كاتب منافي الأنا: الوطن والمنفى وجهان لتشكيل الذات

كتب: إسلام فليفل

صدر مؤخرًا كتاب “منافي الأنا” للكاتب الفلسطيني محمد جودة، الكتاب يطرح تساؤلات مرتبطة بالهوية، الوطن، المنفى، وتجربة الفقد، ويكشف جانبًا من الصراع الداخلي الذي يعيشه الكاتب بين مكان النشأة ومكان الاغتراب.

في حوار جودة مع موقع “بيان”، نتوقف عند أبرز محطات تجربته الأدبية والشخصية، ونناقش رؤيته للعلاقة بين الوطن والمنفى، أثر الفقد على كتاباته، ودور الأدب الفلسطيني في زمن التهجير،وإلى نص الحوار:-

‎ بدايةً.. ما الذي مثّله لك كتاب “منافي الأنا”؟ هل هو تجربة أدبية أم توثيق لرحلة شخصية؟

كتاب “منافي الأنا” هو باختصار محاولة لنقل الاشتباك الجوّاني لمشاعر كثيفة ومتصارعة إلى ساحة خارجية، ومنحها فرصة للصراخ الحر متفلّتةً من بين جدارن الصمت الصماء، الكتاب هو مونولوج الألم أمام مرآته الصافية، ورصدٌ لإيقاعات مكتومة لا تلتقطها الرادارات الإعلامية. وهو أرشفة للحزن لحظة توهج، وبعثٌ للذاكرة إذا ما حاول أن يطغى النسيان عليها، وتحديق في عينيّ هذا العالم الذي يتظاهر بالعمى. هو ،كما أراه، أكثر خصوصية من أن يكون مجرد تجربة أدبية، إنما هو رحلة عفوية في الأنا، بلا نظم أو قيود أو قافية.

‎ كيف ترى العلاقة بين الوطن والمنفى في نصوصك؟ وهل هما متناقضان أم متكاملان في تشكيل ذاتك؟

المنفى يعيد في وجداننا تعريف الوطن، ويقرّبنا من كنهه أكثر، ويجعلنا نراه من زاوية حبّ أكثر اتساعاً، في الوطن نخوض التفاصيل دون أن نراقبها أو نقوّمها، فنسقط في آنية التجربة، بينما يمنحنا البُعدُ بُعداً آخر لاستكشاف الوطن، حين نستكشف ذاتنا، فالذات هي بوابة الوطن ومفتاحه والطريق إليه.
لذا، فالعلاقة بينهما تكاملية، ذات مساقط أكثر وعياً، تضفي على الانتماء مسحة شبه سماوية. لذلك نجد في القصائد انسياباً في المشاعر العابرة للبرزخ الفاصل بينهما، كأن النبع واحد، وكأن الروافد دوائر، وكأن المكان محض فارقٍ زمنيّ لا أكثر.

النصوص تحمل الكثير من الأسئلة دون إجابات… هل كان هذا مقصودًا لتوريط القارئ في البحث عن معناه الخاص؟
حين نملك الإجابات تصير الكتابة ترفاً أو استعراضاً معرفياً، ويصير المعنى معلّباً وغارقاً في موادّه الحافظة، لكن كل نصّ في الكتاب يبحث عن هوية ويطلب تفسيراً بنيوياً ويفتح النوافذ على ضبابية الوجود المعتم، التورط هنا مقصود لكنه ليس لغماً أو فخّاً بل دعوة للمشاركة، لإيماني أن القضايا التي تناولها الكتاب جامعة، كما في وحدة الألم وشمولية الإبادة وعالمية الانحدار، ومن هنا تندلع الحاجة لاصطفافٍ إنسانيٍ صادق في مواجهة الأسئلة الكبرى.

‎ وُلدت في غزة ثم عشت نصف عمرك مغتربًا في
‎ألمانيا.. كيف أثّر هذا الانتقال على وعيك وكتاباتك؟
ولدتُ في قطاع غزة، ونشأت في مدينة رفح، ثم درست الطب في مصر، وتوجهت بعدها للاختصاص في ألمانيا، في المحصلة أمضيتُ نصف عمري مغترباً، لاشك أن ذلك أضاء لي دروباً مظلمة، وعمّد مدارك واسعة، ومنحني فرصة مطالعة الآخَر عن قرب بلا حواجز ثقافية أو أيديولوجية مشوشة، هذا الاقتراب من ذلك الآخَر قرّبني -بأسلوب مرن- من أناي، وأسرّ لي باضطراباتها الخفية وأناتها الخافتة. لذا أجدني ممتناً بطريقة ما لذلك الاغتراب المزمن.

كيف انعكست تجربة الفقد في حياتك الشخصية على النصوص الأدبية داخل الكتاب؟
الفقد لم يقص شريطه للمرة الأولى في حرب الإبادة المستمرة، إنما يتمم نفسه في حالة ممتدة، وصلت إلى فجاجتها القصوى.
الآن، يهتاج هذا الفقد بشراسةٍ ليسحب في أعماقه السحيقة أقارب وأصدقاء وجيراناً وشوارع ومدناً وذاكرة، حتى فقدنا في نهاية المطاف قدرتنا على الفقد، وهذا الشعور الثقيل فرض نفسه في كثير من النصوص، إصراراً منه على أن يوثق الخلود بطريقته الخاصة، لقد شُيّعت في هذا الكتاب جنازات طويلة، عبرت خلال الصفحات إلى مثوى مُستعارٍ كأبدية مؤقتة، وكأن بعض النصوص كُتِبَت تحت وطأة نداء خفي: لن نسمح للفقد أن يمرّ صامتاً.

هل تعتقد أن الأدب قادر فعلًا على مداواة صراعات داخلية مثل الاغتراب والفقد؟
ربما يساعد الأدب قليلاً في التداوي، إذ ينزع بعض الأشواك من صدورنا ويفتح لنا نوافذ أوسع للتنفس.
لكنه ينكأ أحياناً جراحاً منسية، ويوقد جمرات الذاكرة التي كانت على وشك أن تصير رماداً. في بعض النصوص وقفتُ على حافة البكاء، وفي بعضها لم أقدر على المتابعة بسبب احتشاد الألم الذي كاد يخنقني. ربما يحاول الأدب، قدر استطاعته، أن يقدم لنا رعاية تلطيفية لآلامٍ لا تُشفى، أو تقنية لفهم معنى تلك الآلام واحتضانها حد التماهي.

كيف ترى دور الأدب الفلسطيني في زمن التهجير والاغتراب؟
الأدب هو سلاح أساسي في معركة السرديات، والتي تخوضها الشعوب لنيل حقوقها السليبة ومصائرها المهدورة. ربما أقحمت وسائل التواصل الاجتماعي نفسها بقوة إلى هذه الحلبة، لكن يبقى للأدب سطوته الخاصة في الإبقاء على حيوية المشهد وإعطائه عمقاً وديمومة لا تحققها الترندات المتسارعة، والتي قد تضيع في زخمها مأساة وطن وتختفي في ضوضائها إبادةُ شعب بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى