شريف عبد القادر يكتب: الرقابة والسينما

بيان

عندما أتذكر أواخر سنوات الستينيات وأوائل السبعينيات، كانت الأفلام السينمائية التي يتخللها مشاهد إباحية وعرى تشهد إقبالاً مرتفعًا، وكان الشائع وقتها بين المراهقين سؤالٌ يُوجه لمن شاهد الفيلم: هل هو في حاجة (أي يوجد به عرى وإباحية)؟ وعندما يجىء الرد بالإيجاب، يسارع متلقي الإجابة بمشاهدة الفيلم.

وكان بعض مشاهدي الأفلام من المراهقين يقومون بترديد عدد قبلات النجوم فى الفيلم بصوت مرتفع.

وفي تلك الفترة، كان كثير من الأسر يخجلون من مشاهدة الأفلام بدور السينما بسبب المشاهد الإباحية والعرى، ويفضلون مشاهدة الأفلام الهندية التي كانت تخلو من القبلات والعرى والإباحية.

وكان كثير من المنتجين والمخرجين يتعمدون تصوير مشاهد إباحية فجة ويعلمون أن الرقابة ستمنعها، وكانوا يستغلون المشاهد الإباحية الممنوعة ويقومون بنسخها على أفلام لتعرض بماكينات عرض مصغرة بمنازل بعض المراهقين خلسة دون علم الأهل.

ثم تطورت الأمور بعرضها من خلال شرائط الفيديو، وكانت المشاهد المرفوضة من الرقابة تدر دخلًا كبيرًا للمنتج والمخرج، وأشهر هذه المشاهد المقتطعة من فيلم “سيدة الأقمار”.

وازدادت الإباحية في أغلب الأفلام السينمائية، وأصبحنا نرى أفلامًا ليست عن رواية لأديب معروف، وتم تداولها واستُبدل مؤلف رواية الفيلم بفكرة فلان، ليتضح من أحد العارفين ببواطن الأمور أن الاتفاق على فكرة الفيلم يتم في جلسة خمر أو مخدرات، ويعجب المنتج والمخرج بها.

ومع مرور الزمن، يتضح أن أغلب ممثلات العرى هربن من أهلهن بعد تلقيهن وعودًا من بعض المنتجين والمخرجين بأنهن سيشتهرن وسيثرن، ومنهن من تزوجن سرًا أو علنًا من منتجين أو مخرجين أو ممثلين، ويقدمن مشاهد فاضحة دون خجل.

ولزيادة تشجيعهن، يتم من خلال بعض الإعلاميين إظهارهن بتأدية أعمال فنية متميزة مع نشر صور لهن بمايوهات بكيني وغير ذلك.

والعجيب ما أشيع عن هذه الأعمال بأنها “قوة ناعمة”، بالرغم من أنها ناعمة وعارية، وتجد من تتحدث عن تعدد زيجاتها على يد مأذون أو عرفي لأكثر من عشر زيجات.

وأصبحت الأفلام مضمونة الربح المرتفع التي تقدم إباحية لجذب المراهقين، لأنها كانت بمثابة تقديم دعارة بالنظر.

وكانت الأفلام الإباحية يتخللها سخرية من رجال الدين، ومهن المأذون والمدرس ورجل الشرطة، ودائمًا يقدمون المخطئ والمجرم في صورة مبهرة للمشاهد، ولا تتطرق تلك الأعمال لقصة كفاح ونجاح خاصة بعالم أو طبيب أو مدرس… إلخ.

أو يقدمون الطيبين ليقتدي بهم المشاهدون. وأتذكر في تسعينيات القرن الماضي كان يُجرى حديث تليفزيوني مع مخرجة كانت متخصصة في أفلام الهلس، وعندما سئلت عن عدم تقديمها أفلامًا عن أعمال إيجابية تفيد المجتمع، كان ردها: “أنا هشتغل مصلحة اجتماعية.”

ومع إلغاء الرقابة، أصبح منتجو أفلام الهلس في ازدياد، ومنهم من كان يسافر إلى دول غربية لشراء نسخ أفلام أجنبية مليئة بالإباحية ويحشوها بإعلانات قبل توزيعها على نوادي الفيديو التي كانت تؤجر الشرائط في تلك الفترة لراغبي مشاهدتها في منازلهم. ومع الأيام أصبح المنتج يُعتبر “منتجًا”.

وتطورت الإباحية والاسفاف، وتم تكريم البلطجة، وأصبحنا نرى أفلامًا ممزوجة بالعرى والبلطجة. وهذه الأفلام تحقق أعلى إيرادات بسبب إقبال فئات من الناس على توقيف السيارات بالطرقات والبلطجية وتجار المخدرات وأهل الشمال والجهلاء الذين لديهم وفرة مالية.

ولا عجب عندما سئل ممثل متميز في أفلام البلطجة عما إذا كان قد تعرض لتوقيف من بلطجية، فنفى تعرضه لذلك، لأنه يمثل أعلى نموذج للبلطجية.

إن الكثير من الأفلام السينمائية والمسرحيات وأغاني المهرجانات قد أضرت بالمجتمع بتسلسل منظم منذ الستينيات وحتى الآن، ووراء ذلك أيدٍ وأموال صهيونية تستخدم من ينفذون الأعمال الفنية المتدنية التي تنشر السلبيات ويتلقاها بعض المغيبين باعتبارها إيجابية وضمن الحريات.

ومؤخرًا قرأنا أن أحد عملاء الصهيونية يبحث عن ممثل يؤدي شخصية “سفاح التجمع” في فيلم ينوي إنتاجه، رغم أن هذا السفاح تأثر بالسوشيال ميديا السوداء، وقام بتصوير نفسه مع ضحاياه وهو يمارس الجنس معهن ثم يقتلهن للتربح من عرض إنتاجه القذر على السوشيال ميديا.

نتمنى عودة الرقابة وعدم السماح بالعرى والإباحية والبلطجة، ولابد أن تكون قصة الفيلم مأخوذة عن رواية لأحد الكتاب، وكذلك كلمات الأغاني. ويجب وضع ضوابط للترخيص للمنتجين؛ فليس من المقبول أن يكون المنتج تاجر خيش أو خردة أو لحوم أو مخدرات. إن ما يُطبق في الدول التي تتحكم فيها الصهيونية لا يصح أن يُطبق عندنا.

اقرأ أيضا للكاتب:

شريف عبد القادر يكتب: «إحنا اللي دهنا الهوا دوكو وعبّينا الشمس في أزايز»

زر الذهاب إلى الأعلى