرية سورية نظامية بأسلحة متوسطة وثقيلة بالقرب من الحدود، لكنها لا تمانع في وجود قوات شرطة بأسلحة خفيفة تهدف إلى حفظ الأمن الداخلي والقانون.
هذا التمييز يعكس حرص إسرائيل على منع أي تهديد عسكري تقليدي محتمل من الجنوب، مع إبداء استعدادها للتعايش مع وجود أجهزة مدنية أو أمنية خفيفة في المنطقة.
ما سبق هي الرؤية الإسرائيلية التي طرحها مركز ألما البحثي الإسرائيلي من خلال تقرير نشر على موقعه الرسمي اليوم الأحد والذي ننشر نصه المترجم فى التالى:
نص التقرير
أدت الجولة الأخيرة من الاشتباكات العنيفة في سوريا، والتي بدأت في منتصف يوليو/تموز 2025 وانتهت بوقف إطلاق نار هش للغاية، إلى تدخل إسرائيلي جديد عبر غارات جوية، بهدف حماية السكان الدروز في السويداء وتطبيق مطلب نزع السلاح من جنوب سوريا، وتبع ذلك انتقادات لإستراتيجية إسرائيل في سوريا.
إسرائيل تسعى إلى إسقاط، النظام في دمشق.
ومن خلال حجج إعلامية مختلفة، يتضح أن إسرائيل تسعى إلى إضعاف، بل وإسقاط، النظام في دمشق، لأن سوريا الموحدة تُشكل تهديدًا لها.
فبعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، أصبحت سوريا دولة مُمزقة من الداخل، وتُشكل إعادة توحيدها تحديًا كبيرًا للنظام الجديد.
يعتمد صعود النظام في سوريا أو سقوطه على:
- قدرته على الحكم.
- تطبيق القانون.
- خدمة جميع مواطنيه.
الشرع يتهم إسرائيل بتقويض استقرار الحكومة ومحاولة تفكيك سوريا
لا تهدف سياسة إسرائيل إلى إسقاط النظام الجديد، لكنها تعمل على إحباط التهديدات في الحالات التي يفتقر فيها النظام إلى القدرة أو الرغبة في التحرك.
يُعدّ إلقاء اللوم على إسرائيل ذريعةً مناسبةً للرئيس السوري، الذي يفشل حاليًا في توحيد جميع الفصائل في بلاده ويواجه انتقادات داخلية متزايدة.
على سبيل المثال، في 9 يوليو/تموز، أدلى حكمت الهجري، أحد أبرز الشخصيات في القيادة الروحية الدرزية، بتصريحاتٍ ضد نظام الشرع ، وقد ردّد كلماته قادة آخرون مثل جربوع والحناوي، الذين كانوا يُعتبرون حتى الآن معتدلين تجاه النظام.
مؤخرًا، تلقى الشرع أيضًا نتائج لجنة التحقيق التي شكلها للنظر في الأحداث التي وقعت في مارس/آذار 2025 ضد العلويين – وهو تحقيقٌ خلص إلى أن قوات النظام لم يكن لها دور في الأحداث، ومن المرجح أن ينتهي عند هذا الحد.
في هذه المرحلة، أقل ما يُقال هو أن إدارة الحكومة للمشاكل الداخلية السورية بعيدة كل البعد عن الرضا.
لا تسعى إسرائيل لتقويض النظام، لكنها تتوخى الحذر الشديد وتعتمد على الأفعال الميدانية لا على التصريحات. هناك أسباب وجيهة لتشكيك إسرائيل وقلقها إزاء النظام الجديد، ليس فقط لكونه مكونًا من أفراد انبثقوا من جماعات إرهابية ذات أيديولوجية إسلامية متطرفة، بل أيضًا للتحديات العديدة التي تواجهها سوريا حاليًا، داخليًا وخارجيًا.
فبنفس السرعة التي وصل بها النظام الجديد إلى السلطة، قد ينهار أيضًا. إن عدم الاستقرار وعدم اليقين سببان كافيان لمواصلة اليقظة على طول الحدود الإسرائيلية السورية.
كما قيل إن استراتيجية إسرائيل غير متسقة أو متناقضة. فمن جهة، تُطالب إسرائيل النظام السوري بفرض النظام وحماية الأقليات؛ ومن جهة أخرى، تُصر على نزع السلاح من جنوب سوريا.
للوهلة الأولى، يُطرح السؤال: كيف يُمكن لسوريا الحفاظ على الأمن بدون قوات أمنية؟
مع ذلك، هذا سوء فهم يتطلب توضيحًا:
تُطالب إسرائيل بعدم وجود أي قوات عسكرية في جنوب سوريا. يتطلب فرض القانون والنظام بين المدنيين السوريين قوات شرطة مُسلحة بأسلحة خفيفة كحد أقصى، وليس قوات عسكرية مُجهزة بأسلحة متوسطة وثقيلة.
لقد استجابت إسرائيل، وستواصل استجابتها، عندما يُنشر جنود الجيش مُزودين بالدبابات وناقلات الجند المدرعة والصواريخ والرشاشات المتوسطة أو الثقيلة لفضّ النزاعات بين السكان، و/أو عند اكتشاف مثل هذه الأسلحة في جنوب سوريا.
على سبيل المثال، في 8 يوليو/تموز، قصفت إسرائيل مركبة تحمل رشاشًا ثقيلًا من النوع المذكور أعلاه، والتي تم تحديدها في المنطقة.

تُشير الأزمة الأخيرة إلى أن النظام الجديد لا يزال يُعاني بشدة في إدارة الأزمات الداخلية المحلية بطريقة مُدروسة، مع منع التصعيد والفوضى، كما شهدنا في مارس/آذار الماضي.
تتدخل إسرائيل أيضًا لتقديم المساعدات الإنسانية. وبينما تُواجه إسرائيل انتقادات تُشير إلى أنها مجرد محاولة لصرف الانتباه الدولي وتحسين صورتها، تُكافح المنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة والصليب الأحمر، لتقديم المساعدات للسكان بسبب الصعوبات الأمنية.
إن الحاجة إلى المساعدات الإنسانية في مناطق النزاع أمرٌ لا جدال فيه، وحتى بعد أكثر من أسبوع من الاشتباكات، وردت تقارير من القرى المتضررة تُفيد بأن المساعدات التي تلقوها لم تكن كافية.
تشعر إسرائيل بالتزامها تجاه السكان الدروز، ولذلك تُستجيب لطلبات المساعدة رغم الانتقادات – وليس لتجنبها.
لا تتردد إسرائيل بين استراتيجياتها.
فهي تعمل على مسارين متوازيين:
- فتح قنوات اتصال.
- تعزيز ترتيبات مع النظام السوري، تقتصر حاليًا بشكل رئيسي على المسائل الأمنية، بهدف التوصل إلى تفاهمات ومنع تصعيد خطير.
في الوقت نفسه، تراقب إسرائيل الوضع الميداني وتعمل بشكل مُركّز لإحباط التهديدات في مرحلة مبكرة. ورغم كثرة الحديث والآمال المُعلّقة على قيام سوريا جديدة وتطبيع العلاقات مع إسرائيل والغرب، فإن هذه العملية – إن حدثت – ستستغرق وقتًا طويلًا وتعتمد بشكل مباشر على عملية ترسيخ حكم الشرع في البلاد. وبالمثل، ينبغي أن يكون بناء العلاقات مع سوريا تدريجيًا، وأن يُقيّم وفقًا لسلوك النظام على المدى البعيد.





